قال شادي حامد – زميل بارز في مشروع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي في معهد بروكنجز – في مقال له على موقع مجلة «ذي أتلانتك» إنّ السبيل لتعاون الأحزاب السياسية والسياسيين في الديمقراطيات هو وضع أساسات لأنظمة حكم رشيدة

وأوضح شادي أنّ القارة العجوز عانت من انقسامات حادة – مع التهديد بحروب أهلية من وقت إلى آخر – في منتصف القرن العشرين. فقد تبنت كل دولة أوروبية ثقافات فرعية وأيديولوجيا تختلف عن شقيقاتها – كانت تسمى أحيانًا بالعائلات الروحية أو الأعمدة – لكن تلك الدول استطاعت لاحقًا التوفيق فيما بينها عبر اتخاذ ترتيبات سياسية مبتكرة عُرفت باسم «الديمقراطية التوافقية».

اقرأ أيضًا: «التجربة الصومالية».. رئيس جديد على الطريقة الديمقراطية

ولكن لو أردنا إسقاط الأمر على الوضع في الشرق الأوسط، لواجهنا بعض الصعوبة – يؤكد شادي. فحتى تنجح فكرة الديمقراطية التوافقية، يجب أن يحتوي المجتمع على عدة أطراف فاعلة، وألا تمتلك أي منها القدرة على الهيمنة وإقصاء الآخرين. لعل لبنان أحد النماذج التي ينطبق عليها هذا المفهوم. لكن هذا المنهج ينحسر في دول مثل مصر وتركيا وتونس؛ إذ يسود اعتقاد في تلك البلدان أن الإسلاميين يحظون بالتأييد الشعبي، بينما لا يجد العلمانيون موطئ قدم حقيقي لهم في المجتمع، مما يزيد بشدة من حدة الاستقطاب.

وفي أوروبا، كانت الحدود واضحة بين فئات المجتمع المختلفة. على سبيل المثال، كان من السهل التمييز بين الفلمنكيين والوالويين في بلجيكا. لكن الخليط المجتمعي في تركيا ومصر وتونس متجانس، وهو ما يعتبره البعض دومًا ميزة إيجابية عند تشكيل الهوية الوطنية، ولكن لهذا سلبياته أيضًا. إنّ الاختلافات بين الإسلاميين وغيرهم في بلدان الشرق الأوسط ليست كبيرة؛ فهم يعيشون جنبًا إلى جنب ويرتادون نفس المنازل ويتزاورون فيما بينهم.

حتى تنجح فكرة الديمقراطية التوافقية في الشرق الأوسط، يجب أن يحتوي المجتمع على عدة أطراف
فاعلة، وألا تمتلك أي منها القدرة على الهيمنة وإقصاء الآخرين. لعل لبنان
أحد النماذج التي ينطبق عليها هذا المفهوم. لكن هذا المنهج ينحسر في دول
مثل مصر وتركيا وتونس.

ولكن على الرغم من ضعف هذا التجانس – يشير شادي – فإن مبادئ الديمقراطية التوافقية أي تَشارك السلطة ونشرها وتقييدها، قد تكون مفيدة. ويرى شادي أن حال مصر كان سيختلف لو أنها طبقت نظام الجمهورية البرلمانية حيث يكون منصب الرئيس شرفيًا. لكن منذ حصول مصر على استقلالها، كان لمنصب الرئيس أهمية قصوى في النظام السياسي. وعلى الرغم من أن الرئيس محمد مرسي – أول رئيس منتخب في 2012 – كان أضعف من سابقيه، لكنه تمتع بصلاحيات غير متجانسة في النظام المصري المركزي. ولهذا فقد أصبح محط انتقادات المعارضة. ولأنّ السباقات الرئاسية تمنح المرشح كل شيء (إذا فاز بالمنصب) أو لا تمنحه أي شيء (إذا خسر) فإنّ هذا يحد من التنافس السياسي. وقد استغل الجيش هذا الأمر في إسقاط محمد مرسي عن الحكم.

على الجانب الآخر – يضيف شادي – فإن النظام البرلماني سيضع السلطة بين يدي رئيس وزراء قوي يمكن استبداله بسهولة دون الحاجة إلى التخلي عن الديمقراطية مثلما فعل المصريون بعدها بعام. إنّ الدعوة إلى انتخابات مبكرة واستفتاءات سحب الثقة هي خصائص راسخة في الأنظمة البرلمانية. ولكن في النظام الرئاسي، يصعب خلع الرئيس من منصبه، وسيتعين على الشعب أن ينتظر حتى يكمل الرئيس مدته حتى يتخلصوا منه. كما أن الرئيس في معظم الحالات يمثل حزبه فقط. أما رئيس الوزراء فيمكنه رئاسة ائتلاف حكومي من مختلف الأحزاب. ومع ثبات العوامل الأخرى، تقل احتمالية حدوث انقلابات عسكرية في الجمهوريات البرلمانية. وحتى لو وقعت الانقلابات، يمكن للأحزاب التي أسقطت أن تندمج في النظام البرلماني، مثلما حدث مع الإسلاميين في تركيا.

لكن تبني نظام سياسي أفضل لا يمنع حتمية عمل الأحزاب معًا بنية صادقة للحد من الاستقطاب السياسي. مثال على ذلك، يمكن للأحزاب تأجيل الجدال حول القضايا التي تسبب الانقسام فيما بينها، فتلك القضايا يمكنها أن تزيد من انقسام التحالف الهش الذي أسقط الأنظمة الدكتاتورية في الأساس. بيد أن هذا سيشوه صورة الديمقراطية في أعين الناس. فبعد 30 سنة من حكم مبارك، كان من الطبيعي أن يتناقش المصريون حول كل شيء، بما في ذلك دور الدين في الدولة.

إن حال مصر كان سيختلف لو أنها طبقت نظام الجمهورية البرلمانية، حيث يكون منصب الرئيس شرفيًا. لكن منذ حصول مصر على استقلالها، كان لمنصب الرئيس أهمية قصوى في النظام السياسي. حيث تقل احتمالية حدوث انقلابات عسكرية في الجمهوريات البرلمانية. وحتى لو وقعت الانقلابات، يمكن للأحزاب التي أسقطت أن تندمج في النظام البرلماني، مثلما حدث مع الإسلاميين في تركيا.

يمكن لأطراف العملية الديمقراطية بناء الثقة فيما بينها باللجوء إلى «هدنة» قبل مناقشة القضايا الخلافية. وبطبيعة الحال، فإن الاستقطاب الأيديولوجي – حول قضايا مثل استهلاك الكحول، والفصل بين الجنسين، وحقوق المرأة، والمناهج التعليمية – لا مفر منه. وهكذا، كان يمكن للمصريين عبور الأزمة بسلام.

يرى شادي أنّ إحدى السبل لمعالجة الاختلافات الأيديولوجية هي بوضع «مبادئ غير قابلة للمساس» في النظام السياسي من البداية، ويجري تضمينها في الدستور. أفضل مثال على ذلك هو وثيقة الحقوق الأمريكية، التي يصفها شادي بالإنجاز الضخم، لأنها تفرض حدودًا على رغبة الأغلبية. فلو أرادت الأغلبية في الكونجرس تمرير تشريع يمنع المسلمين من تولي مناصب حكومية، لما تمكنوا من ذلك، لأن الدستور يحظر هذا الأمر.

السؤال الصعب: من يحق له كتابة الدستور بعد الثورة؟

ثمة احتمالان رئيسيان – يواصل شادي. تاريخيًا، كانت النخبة هي من يضع مسودة الدستور عادة، ولا أدل على ذلك من الولايات المتحدة في عام 1787. أما دستور اليابان في أعقاب الحرب العالمية، فقد أصدره اللواء دوجلاس ماك آرثر ووضع مسودته «عشرات الأمريكيين بعد احتلال اليابان، ولم يساهم المسؤولون اليابانيون إلا بالقليل من التعديلات، ولم تجر استشارة الشعب» وفقًا لما ينقله التقرير عن الباحثة القانونية أليسيا بانون. وبعد توليها منصب الرئاسة في الثمانينيات، عينت كورازون أكوينو لجنة من 50 شخصية وضعت الدستور الذي ما زال معمولًا به في الفلبين حتى اليوم. إلا أن هذين الأسلوبين لم يعودا شائعين.

اليوم، يعتبر النهج الأكثر شيوعًا هو الانتخاب المباشر، وهذا ما اتبعته كل من تونس ومصر. انتخبت تونس برلمانًا أنيطت به مهمة وضع الدستور، بينما في مصر اختار البرلمان المنتخب 100 رجل وامرأة وأسند إليهم مهمة كتابة الدستور. ويعتقد شادي أن هذين هما أفضل نهجين. فما الذي يمنع مشاركة الشعب في وضع الإطار الرئيس لنظامه السياسي المستقبلي؟ يتساءل شادي. ويرد بأن استبعاد المواطنين يهدد شرعية أي وثيقة دستورية، لا سيما في مجتمعات مستقطبة ستهيمن فيها مجموعة واحدة على مقاليد الأمور. ولا سبيل لتحقيق التمثيل العادل، إلا عبر الانتخاب الديمقراطي. أما التعيين، فسيثير سؤالًا حول من سيقوم بالتعيين.

مثلت عملية كتابة الدستور في كل من تونس ومصر التوافق الدولي حول ضرورة المشاركة المجتمعية، لكن النهج الديمقراطي قد يؤدي إلى نتائج غير ليبرالية في مجتمعات يعتنق جزء كبير منها معتقدات وسلوكيات غير ديمقراطية. فلو كانت مصر قد انتخبت لجنة كتابة الدستور، لكان ثلاثة أرباع أعضائها من الإسلاميين. ولكن نسبتهم الحقيقية لم تتعدى النصف. وبينما رأى الإسلاميون هذا تنازلًا، رأى الليبراليون لجنة وضع الدستور هيئة يسيطر عليها الإسلاميون.

أجرت أليسيا بانون دراسة لعملية كتابة الدستور الكيني في مطلع الألفية الجديدة، فوصفت الحاجة إلى المشاركة المجتمعية بـ«أسطورة المشاركة». وقالت: إن هناك حالات بعينها تجعل المشاركة المجتمعية، إما مفيدة، أو غير مرغوبة، وفقًا لظروف كل دولة. وقد أشارت بانون إلى التجارب السلبية في نيكاراجوا وتشاد، أوضحت أن المشاركة المجتمعية في كينيا قادت إلى المزيد من الانقسام والاستقطاب.

ثمة بديل ثالث – يقول شادي – وهو وضع «مبادئ فوق دستورية»، ولكن من غير المرجح أن يتفق الإسلاميون والعلمانيون على أمور غير قابلة للتفاوض. وفي نهاية المطاف، على أحد أن يقدم على تنازل ما، فإما سيتخلى الإسلاميون عن جزء من مرجعيتهم، والتعهد بعدم السيطرة على المجلس النيابي، أو بوضع وثيقة تشبه «وثيقة الحريات» ملزمة لكافة الأطراف.

يعكس هذا النهج الثالث عملية صياغة الدستور في جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري. كان المؤتمر الوطنى الإفريقى يريد فى البداية انتخاب جمعية تأسيسية لصياغة الدستور، ولكنه رضخ لاعتراضات الحزب الوطنى لفلير كليرك الذى خشى من أن الدستور الجديد لن يحمي السكان البيض بشكل كاف. وفي عام 1993، تفاوض 26 حزبًا على مجموعة من المبادئ فوق الدستورية، على غرار وثيقة الحريات الأمريكية، قبل أن ينتخب مباشرة الجمعية التأسيسية.

اقرأـ أيضًا: الجزائر: مشروع عمل نحو أفق ديمقراطي

من الناحية العملية، يبدو النموذج الجنوب إفريقي جذابًا بسبب نجاحه. ولكن يقول شادي إنه يشعر بعدم ارتياح إزاء الحلول غير الديمقراطية التي تحد من تقرير المصير. فالديمقراطية هي تمثيل الإرادة الشعبية، وتقييد ذلك في أمر أساسي مثل الدستور يضع سابقة مثيرة للقلق. فلماذا لا يحق للمصريين أو الأردنيين أو الأتراك أن يجربوا مشروع أيديولوجي بديل خارج حدود الديمقراطية الليبرالية، مهما كنا نختلف معهم؟ يتساءل شادي. ينبغي أن يجري الأمر وفقًا لرغبات الشعب.

ومع ذلك، فإن هذه الحجة تبدو غير راسخة إذا فشلت الديمقراطية في البقاء أساسًا. لقد انتهى النهج الديموقراطي لصياغة الدستور في مصر إلى تأجيج الاستقطاب ودفع الليبراليين إلى التفكير في تغيير النظام خارج نطاق القانون. وإذا أردنا إعطاء الأولوية لبقاء الديمقراطية في ظروف معادية، فإن بعض الأمور، على الأقل في المدى القصير، سوف تحتاج إلى أن تكون ذات أولوية. هذه شرور ضرورية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك