يوم الاثنين، قد تنتهي مسيرة تجربة جريئة ومثيرة للجدل، حسبما وصفها هيو مايلز، وهو مؤلف كتاب «الجزيرة: كيف تحدت قناة إخبارية عربية العالم»، في مقالٍ له بصحيفة «الجارديان» البريطانية، في الإعلام والسياسة الشرق أوسطيين على نحوٍ مفاجئ. تواجه الجزيرة، والتي كانت تعتبر يومًا منارةً للإعلام العربي الحر، حيث كسرت هيمنة الشبكات الغربية وتدفق المعلومات من الشرق إلى الغرب للمرة الأولى منذ العصور الوسطى، الإغلاق إلى الأبد.

في 23 يوليو (تموز)، يتابع مايلز، أخضعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطر لعقوباتٍ دبلوماسية واقتصادية غير مسبوقة، أعقبها حصارٌ عنيف وتهديدات بتحركٍ أوسع إذا فشلت قطر في تنفيذ 13 مطلبًا، أحدها هو إغلاق شبكة الجزيرة.

يرى الكاتب أن الدوحة إذا استسلمت، وليس هناك مؤشرات إلى أنها سوف تفعل، فإنها سوف تفقد سيادتها وتصبح دولة تابعة للسعودية والإمارات. لكنه يستدرك قائلًا إن عدم الالتزام بالمهلة قد يقود إلى تغيير النظام في قطر أو حتى الحرب.

ويضيف مايلز أنه مهما حدث فإنه يحسب للجزيرة أنها، عقب 21 عامًا من إطلاقها، لا تزال تشكل تحديًا لمن في السلطة، حيث لا تستطيع الكثير من وسائل الإعلام الأخرى ادعاء نفس التأثير. لكن الجزيرة ليست مثل أي شبكةٍ أخرى. منذ أن بدأت البث عام 1996، يكتب مايلز، أحدثت الجزيرة ثورة في الإعلام العربي، وفي عام 2010 لعبت دورًا كبيرًا في إحداث ثورة سياسية حقيقية في العالم العربي.

قبل أن تبدأ الجزيرة البث، كانت الأخبار التليفزيونية العربية هراءً سلطويًا. ركزت الأخبار بشكلٍ رئيس على ما فعله الشيخ أو الأمير أو الرئيس في ذلك اليوم، مع بعض الأخبار عن ولي العهد، وبعض الحديث عن مدى حسن حظ الأمة بوجود مثل تلك الرموز الأبوية البطولية. نسفت الجزيرة كل ذلك تمامًا، يتابع مايلز، حيث أفسحت مجالًا لجميع الأصوات التي تم حجبها كي يتم سماعها، من الإسرائيليين ومعمر القذافي إلى المتمردين الشيشان وطالبان وأسامة بن لادن.

اقرأ أيضًا: حصاد «حصار قطر».. بعد 17 يومًا: من المنتصر حتى الآن في «صراع العروش»؟

يذكر مايلز أنه في أيام مجدها كانت المدن العربية تصبح أكثر هدوءًا على نحوٍ ملحوظ عندما يبدأ بث برنامج الاتجاه المعاكس الذي يقدمه فيصل القاسم، وتضمنت القائمة الطويلة للأسباق الصحفية التي قامت بها الجزيرة تغطيتها لعملية ثعلب الصحراء في العراق عام 1998 ومقابلة مع بن لادن عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) والغزو الأمريكي لأفغانستان، عندما كانت الجزيرة الشبكة الوحيدة الموجودة في البلاد وأصبحت لبضعة أسابيع وكالة الأنباء المتاحة للعالم.

كانت الجزيرة أول قناةٍ عربية تقدم الصحافة الاستقصائية الحقيقية والأولى التي تستضيف جميع أنواع الضيوف المحظورين سابقًا في برامجها الحوارية، حيث عالجت موضوعاتٍ شائكة مثل التفجيرات الانتحارية ووجود الإله، حسب مايلز. حطم ذلك المروقُ المحظوراتِ الاجتماعية والسياسية والدينية ووضع مقياسًا جديدًا للتقارير في الشرق الأوسط. ويتابع مايلز قائلًا إنها قدمت مفاهيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان ووسعت بشدة حدود حرية التعبير.

ويضيف مايلز أن الجزيرة أزعجت الحكومات الأخرى في المنطقة بسبب أن أحدًا منها، باستثناء تونس ما بعد الثورة، لا يتمتع بشرعيةٍ ديمقراطية وبالتالي فإنها تخشى من أي شيء قد يضعف قبضتها على السلطة. اشتعلت سلسلة من الأزمات التي لا تنتهي بين قطر وجميع بلدان المنطقة عدا عمان، بالإضافة إلى العديد من البلدان غير العربية. استخدم أعداء الشبكة الكثيرون كل ما في وسعهم من حيل لمحاولة غلقها، من القبض على مراسليها وإغلاق مكاتبها إلى ترحيل عائلات عامليها ومضايقة المعلنين المحتملين ورفع دعاوي تافهة، وفي حالة الولايات المتحدة، قصف مكاتبها مرتين وقتل أعضاءٍ من طاقمها.

بعد أعوامٍ من الفشل في إحداث تأثير، يتابع مايلز، أدركت الحكومات العربية أخيرًا أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع الجزيرة هي هزيمتها على ملعبها، وهو ما جعل السعودية تطلق منافسها العنيد تليفزيون العربية في عام 2003. بسبب عدم وجود بيانات مشاهدة ذات مصداقية لا يمكننا معرفة أيهما أكثر شعبية اليوم على وجه اليقين. رغم أن الجزيرة محظورة حاليًا في مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، فإنها تظل الجزيرة، حسبما يرى مايلز، لكن العربية عادةً ما تنازع ذلك.

من المهم تذكر أن الجزيرة ليست سبب الخلاف الوحيد بين قطر وجيرانها. قد تكون السعودية وقطر البلدين الوهابيين الوحيدين في العالم، لكن لديهما أيضًا العديد من الخلافات التاريخية والأيديولوجية، كما تشهد بذلك قائمة المطالب الـ13. الجزيرة ضمن القائمة لأنها رمزٌ قوي لقطر وأوضح تجل للسياسة القطرية. لكن هناك سببًا أعمق، حسب مايلز، كي يتمكن الغربيون من فهم الأمر، يجب أن يدركوا أن للجزيرة وجهين، أحدهما عربي والآخر إنجليزي، والوجه العربي هو الذي يسبب جميع المشكلات في جوار قطر.

اعتاد الغربيون على الوجه الإنجليزي للجزيرة: موقع وقناة الجزيرة باللغة الإنجليزية، أخبارٌ ووثائقيات عالية الجودة تركز على العالم النامي. مقارنةً بقنوات الأخبار الإنجليزية العالمية البديلة، مثل «بي بي سي» و«ورلد» و«سي إن إن إنترناشونال» و«فرانس 24» و«روسيا اليوم»، يتفق معظم المراقبين على أن الجزيرة الناطقة بالإنجليزية ذات جودةٍ رفيعة.

كان الفشل الأكبر للجزيرة الناطقة بالإنجليزية حتى الآن هو عدم قدرتها على اقتحام السوق الأمريكي، حسب مايلز، لكن حتى «بي بي سي» تكافح هناك، وهو ما يعكس على الأرجح مستوى تعقيد المشاهد الأمريكي العادي، وليس المنتج الذي تقدمه الجزيرة. في الولايات المتحدة، حيث تعود المشاهدون على وسائل الإعلام ذات الجودة، تعتبر الجزيرة الناطقة بالإنجليزية إحدى القنوات الرائدة وبديلًا ذا شأن لـ«بي بي سي» أو «سكاي» أو «تشانل 4».

بجانب كونها أيضًا قناةً إخبارية تبث على مدار 24 ساعة، يرى مايلز أن الجزيرة الناطقة بالعربية هي نوعٌ مختلف من الوحوش فيما يتعلق باللغة والمحتوى والإطار المرجعي مقارنةً بنظيرتها الناطقة بالإنجليزية، وهو ما لا يعد مفاجأة بالنظر إلى أنها موجهة إلى جمهورٍ مختلفٍ تمامًا.

ما يجعل جيران قطر غير مرتاحين، حسب مايلز، هو نجاح الجزيرة في تشكيل وعيٍ سياسي جديد بين العرب وإلقاء الضوء على قضايا مثل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. أكثر ما يكرهونه هو التصور المنتشر، والذي تتشاركه القيادة القطرية، بأنه عاجلًا أو آجلًا سوف تصل الجماعات الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين وحماس، إلى السلطة في أنحاء المنطقة، مدفوعةً إما بثورة أو انتخاباتٍ ديمقراطية.

اقرأ أيضًا: «هيومن رايتس ووتش».. وسائل إعلام تتعرض للحجب والتهديد في سياق الخلاف مع قطر

وحيث إن هذه قضية تقلق أيضًا إسرائيل والعديدين في الغرب، فإنها تقطة ركز عليها جيران قطر، على الرغم من أن حماس لم تذكر في قائمة المطالب بسبب شعبيتها وسط الجمهور العربي.

بالنظر إلى أنه في المرات القليلة التي تمكنت فيها الدول العربية السنية من إقامة إنتخابات حرة نزيهة فقد فازت بها الأحزاب الإسلامية، على الرغم من أنه ليس مسموحًا لها أن تصل إلى السلطة أو تحتفظ بها طويلًا، فإن افتراض قطر وصول تلك الأحزاب إلى السلطة لا يفتقر إلى سندٍ من واقع، لكن بالنسبة إلى جيران قطر فإن تلك هرطقة.

يرى مايلز أن الأنظمة العربية التي تطارد قطر اليوم، والتي يصفها بالمحور المعادي للثورات في المنطقة، جميعها معرضة للإطاحة بها في ثوراتٍ شعبية واستبدال جماعاتٍ إسلامية بها، لذا فإن رؤية تلك الجماعات يتم تقديمها كمعارضةٍ سياسية شرعية على الجزيرة والسماح لها بالتحريض على التغيير السياسي يمثل خطرًا وجوديًا واضحًا.

ويمضي مايلز قائلًا إن المحور المعادي للثورات ينفق موارد كبيرة لقمع وشيطنة العديد من الأفراد والجماعات التي تعتبر الجزيرة منبرًا لها واصفًا إياها بالإرهابية، لكن المشكلة هي أن قطر تبدو على الجانب الصحيح من التاريخ.

العرب بوجهٍ عام قد نالوا الكفاية من أنظمتهم الفاسدة غير المنتخبة والتي لا فائدة منها ومستعدون للبديل في المستقبل، طالما لم يبد مثل الماضي. ويضيف مايلز أن العديد من العرب السنة، الليبراليين والإسلاميين على حدٍ سواء، يجدون مسار الجزيرة الديمقراطي الإسلامي ورؤيتها المتفائلة أكثر إلهامًا بكثير من الرؤى التي تروجها أنظمتهم المكروهة والمرهوبة على نطاقٍ واسع.

ويختتم مايلز بأن النظام القطري هو، بالطبع، نظامٌ سلطوي، لكن حيث إن قطر بلدٌ شديد الصغر والثراء فإن القواعد العادية لا تنطبق هناك. هذا هو سبب أنها لم تظهر أي مؤشرات للموافقة على أيٍ من المطالب التي اشترطت عليها، رغم انتهاء المهلة يوم الاثنين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد