نُشرت ترجمة هذا المقال للمرة الأولى على موقع «السوري الجديد»، عن صحيفة «نيويورك تايمز». وينشرها «ساسة بوست» بموجب اتفاق مع الموقع.

من المعتاد أن «ياشا مونك» هو الشخص الأكثر تشاؤمًا في القاعة.

لقد قضى «السيد مونك» – وهو محاضر في جامعة هارفارد – السنوات القليلة الماضية في تحدي واحد من الافتراضات التي تشكل حجر الأساس في السياسة الغربية: أنه بمجرد أن يصبح البلد بلدًا ديمقراطية ليبرالية، فإنه سيبقى على هذا الحال.

إذ تشير بحوثه إلى شيء مختلف تمامًا: أن الديمقراطيات الليبرالية في جميع أنحاء العالم قد تكون عرضة لخطر الأفول.

إلى حد ما بدأ اهتمام السيد مونك بهذا الموضوع بشكل غير عادي في عام 2014، حيث نشر كتاب «غريب في بلدي». بدأ كمذكرات عن تجارب ترعرعه كيهودي في ألمانيا، لكنه أصبح تحقيقًا أوسع لكيفية نضال الدول الأوروبية المعاصرة من أجل بناء هويات وطنية جديدة متعددة الثقافات.

وخلص إلى أن الجهود لم تكن تسير بشكل جيد جدًا، وكانت ردة فعل شعبية  تتصاعد على الطرف المقابل، ولكن هل كان هذا مجرد نوع جديد من السياسة، أو أحد أعراض شيء ما أكثر عمقًا؟

للإجابة عن هذا السؤال، تعاون السيد مونك مع أستاذ العلوم السياسية في جامعة ملبورن في أستراليا «روبرتو ستيفان فوا». حيث جمعا وحللا منذ ذلك الحين البيانات المتعلقة بقوة الديمقراطيات الليبرالية.

استنتاجهما – الذي سَيُنشَر في عدد يناير (كانون الثاني) في صحيفة الديمقراطية – هو أن الديمقراطيات ليست آمنة كما قد يظن الناس. الآن، قال السيد مونك في مقابلة «علامات التحذير تومض باللون الأحمر (الخطر)».

علامات الأفول المبكرة

لدى علماء السياسة نظرية تسمى «تعزيز الديمقراطية»، التي تسلم أنه بمجرد أن تطور البلدان مؤسسات ديمقراطية، ومجتمعًا مدنيًا قويًا، ومستوى معينًا من الثروة، فستكون ديمقراطيتهم آمنة.

على مدى عقود، على ما يبدو أن الأحداث العالمية دعمت تلك الفكرة؛ إذ تشير بيانات من مؤسسة «فريدوم هاوس» – وهي منظمة معنية بقياس معدل الديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم- إلى أن عدد البلدان المصنفة «حرة» ارتفع بشكل مطّرد منذ منتصف السبعينيات إلى أوائل  العام 2000، فقد انتقلت العديد من بلدان أمريكا اللاتينية من الحكم العسكري إلى الديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة، وحذت الكثير من دول أوروبا الشرقية حذو تلك البلدان. ويبدو أن الديمقراطيات الليبرالية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا أكثر أمانًا من أي وقت مضى.

ولكن منذ عام 2005، فقد أظهر مؤشر فريدوم هاوس انحدارًا في الحرية العالمية كل عام. هل الشذوذ الإحصائي نتيجة لبعض الأحداث العشوائية في فترة قصيرة من الزمن نسبياً؟ أو أنها تشير إلى وجود نمط ذي دلالة؟

طَوَرَ السيد مونك والسيد فوا صيغة تحليل عوامل ثلاثية للإجابة على هذا السؤال.

يعتقد السيد مونك بأن تحليله هو نظام للإنذار المبكر، ويعمل كشيء شبيه بالفحص الطبي: وسيلة للكشف بأن الديمقراطية مريضة قبل أن تظهر أعراض الإرهاق الكاملة.

  • العامل الأول هو التأييد الشعبي: ما مدى اعتقاد المواطنين بأهمية أن يبقى بلدهم ديمقراطيًا؟
  • العامل الثاني هو الانفتاح الشعبي لأشكال الحكومة غير الديمقراطية؛ مثل الحكم العسكري.
  • العامل الثالث هو ما إذا كانت «الأحزاب والحركات المعارضة للنظام» – الأحزاب السياسية واللاعبون الرئيسيون الآخرون الذين رسالتهم الأساسية هي أن النظام الحالي غير شرعي – تكتسب الدعم.

إذا كان دعم الديمقراطية يتداعى في حين كان معياران آخران في حالة نهوض، يشير الباحثون أن البلاد ستكون «متداعية». ووجدوا أن التداعي هو المعادلة السياسية لانخفاض درجة حرارة الجسم التي تصل قبل يوم من السقوط الكامل في الأنفلونزا.

على سبيل المثال، تتمتع فنزويلا بأعلى الدرجات الممكنة في مقاييس فريدوم هاوس للحقوق السياسية والديمقراطية في الثمانينات. ولكن لم تكن تلك الممارسات الديمقراطية عميقة الجذور. وخلال تلك فترة الاستقرار الواضحة، سُجِلَت فنزويلا بالفعل كمتداعية على اختبار «مونك-فوا».

منذ ذلك الحين، تزعزعت الديمقراطية الفنزويلية بشكل كبير. في عام 1992، حاول فصيل من الجيش الفنزويلي الموالي لـ«هوجو شافيز» الانقلاب على الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا. انتخب شافيز رئيسًا في عام 1998 بعد موجة من التأييد الشعبي، وأصدر على الفور دستور جديدًا عزز سلطته، وشنت حكومته حملة على المعارضة وسجنت المعارضين السياسيين ومزّقت اقتصاد البلاد عبر سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية سيئة التخطيط.

وبالمثل، عندما انضمت بولندا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، تم الترحيب بها كمثال قوي في بلد ما بعد الشيوعية انتقل إلى الديمقراطية، ولكن السيد مونك والسيد فوا وجدا علامات تداعٍ قوية خلال تلك الفترة: في وقت مبكر من عام 2005، قال نحو 16% من البولنديين أنهم يعتقدون أن الديمقراطية وسيلة «سيئة» أو «سيئة إلى حد ما» في إدارة البلاد. بحلول عام 2012، قال 22% ممن شملهم الاستطلاع: إنهم يؤيدون الحكم العسكري. وفي منتصف الألفين، بدأت سلسلة من الأحزاب المعارضة للنظام في كسب القوة الدافعة في السياسة البولندية؛ بما في ذلك القانون والعدل والدفاع عن جمهورية بولندا ورابطة العائلات البولندية.

اليوم، تبدأ الحمى بالظهور بشكل كبير، مثل الانفلونزا؛ فقد أضعف القانون والعدالة- الذي فاز بالرئاسة والأغلبية البرلمانية في عام 2015- المؤسسات الديمقراطية بشكل منهجي.

أفضت محاولات الحكومة في تقويض المحكمة الدستورية في البلاد، على سبيل المثال، إلى الشروع بإجراء تحقيق من قبل الاتحاد الأوروبي. وحذر التقرير الناتج عن ذلك من أن تصرفات الحكومة «تعرض للخطر ليس فقط سيادة القانون، ولكن أيضًا سير النظام الديمقراطي».

أجراس تحذيرية؟

ووفقا لنظام مونك-فوا للإنذار المبكر، الآن علامات تداعي الديمقراطية في الولايات المتحدة والعديد من الديمقراطيات الليبرالية الأخرى مماثلة لتلك الموجودة في فنزويلا قبل أزمتها.

وينسحب الأمر على عديد من البلدان؛ بما في ذلك أستراليا وبريطانيا وهولندا ونيوزيلندا والسويد والولايات المتحدة، فقد انخفضت النسبة المئوية للأشخاص الذين يقولون أنه من «الضروري» العيش في الديمقراطية، وهي منخفضة خاصة بين الأجيال الشابة.

تأييد بدائل استبدادية آخذ في الارتفاع أيضًا. واستنادًا إلى بيانات من استطلاعات القيم العالمية والأوروبية، وجد الباحثون أن نسبة الأمريكيين الذين يقولون إن الحكم العسكري سيكون شيئًا «جيدًا» أو «جيد جدًا» ارتفع إلى 1 من كل 6 أمريكيين في عام 2014، مقارنة مع 1 من كل 16 في عام 1995.

هذا الاتجاه قوي بشكل خاص بين الشباب.

على سبيل المثال، في ورقة نُشِرَت سابقًا، أحصى الباحثون أن 43% من الأمريكيين الأكبر سنًا يعتقدون أنه كان من غير الشرعي للجيش السيطرة؛ إذا كانت الحكومة غير كفؤ أو فاشلة في القيام بعملها، ولكن وافق 19٪ فقط من جيل الألفية. وظهر نفس التقسيم بين الأجيال في أوروبا، حيث اعتقد 53% من كبار السن أن سيطرة الجيش على السلطة غير شرعية، في حين وافق 36٪ فقط من جيل الألفية.

في الولايات المتحدة، فاز «دونالد ترامب» في الانتخابات الرئاسية عن طريق توظيف دخيل معارض للنظام. وما هو آخذ في الارتفاع هو دعم الأحزاب الشعبوية ضد النظام في أوروبا، مثل الجبهة الوطنية في فرنسا وسيريزا في اليونان وحركة خمس نجوم في إيطاليا.

بالطبع إنها مجرد ورقة واحدة من البيانات، وأسلوب الباحثين محدود. وهو جيد على قدر بيانات المسح، على سبيل المثال، لم تأخذ في الاعتبار العوامل الأخرى التي قد تكون مهمة للاستقرار بشكل عام، مثل النمو الاقتصادي. على الأقل يقول عالم بارز في العلوم السياسية: إن بيانات السيد مونك والسيد فوا ليست مثيرة للقلق كما يعتقدون.

أيضًا، بطبيعة الحال، ليس الارتباط نفس السببية. على الرغم من أن الباحثين وجدوا علاقة بين التداعي وعدم الاستقرار الديمقراطي، وهذا ليس نفس الشيء كما تثبت الأسباب الجذرية لأي عامل.

اعترف السيد مونك في أبحاثه الخاصة بأن «هذا فقط مقياس واحد»، وأضاف «لكن يجب أن يجعلنا ذلك قلقين».

ويخشى أن الدخول في تفاصيل السياسة يمكن أن يصرفنا بسهولة عن هذه المخاطر الأكثر جوهرية، «ليست فقط حول ما سوف يفعله ترامب لوكالة حماية البيئة. ربما يحاول ترامب حقًا تقويض الديمقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة».

أضاف السيد مونك «انظر، تسير هذه الأشياء بالفعل في أماكن أخرى، إذا كان هناك مهمة واحدة لدينا كصحفيين، وأكاديميين، ومفكرين، لدفع حصص هذا الوطن للناس».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد