نشرت جريدة «فورين أفيرز» تقريرًا يستعرض موجة التراجع الديمقراطي في أنحاء العالم، في الأعوام الأخيرة. وفقًا للتقرير، واجهت الديمقراطية تراجعات حادّة في 27 دولة، من ضمنها كينيا، وروسيا، وتركيا. أيضًا فإن الأنظمة السلطوية أصبحت أكثر تضييقًا وأقل انفتاحًا وشفافية، إذ تسعى إلى إسكات أشكال التمرّد والمعارضة على شبكة الإنترنت وعلى أرض الواقع، بفرض قيودٍ على مؤسسات المجتمع المدني، والشركات الأجنبية.

ما زاد المشكلة، أنَّ الديمقراطية فقدت الكثير من جاذبيتها لدى الشعوب، بعد أن فشلت العديد من الديمقراطيات الصاعدة في تحقيق آمال الشعوب في الحرية والأمن والنمو الاقتصادي، وبدأت العديد من الديمقراطيات الراسخة، مثل الولايات المتّحدة، يُصيبها الاختلال. هذا بينما تؤكّد أعوام الرخاء والنمو الاقتصادي التي عاشتها دولة سلطوية مثل الصين، أن الدول لا تحتاج إلى الحرية والديمقراطية لتحقق الرخاء.

صحيحٌ أن هناك بعض الأمثلة الإيجابية، مثل نيجيريا وسريلانكا وتونس، وأنَّ النموذج السلطوي في روسيا والصين بدأ يفقد الكثير من بريقه مع تباطؤ النمو الاقتصادي وتأرجح أسعار النفط. مع ذلك، يتوجّب على أنصار الديمقراطية، وفقًا للتقرير، استغلال هذه الفرص، ودعم موجة جديدة من الحرية في أنحاء الكرة الأرضية، خاصة في قارة آسيا، منعًا لانتشار المزيد من الحكومات الديكتاتورية، وما يعنيه هذا من تقويض للحرية والاستقرار.

أمريكا تترك الساحة للسلطويين

عام 2013، أظهر استطلاع رأي أجراه مركز أبحاث «بيو» أن 80% من الأمريكيين يرون أنّ الولايات المتّحدة يجب أن تُركز على مشاكلها الداخلية أكثر، بينما 18% فقط أيّدوا إعطاء بلادهم الأولوية لسياسة «ترويج الديمقراطية». يُشير التقرير إلى أن أحدًا من المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية لم يجعل من ترويج الديمقراطية في الخارج حجر أساس لحملته.

صحيحٌ أن الولايات المتّحدة استمرت في دعم بعض الجهود غير الحكومية، لكن التمويل لبرامج حقوق الإنسان والديمقراطية وأنظمة الحكم، والذي كان يتمّ بشكل رئيسي من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، انخفض بمقدار حوالي 400 مليون دولار.

الفراغ الذي تركته الولايات المتّحدة لم تتدخل الكثير من الجهات والدول لملئه، فتحالف «مجتمع الديمقراطيات» الدولي، الذي تأسس عام 2000، يفتقر إلى الموارد اللازمة. حتى الاتحاد الأوروبي وقف صامتًا إزاء ممارسات رئيس الوزاء المجري، «فيكتور أوربان»، بل وسعى إلى التفاوض مع أنقرة بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد في مقابل المُساعدة في حل أزمة اللاجئين.

مع تقلّص التمويل، وإغلاق بعض المراكز الحقوقية مثل المركز الدولي لحقوق الإنسان بكندا، ومع انشغال الديمقراطيات الصاعدة مثل البرازيل وإندونيسيا بمشاكلها الداخلية؛ خلت الساحة أمام الحكومات السلطوية لتنشر قيمها المُعادية لليبرالية، وتصدّر تكنولوجياتها القمعية إلى دول أخرى. فإيران، مثلما يقول التقرير، تستغل نفوذها السياسي والعسكري لزعزعة استقرار دول المنطقة. وروسيا تسعى إلى دعم الحركات الانفصالية في جورجيا وأوكرانيا، وتصعيد الموالين لها إلى سدة الحكم. أمدت روسيا والصين كذلك عدة دول بتكنولوجيات ووسائل الرقابة على الإنترنت والاتصالات، لمساعدتهم في قمع مواطنيهم.

التوقّف عن شرعنة الأنظمة الدكتاتورية.. وتوفير الدعم للديمقراطيات الهشّة

يرى المقال أنّ الولايات المتّحدة لكي تلعب دورها في تعزيز الديمقراطية، عليها أن تحذر من إعطاء الشرعية للحكومات الديكتاتورية. للولايات المتّحدة أكثر من سابقة في ذلك، منها ما قاله «جورج بوش» الأب لـ«فرديناند ماركوس»، ديكتاتور الفلبين عام 1981: «إننا نحب تمسكك بالمبادئ الديمقراطية». في الأعوام التالية، تصاعدت انتهاكات «ماركوس»، واغتيل منافسه الأساسي في المعارضة الديمقراطية، «بينينو أكوينو جونيور».

مؤخرًا، في 2015، زار الرئيس «باراك أوباما» إثيوبيا، ووصف حكومتها التي أجرت انتخابات صورية في بداية العام ذاته بأنّها «منتخبة ديمقراطيًا»، قائلًا إنه يأمل من نظامها الذي يصفه التقرير بـ«الفاسد شبه السلطوي»، أن يستمر في طريقه إلى ديمقراطية أقوى وأكثر شفافية.

سيتوجّب على الرئيس القادم أن يزيد من من الدعم المالي للديمقراطيات الهشة، والدول التي تشهد تحولًا سياسيًا، مثل ميانمار وتونس وأوكرانيا، خاصة مع كون هذه الدول عرضة للتدخل الأجنبي. صحيحٌ أنّ الولايات المتحدة قد زادت بشكل كبير من دعمها المالي لتونس وأوكرانيا، لكن يمكنها فعل المزيد من أجل تدعيم العملية الديمقراطية فيها، بأن تشترط على هذه الدول مُحاربة الفساد، وتحسين جودة الحكم في مقابل زيادة الدعم.

يشير التقرير كذلك إلى أن الدول تسلك مسلك جيرانها الإقليميين، وعليه فإن الحكومة الأمريكية عليها أن تستهدف الدول التي لها أثر كبير على منطقةٍ بأسرها. كذلك الدول المأهولة بعدد كبير من السكان، مثل إندونيسيا وميانمار ونيجيريا. لا يعني ذلك بالطبع إهمال الدول الصغيرة، مثل جورجيا وتونس والسنغال، التي يتابعها العديد من اللاعبين السياسيين والمدنيين انتظارًا لنجاح أو فشل العملية الديمقراطية.

مُحاربة الفساد

ينبّه التقرير إلى أنّ أي سياسة لدعم الديمقراطية لابد وأن تتضمن خطوات جادة وذكية لمحاربة الفساد الذي تقوم عليه أغلب الأنظمة السلطوية. يجب على الولايات المتّحدة أن تُصعّد من جهودها لتعقّب ممتلكات الحكام الديكتاتوريين ورجلهم، ومقاضاتهم بتهمة غسيل الأموال، وإعادة ثرواتهم إلى الشعوب. سيكون على الإدارة القادمة توجيه منظمة USAID إلى إعطاء الأولوية لبرامج مساعدة الدول على بناء هياكل قادرة على محاسبة المسئولين الحكوميين والتفتيش عن حساباتهم، وكذلك مساعدة منظمات المجتمع المدني والإعلام على تعقّب الأموال المنهوبة.

منذ أطلقت وزارة العدل الأمريكية «مبادرة استعادة ممتلكات الحكومات الفاسدة» في 2010، تمكنّت الولايات المتّحدة من رفع 25 قضية على 20 مسؤولًا أجنبيًا، من ضمنهم «جولنار كريموفا»، نجلة الرئيس الأوزبكي، بهدف استعادة 1.5 مليار من الأموال التي نهبوها. سيتوجّب على الرئيس القادم توفير المزيد من الدعم المالي والسياسي للتوسع في هذه المبادرات محليًا وعالميًا، حتى لا يجد الفاسدون ملاذاتٍ آمنة لثرواتهم المنهوبة.

سلاح الدبلوماسية.. والاتفاقيات التجارية

وسيلة فعالة أخرى لدعم الديمقراطية، هي استخدام الهيئات الدبلوماسية الأمريكية في توفير الحصانة اللازمة لحماية النشطاء من استهداف الأنظمة لهم. خيرُ مثال على ذلك هو الدعم الدبلوماسي الأوروأمريكي لحركة «النساء ذوات الثياب البيضاء» Ladies in White، التي شكّلتها نساءٌ من ضمنهن زوجات الُمعتقلين في كوبا. وفي الحالات الطارئة، يُمكن إيواء المعارضين في مباني السفارات والقنصليات، مثلما آوت السفارة الأمريكية العالم الصيني «فانج لي تشي»، بعد اعتداء القوات الصينية على المتظاهرين بميدان «تيانانمن»، عام 1989.

كذلك يستطيع الدبلوماسيون التواصل بسهولة مع القادة المحليين، وهو ما يعطيهم فرصة مميزة لدفع الحكام الديكتاتوريين نحو الإصلاح، خاصة في الدول التي تشهد تحولًا ديمقراطيًا، مثل ميانمار. ربّما يبدو الأمر عديم الفائدة في مواجهة أنظمة أكثر استقرارًا، مثل الصين. لكن كل نظام سلطوي يحتوي بداخله على عناصر براجماتية معتدلة تدرك الحاجة إلى الانفتاح السياسي.

يُمكن كذلك استخدام الاتفاقيات التجارية في دفع الحكومات إلى اتخاذ نهج أكثر ديمقراطية. بحسب التقرير، تؤكد عدة دراسات أكاديمية أنّ اتفاقيات التجارة الحرة يُمكنها أن تحقق تحسّنات ملموسة في حال اشتراط إجراءات تعزيزية لحقوق الإنسان من أجل تمرير الاتفاقية. وهو ما أكّده البيت الأبيض، إذ إنّ عملية التفاوض حول اتفاقية الشراكة العابرة للأطلنطي دفعت سلطنة بروناي إلى توقيع اتفاقية الأمم المتّحدة ضد التعذيب، وفييتنام إلى التصديق عليها.

الداخل أولًا

ينتهي التقرير إلى أن أي ترويج للديمقراطية في الخارج لابد أن يبدأ من الداخل. بوضعها الحالي، لم تعد الديمقراطية الأمريكية مُثيرة للإعجاب أو التقليد، فالانتخابات الرئاسية كشفت عن غضب شعبي عميق، وشعور بالإقصاء لم تفلح واشنطن في تهدئته. بين استخدامٍ للأموال في العملية الانتخابية، ونمو واضح لجماعات الضغط السياسي الساعية لخدمة مصالحها الخاصة؛ تشهد السياسة الأمريكية درجة غير مسبوقة من الاستقطاب، تسببت في عرقلة إصدار القوانين، واختلافات بين الحزبين حول السياسات الخارجية.

استغل أعداء الديمقراطية، وفقًا للتقرير، هذه المظاهر الدالة على الفشل السياسي، حيثُ قال الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» أنّه «لا ديمقراطية حقيقية» في الولايات المتّحدة، ووصف الرئيس الإيراني السابق «أحمدي نجاد» الانتخابات الأمريكية بأنها «أرض معركة بين الرأسماليين».

سيتوجّب على الحكومة الأمريكية القادمة أن تتخذ من الإجراءات ما يدفع هذه التهم عن أكبر ديمقراطيات العالم، عن طريق تعديل القوانين التي تسمح بالتلاعب والاستقطاب، من ضمنها القوانين المالية المنظمة لحملات الدعاية.

باستخدام الوسائل السالف ذكرها، داخل الولايات المتّحدة وخارجها، يُمكن الخروج من حالة التراجع الديمقراطي الحالية إلى فترة جديدة تُحرز فيها القوى الديمقراطية تقدّمًا، لتتغلب على الأنظمة السلطوية الفاسدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد