نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلًا عن تراجع الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، أعده إيشان ثارور بالتعاون مع بنيامين سولوي، وتناولا فيه أوضاع الديمقراطية، وما آلت إليه خلال الأربعة عشر عامًا الأخيرة، في ضوء التقرير الصادر عن مؤسسة «فريدوم هاوس» الأمريكية، المدافعة عن الحريات في مختلف أنحاء العالم.

الديمقراطية في تراجع

قال معدا التقرير: إنه «للعام الرابع عشر على التوالي حذر تقرير سنوي كبير أُعد حول وضع الديمقراطية العالمية من أنها في حالة تراجع». ففي دراسة استقصائية لتقييم 195 دولة و15 منطقة، أجرتها مؤسسة «فريدوم هاوس» – وهي منظمة غير حكومية وغير حزبية تأسست عام 1941 للدفاع عن الديمقراطية، والحرية السياسية، وحقوق الإنسان – وجدت المنظمة أن الحريات السياسية والحريات المدنية في جميع أنحاء العالم تتراجع أكثر مما تتحسن.

دولي

منذ شهر
السر في فوز ترامب.. «المجمعات الانتخابية» التي تفوق أهميتها أحيانًا أصوات الأفراد

وجاء في الجملة الافتتاحية لتقرير المنظمة، الذي كتبته سارة ريبوتشي: «الديمقراطية والتعددية تتعرضان للاعتداء». وأضاف التقرير: «الدكتاتوريون يبذلون أقصى جهدهم للقضاء على آخر بقايا المعارضة الداخلية، وينشرون تأثيرهم الضار في أركان جديدة من العالم».

وترى الصحيفة أن المشتبه بهم المعتادين لا يزالون من بين أسوأ المجرمين. وانتقدت «فريدوم هاوس» الصين بسبب «هجومها الشموليّ» الذي قامت به في مقاطعة شينجيانج وحملات القمع الأخرى، وحذرت من «حملة بكين المتواصلة للاستبدال برؤيتها الاستبدادية المعايير الدولية الحالية».

Embed from Getty Images

واستشهد التقرير أيضًا بـ«الانتخابات التي نظمتها روسيا» في عام 2019، حين أوصدت الأبواب إلى حد كبير في وجه المعارضة الحقيقية. وأضاف أن القيادة الإيرانية، في حين زرعت «الشقاق» في البلدان المجاورة، فإنها نشرت قوات الأمن التي استخدمت الذخيرة الحية لسحق المظاهرات في الخريف الماضي؛ مما أسفر عن مقتل مئات الأشخاص.

ولكن ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو: التآكل المطرد الذي نراه في «الديمقراطيات الراسخة»، حيث شهدت أكثر من 20 منها خسائر فادحة في تصنيفات الديمقراطية الخاصة بها – والتي أجرتها منظمة «فريدوم هاوس» مستخدمة مجموعة مفصلة من التصنيفات والمقاييس – منذ عام 2006. ويتوافق هذا الاتجاه تمامًا مع المكاسب والنفوذ المتزايد الذي حققه القوميون غير الليبراليين في آسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية.

وكتبت سارة ريبوتشي: «إن العديد من القادة المنتخبين بطريقة حرة يقصرون هواجسهم ومخاوفهم بشكل درامي على التفسير الخاطئ لمفهوم المصلحة الوطنية». وتضيف ريبوتشي: «في الواقع مثل هؤلاء القادة – بمن فيهم من الرؤساء التنفيذيين في الولايات المتحدة والهند، أكبر ديمقراطيتين في العالم – مستعدون بشكل متزايد لتعطيل الضمانات المؤسسية وتجاهل حقوق المنتقدين (المعارضين) والأقليات أثناء تنفيذهم لأجنداتهم الشعبوية».

وترى الصحيفة أن الرئيس ترامب هو جزء رئيس من هذه القصة. وأبرز تقرير أعدته «فريدوم هاوس»، يحمل عنوان: «صراع بلا قادة من أجل الديمقراطية»، يسلط الضوء على «الضغط» الذي يمارسه ترامب «على النزاهة الانتخابية، واستقلال القضاء، والضمانات ضد حدوث الفساد» في الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى «تراجع المعاملة العادلة (النزيهة) والمتساوية للاجئين وطالبي اللجوء»، تحت سمع ترامب وبصره؛ وهو أمر «مثير للقلق بالنسبة لبلد يفخر بدوره التقليدي كمنارة يهتدي إليها المضطهدون».

في الواقع إن رغبة أمريكا المتضائلة في أن تكون مثالًا يحتذى به على المسرح العالمي تقلق مؤسسة «فريدوم هاوس» للغاية. وقال مايكل أبرامويتز، رئيس مؤسسة «فريدوم هاوس»، لمدونة «تودايز وورلد فيو» التابعة لصحيفة «واشنطن بوست»: «حتى لو بقيت الولايات المتحدة حرة للغاية، فقد يكون لخطابها آثار كبيرة تتجاوز حدود أمريكا». وأشار أبرامويتز على وجه الخصوص إلى الحكومات الأجنبية العديدة التي استغلت هجمات ترامب على وسائل الإعلام «المزيفة» لتتبنى سياسات أو تشريعات تجرّم حرية التعبير، أو تقمعها في بلدانها.

وترى كاتبة المقال أن ترامب – في أفضل تقدير – كان غير متسق في دفاعه عن التطلعات الديمقراطية للبلدان في جميع أنحاء العالم. وقال أبرامويتز: «لقد كانت الإدارة قوية فيما يتعلق بقضايا مثل إيران وفنزويلا، لكن خطابها كان أقل حزمًا تجاه الحكام المستبدين (الأوتوقراطيين)، والملوك في الشرق الأوسط، أو في مواجهة التوترات المزعجة التي تطفح على السطح في الهند، التي تعتبر أكبر ديمقراطية في العالم».

«فريدوم هاوس»: الحرية والديمقراطية ليستا نبتًا غربيًا

وجهت مؤسسة «فريدوم هاوس» انتقادات لاذعة في تقييمها للحزب القومي الهندوسي الحاكم في الهند في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وقالت: إن «تغافل الهند عن المعايير الديمقراطية على نحوٍ مزعج»! أدى إلى تسجيلها أكبر انخفاض في النتيجة بين الديمقراطيات الكبرى المصنفة في التقرير.

Embed from Getty Images

 تظاهرات مناهضة للعنف ففي الهند

وتذكر الصحيفة أن هناك دليلًا على وجود تحولٍ غير ليبرالي واسع النطاق على الساحة. وتدلل على ذلك بدراسة أجراها مركز «بيو» للأبحاث، شملت 34 دولة ونشرت الأسبوع الماضي، وخلصت إلى وجود التزام أو حماس متباين ​​تجاه الديمقراطية بين المواطنين الذين يعيشون في المجتمعات الديمقراطية.

ففي الهند وإسرائيل، وكليهما يعيشان في ظل حكومتين قوميتين غير ليبراليتين، رأت مجموعة ممن استُطلعت آراؤهم أن حرية التعبير «مهمة للغاية» في مجتمعاتهم، لكن هذه النسبة كانت أقل بكثير عن النسبة المسجلة في استطلاع رأي مماثل أُجري منذ خمس سنوات مضت.

لكن المشهد ليس دومًا مُفعمًا بالأخبار القاتمة أو السيئة. إذ تميزت السنة الماضية بموجة من الحركات المؤيدة للديمقراطية والحماس السياسي، إذ طالب المتظاهرون من هونج كونج إلى الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية بمزيد من الحريات وبحكم أفضل.

وفي ظل هذا الوضع قال أبرامويتز: «إن تحقيق المصالح من خلال الحرية، وقضية الديمقراطية، ليستا نبتًا غربيًا، إنها دليل على أنه حتى المستبدين يجب أن يستجيبوا لمصالح الشعب».

السودان وهونج كونج.. نقطة مضيئة وأمل في مستقبل الديمقراطية

استشهد رئيس مؤسسة «فريدوم هاوس» بدولة السودان، حيث اقتلعت المظاهرات طاغية ظل في الحكم لفترة طويلة، ومجرمًا متهمًا بارتكاب جرائم حرب، ورأي أبرامويتز «أن هذه واحدة من النقاط المضيئة لهذا العام»، مضيفًا أن السودان وهونج كونج – حيث يقف المتظاهرون في الأخيرة بمنتهى الشجاعة، بالرغم من التوجس والحذر من بكين، ضد هيمنة الحزب الشيوعي –  «هي حالات تجعلني أشعر بالأمل فيما يتعلق بمستقبل الديمقراطية».

وينبه الكاتب قائلًا: لكن «حتى في هذه الحالات تكون المكاسب هشة. فقد يتعثر انتقال السودان المدعوم من الجيش بسهولة. وقد يؤدي القمع الدموي في هونج كونج إلى القضاء على حركتها الاحتجاجية وآفاق الديمقراطية».

وأشار تقرير «فريدوم هاوس» إلى ذلك قائلًا: «اليوم بينما يحصن المستبدون أنفسهم في الداخل، ويمددون نطاق مسعاهم الدولي، وبما أن بعض الزعماء المنتخبين يتبنون رؤية قصيرة النظر تخدم مصالحهم، وتعبر عن مسؤولياتهم الرسمية من خلال رؤية تمييزية، يصبح العالم أقل استقرارًا وأمانًا، وتصبح الحريات والمصالح الخاصة بجميع المجتمعات المفتوحة عرضة للخطر. إلا أن المد يمكن أن ينعكس، لكن تأخر حدوث هذا يجعل المهمة أكثر صعوبة وأكثر كلفة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد