دشن نشطاء سوريون مجموعات لتقديم المساعدات الإنسانية، ومنظمات مجتمع مدني ناشئة في المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون، وهو ما يضعهم في مهب الخطر إذا تمكن النظام السوري من استعادة السيطرة على تلك المناطق.

أعدَّت رنا خوري، وهي زميلة ما بعد مرحلة الدكتوراه بجامعة برينستون، تقريرًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية حذرت فيه من منع وصول المساعدات الإنسانية إلى السوريين في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، مشيرة إلى الخطر الذي يحيق بالنشطاء والمنظمات الدولية النشطة في مجال الإغاثة الدولية بهذه المناطق. 

كيف يؤدي منع المساعدات الدولية إلى تعريض حياة السوريين للخطر؟

في مستهل تقريرها، أشارت الكاتبة إلى أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وافق بالإجماع في يوم 9 يوليو (تموز) على تمديد آلية توصيل المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا. وكان قرار الأمم المتحدة لعام 2014 قد سمح لمنظمات الإغاثة الدولية بإرسال الإمدادات إلى سوريا من الدول المجاورة من دون الحصول على إذن من الحكومة السورية. 

Embed from Getty Images

منذ موافقة الأمم المتحدة على هذا القرار، استعادت الحكومة السورية السيطرة على بعض المناطق. وتتصدى روسيا والصين، حليفا النظام السوري في مجلس الأمن، لإيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود على اعتبار أنها تنتهك سيادة الدولة. ولم يبق سوى معبر حدودي واحد فحسب إلى سوريا يمر من تركيا.

وأوضح التقرير أن الحكومات الغربية والمنظمات الدولية أمضت شهورًا تُشدد على أن ملايين المدنيين في شمال سوريا يعتمدون على المساعدات القادمة عبر الحدود لمجرد البقاء على قيد الحياة. بيد أن الحكومة السورية اعتادت على منع المنظمات الدولية العاملة في دمشق من توصيل المساعدات عبر الخطوط الأمامية. وسيؤدي منع وصول المساعدات عبر الحدود إلى الإضرار بالمدنيين في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وأكدَّت كاتبة التقرير – بحسب البحث الذي وثَّقته – أن إغلاق المعبر الحدودي الأخير سيُهدد أيضًا المنظمات السورية التي تقدم المساعدات.

النمو الملحوظ لمنظمات الإغاثة السورية

واجهت الحكومة السورية انتفاضة الشعب السوري التي اندلعت في عام 2011 بالقمع في محاولة لإخمادها بالقوة. وأسفرت الحرب الأهلية التي أعقبتها عن نزوح أكثر من نصف سكان البلاد، ومقتل مئات الآلاف من السوريين، كما أنها أفسحت المجال أمام مجموعات عديدة لتنفيذ أعمال عنف متطرفة وغير مشروعة. 

وأشار بعض المراقبين إلى أن السوريين الذين ظلوا ينظمون احتجاجات وأعمالًا سلمية في المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون، بل حتى خارج البلاد، تعرضوا للاحتجاز، أو البطش، أو التهجير القسري طوال مدة الحرب. منذ بداية الصراع منعت الحكومة السورية منظمات الإغاثة الدولية من الدخول إلى المناطق التي تريد معاقبتها، لا سيما تلك المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون، ويقطنها مدنيون ونشطاء يُعارضون النظام السوري. 

ردًا على هذا المنع أنشأ عددٌ من منظمات الإغاثة الدولية فروعًا في الدول المجاورة حتى يتسنى لهم توصيل الإمدادات الطبية، وتوفير الدقيق للمخابز، وأدوات المراحيض والاستحمام، من الدول المجاورة مباشرة إلى المحتاجين. وكما أوضحت منظمة «أطباء بلا حدود» كانت هذه «الوسيلة الواقعية الوحيدة لزيادة حجم المساعدات في المناطق التي يسيطر عليها الثوار والمتمردون».

يستطرد التقرير موضحًا أن الوكالات التابعة للأمم المتحدة لم تستطع فعل ذلك؛ لأنهم يمارسون عملهم من خلال الحكومات. ولذلك ضغط «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)» من أجل الوصول إلى حل لهذه المشكلة. وكانت النتيجة أن أصدر مجلس الأمن في يوليو 2014 القرار رقم 2165 الذي يسمح لمنظمات الإغاثة بالعمل عبر الحدود من تركيا والأردن من دون الحصول على إذن من الحكومة السورية. وتظل هذه المنظمات قادرة على تزويد هذه المناطق بالمساعدات من العاصمة السورية. ولقد كان نهج «سوريا بأسرها» إبداعًا مؤسسيًا في هذا الصدد، على حد وصف التقرير.

بيد أن هذه المنظمات الدولية لم يكن في مقدورها أن تمارس عملها عبر الحدود بنفسها، ولا بسلاسة. بل كان وصول هذه المنظمات محفوفًا بالمخاطر وشائكًا، بالإضافة إلى أنهم كانوا يفتقرون إلى المعلومات الحديثة، ووسائل الاتصال. 

التكيف مع تداعيات الحرب

في الوقت نفسه كان السوريون الذين شاركوا في الانتفاضة الشعبية يتكيفون مع تداعيات الحرب. وبدلًا عن تنظيم الاحتجاجات مارَس عددٌ من المقيمين في المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون، والقاطنين في الدول المجاورة، أعمالًا أخرى، مثل الصحافة، والحكم المحلي. وعلى المستوى الإنساني كانوا يحاولون رعاية الاحتياجات الطبية، وتعليم الأطفال، الذين لم يعد بمقدورهم الذهاب إلى المدارس الحكومية. 

Embed from Getty Images

لم يكن لديهم أية خبرة للقيام بمثل هذه الأمور، كما لم يكن لديهم القدرة على توسيع نطاقه لتلبية احتياجات الآلاف في مخيم النازحين. لكنهم كانوا يتقنون اللغة نفسها، ولديهم إمكانية الوصول والرغبة في المخاطرة، وهي الأمور التي تنقص المنظمات الدولية التي تحاول توصيل المساعدات عبر الحدود.

وهكذا انعقدت الشراكة بين النشطاء المحليين والمنظمات الدولية؛ إذ قدمت المنظمات الدولية تمويلها، وبنيتها التحتية، وأنشطتها؛ ما ساعد أعضاء هذه المنظمات السورية الناشئة على إدارة المساعدات، مثل السلال الغذائية والمولدات، لكنهم يخاطرون بحياتهم لتنفيذ ذلك. وهم ما زالوا يسعون وراء قضيتهم التي آمنوا بها، ولكن من خلال تقديم المساعدات الإنسانية. وذلك على الرغم مما أكدته هيئة «كير» الدولية، أحد أكبر منظمات الإغاثة الإنسانية، من أن سوريا من بين أكثر دول العالم التي يتعرض فيها موظفو الإغاثة للقتل.

أحصى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عدد «المنظمات الشريكة» للعمليات عبر الحدود من تركيا كل شهر، ووجد أن عدد هذه المنظمات ارتفع من 49 منظمة في أبريل (نيسان) 2014 إلى أكثر من 400 منظمة في ديسمبر (كانون الأول) 2017. يُمثل هذا النمو الملحوظ المنظمات السورية شمالي غرب سوريا. وظهرت مئات المنظمات الأخرى هناك، وفي مناطق أخرى، وركزت على نحو متفاوت على اللاجئين، والمجتمع المدني، وإدارة شؤون الحكم، والتنمية والاستقرار.

المد يتحول ضد عمليات الإغاثة العابرة للحدود

أوضح التقرير أنه عندما سيطر المتمردون على مساحات كبيرة شمالي سوريا وجنوبيّها، تمكنت المنظمات الدولية من تقديم قدر كبير من المساعدات، لا سيما من خلال تركيا. لكن الحكومة السورية، مع استعادة سيطرتها على مزيد من المناطق، ضغطت لتوحيد كافة جهود عمليات المساعدة في العاصمة دمشق. وكان الفريق المسيطر على المناطق التي يكون فيها السوريون أكثر احتياجًا هو الذي يُحدد السماح بإيصال المساعدات الدولية، ولا يحددها المناطق التي يكون فيها السوريون أكثر احتياجًا فحسب.

حقوق إنسان

منذ 3 شهور
مترجم: لماذا فشلت دول العالم في الدفاع عن السوريين ضد نظام الأسد؟

في هذا الصدد أكدَّ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على ضرورة الاستمرار في تقديم المساعدات عبر الحدود، بغض النظر عن هوية الفريق المسيطر على تلك المناطق. لكن حلفاء سوريا في مجلس الأمن كانت لديهم خطط أخرى. إذ أصبحت مدينة درعا الواقعة جنوبيَّ سوريا تحت السيطرة الروسية والسورية في عام 2018، وعندما تجدد التفويض بتمديد عمليات الإغاثة العابرة للحدود في العام التالي ساعدت روسيا والصين في منع تسليم المساعدات إلى جنوبيّ البلاد عبر الحدود الأردنية، بالإضافة إلى معبر واحد كان مفتوحًا لمدة وجيزة من العراق إلى شماليّ شرق سوريا الذي يُسيطر عليه الأكراد.

ويخلص التقرير إلى أن هذا الأمر ترك محافظة إدلب الواقعة شماليّ غرب سوريا، آخر معقل متبقٍّ للمتمردين العرب في البلاد، وموطن ملايين النازحين والفئات السكانية الضعيفة الذين يعتمدون على المساعدات الدولية، في وضع حرج. وحذَّر مسؤولو الأمم المتحدة من أن الوضع في إدلب سيتحول «من مُرَّوع إلى كارثي» في حالة عدم وصول هذه المساعدات.

عمال الإغاثة السوريون معرَّضون للخطر

تختتم الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن قوات الأسد عندما استعادت سيطرتها على بعض المناطق، ومنعت وصول المساعدات جنوبي سوريا، سارعت مئات المنظمات العاملة إلى إغلاق مقراتها. وهذا ما حدث في حلب، وريف دمشق أيضًا؛ ما أجبر النشطاء ومنظماتهم على الفرار والتفرق.

وأدَّى هذا إلى مضاعفة معاناة السوريين، الذين يحتاجون إلى المساعدة، وتركهم معرضين لخطر محدق، بالإضافة إلى أنه يُعرض منظمات الإغاثة السورية الناشئة شمالي غرب سوريا للخطر. صحيحٌ أن مجلس الأمن جدَّد في الوقت الراهن إذن توصيل المساعدات عبر الحدود، لكن التهديد بمنع وصول المساعدات، وإغلاق المنظمات التي تعمل بالفعل بموجب عقود من الباطن قصيرة الأجل، وتعتمد على مشروعات تنافسية، ذكَّرها بأنها لا تستطيع الاعتماد على بقية العالم إلى أجل غير مسمى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد