كتب أميتاي إتزيوني، وهو عالم اجتماع إسرائيلي أمريكي وأستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، مقالًا في مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية يطرح فيه تساؤلًا حول تصورات مرشحي الرئاسة الديمقراطيين لحل قضية الشرق الأوسط المزمنة، وهي تصورات لا تخرج عن كونها محاولة للحصول على مكاسب سياسية، وإرضاء جميع الأطراف التي يمكن أن تؤثر في نتيجة الانتخابات. 

غير أن الكاتب نفسه يطرح حلًّا مثيرًا للجدل بتقديم مبلغ كبير لكل فلسطيني يعيش في دولة عربية، مقابل التخلي عن حلمه بالعودة إلى أرض فلسطين.

تصريحات للاستهلاك السياسي المحلي

يقول الكاتب إن مرشحي الرئاسة الذين يميلون إلى اليسار يدعون في الغالب إلى أفكار كبيرة وجريئة، وينتقدون الديمقراطيين المعتدلين بسبب براجماتيتهم. فمثلًا «إليزابيث وارين» تدعو إلى «تغيير هيكلي كبير». كما يدعو «بيرني ساندرز» إلى ثورة. 

هذه الدعوات التي يراها الكاتب استعراضية وجريئة، ظهرت عندما خاطب عدد من المرشحين للرئاسة الديمقراطية مؤتمر «جي ستريت» لعام 2019، وهي جماعة يهودية ذات ميول يسارية، وشعارها هو «المنزل السياسي للأمريكيين المؤيدين لإسرائيل، المؤيدين للسلام». 

 ويقول الكاتب إن المواقف التي عرضت بالمؤتمر كانت محاولة لإرضاء الحساسيات السياسية الأمريكية المحلية، والسير على الحبل بين اجتذاب اليهود التقدميين، الذين ينتقد الكثير منهم الحكومة الإسرائيلية بشدة (وينتقد قلة منهم إسرائيل نفسها ويدعم حركة مقاطعتها)، والجماعات اليهودية التقليدية، والتي تضم العديد من المؤيدين المتحمسين لإسرائيل.

Embed from Getty Images

غير أن هذه المواقف ذاتها، لها أهمية هامشية على الواقع في الشرق الأوسط. حتى لو نُفذِّت جميعًا، فإن إسرائيل ستظل تحتل الضفة الغربية، وستظل غزة أكبر سجن في العالم، وسيظل الشعبان في حالة يعادي بعضهم بعضًا، بدلًا من العيش معًا بأمان وسلام.

إحدى القضايا التي حام حولها مختلف المرشحين كانت الشروط التي يتعين في ظلها حجب مبلغ 3.8 مليار دولار من المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل كل عام. 

فقد صرّح بيرني ساندرز، وبيت بوتيجيج بأنه يجب ربط هذه المساعدات ببعض الشروط. وصرح جوليان كاسترو بأن هذا التقييد «لن يكون الخطوة الأولى لي»، ولكن «لن أستبعده»، وهو موقف يتعين أن يجعله يفوز بجائزة لكونه يقف على الجانبين في القضية. بينما تبنى مايكل بينيت موقفًا أكثر تحوطًا، إذ اقتصر على دراسة تأثير حجب المساعدات بعناية.

ولم تذهب آمي كلوبشار إلى هذا الحد، إذ أوضحت: «أنها ليست فكرة طيبة أن يُجرى التفاوض حول هذه الأمور في الوقت الحالي». وفي الوقت نفسه، يسخر الإسرائيليون من الفكرة بأكملها، المتمثلة في أن الولايات المتحدة يمكنها أن تلوي ذراعهم عن طريق حجب 3.8 مليار دولار، بالنظر إلى أن هذا المبلغ يصل إلى جزء ضئيل من الميزانية الإسرائيلية.

هل تحجب أمريكا المعونة عن إسرائيل؟

فيما يتعلق بقضايا أخرى، أدلى المرشحون ببيانات كان معناها الانتقادي المعتدل المستتر مرضيًا للجمهور ذي الميول اليسارية، بينما كانت غامضة لدرجة أنها لم تلزم المرشحين بأي شيء، إذا جرى انتخابهم، كما يرى الكاتب. 

على سبيل المثال، صرح بينيت بأنه «سيكون منفتحًا» على تغيير حماية الولايات المتحدة لإسرائيل في الأمم المتحدة، خاصة إذا ضمت المزيد من الأراضي الفلسطينية. إذا نظر بينيت إلى الوضع في الشرق الأوسط، فسوف يعترف بأن أحد الأسباب الرئيسية لعدم تمكن الأمم المتحدة من المساعدة في تعزيز السلام في المنطقة، هو أنها أظهرت نفسها منحازة للغاية ضد إسرائيل، حتى عندما كان القادة الإسرائيليون – مثل إسحق رابين وإيهود أولمرت وإيهود باراك- يعملون بجد لتحقيق حل الدولتين.

Embed from Getty Images

نقل السفارة من القدس

في يوليو (تموز)، سأل موقع أكسيوس الإخباري المرشحين المختلفين عما إذا كانوا سيعيدون السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى تل أبيب إذا أصبحوا رؤساء. 

في الرد على هذا السؤال، تذهب جائزة الوقوف على الحياد وعدم إدراك الواقع في الشرق الأوسط إلى السناتور كوري بوكير (وهو ديمقراطي من نيو جيرسي)، الذي أعلن أنه «الآن وبعد نقل السفارة، لا أرى أن إعادتها أمر عملي أو مثمر». 

وذكرت كلوبوشار لموقع «جويش إنسايدر»المعنية بشؤون اليهود في الولايات المتحدة أنها تعتقد أن خطوة نقل السفارة «كان من الأفضل لو أنها تمت جزءًا من التفاوض من أجل حل الدولتين. أعتقد أنه من المؤسف أنها تمت بالطريقة التي تمت بها، ولكنني لن أغير الأمر». 

ومع أن الكثيرين اتفقوا على أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس حدث سلبي كبير، فإنه من المحزن أنه لن يغير شيئًا في الشرق الأوسط إذا نقلت السفارة حتى ولو إلى تمبكتو.

وأضاف الكاتب أن الكثير من هذه التصريحات صدرت للاستهلاك السياسي المحلي بدلًا من معالجة مشكلات الشرق الأوسط، مثل ما ظهر في البيان الصادر عن جيريمي بن عامي، مؤسس ورئيس «جي ستريت» الذي قال فيه: «لقد حان الوقت للعمل مثل الأخ الأكبر أو الوالد، والقول «لقد بلغ السيل الزبى وسنأخذ مفاتيح السيارة إذا لم تتوقف عن القيادة في حالة سكر». كشخص نشأ في إسرائيل، وقاتل من أجلها عندما تعرضت للغزو من سبعة جيوش عربية، بعد أن ولدت في عام 1948، يمكنني أن أؤكد لكم أن هذا الخيال لن يؤثر في الإسرائيليين، الذين يجلسون عند تقاطع عدة براميل بارود، لتسليم مفاتيح مصيرهم لأولئك الذين يتحركون براحة في جي ستريت».

اقتراح سيغير قواعد اللعبة!

يدعو الكاتب إلى مقارنة تصريحات المرشحين باقتراح قال إنه سيغير قواعد اللعبة، وهو اقتراح ينبغي أن يكون مقبولًا لدى كل من اليسار والمعتدلين، الذين من المؤكد سيجأرون بالشكوى منه.

Embed from Getty Images

يدعو الاقتراح إلى تقديم مبلغ كبير من المال لملايين اللاجئين الفلسطينيين، الذين يقيمون في مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن عبر ثلاثة أجيال، إذا وافقوا على مغادرة المخيمات وأصبحوا مواطنين في البلدان المعنية التي يعيشون فيها. كذلك ستحصل الدول المضيفة على دعم لدفع التكاليف المترتبة على دمج اللاجئين في اقتصاداتها. يعترف الكثير من الفلسطينيين بشكل خاص بأنهم يدركون أن احتمال قدرتهم على العودة إلى منزلهم الذي تركه آباؤهم وأجدادهم ضئيل، كما أن احتمال أن يجرى المزيد من تقليص الرعاية التي توفرها الأمم المتحدة، والتي وطنوا أنفسهم عليها، هو احتمال كبير. 

ولأن الذين يقبلون مثل هذه العروض غالبًا ما يتعرضون للتهديد من المتشددين الفلسطينيين، سيجري إخبار أولئك الذين يفكرون في قبول العرض لتطبيع حياتهم أن البرنامج لن يبدأ إلا إذا وافق عدد كبير على قبول العرض، حتى يشعروا بالأمان نسبيًّا في متابعة تفضيلاتهم.

إمكانية حل الدولتين

يتابع الكاتب: «السبب في أنني أرى هذا الاقتراح عاملًا لتغيير قواعد اللعبة، على عكس العناصر التي عُرضت في مؤتمر «جي ستريت»، هو أنه يمكن تحقيق جميع العناصر الأخرى اللازمة للتحرك نحو حل الدولتين، وأنها في الواقع متفق عليها بالفعل اتفاقًا غير رسمي من كلا الجانبين اللذين يريدان مثل هذا الحل». 

يتفق الجانبان على أن الخط الأخضر سيكون هو الحدود بين الدولتين، بعد تعديل بسيط، لحوالي 6.5% من التشكيل الحالي للأراضي. أي إن إسرائيل ستحصل الآن على بعض الأراضي على الجانب الغربي من الخط الأخضر، وهي المنطقة التي يعيش فيها العديد من المستوطنين، وبالمقابل، سيحصل الفلسطينيون على بعض الأراضي الأخرى، الآن على الجانب الشرقي من الخط. 

سيكون للفلسطينيين عاصمتهم في القدس الشرقية أو في بعض الأراضي الواقعة الآن جنوب القدس، والتي ستضاف إلى ولايتهم القضائية. وسيجري إجلاء بعض المستوطنين، وترك البعض للاختيار بين ما إذا كانوا يرغبون في العيش في فلسطين أو إجلاء أنفسهم. 

كل هذا يفترض أن مشكلة اللاجئين ستُحل، بدون عودتهم جميعًا إلى إسرائيل؛ لأنه بخلاف ذلك، حتى لو كانت هناك انتخابات في الضفة الغربية في نهاية المطاف، وانتُخب زعيم، فإن ذلك الشخص لأسباب أخلاقية وخوفًا على حياته، لا يمكن أن يقبل حل الدولتين ما لم تجر تسوية قضية اللاجئين أولًا، بحسب رأي الكاتب. 

يختم الكاتب مقاله بقوله: «قد يرغب مؤتمر «جي ستريت»، الذي يعد نفسه مروجًا لحل الدولتين، في قيادة أولئك الذين يجمعون الأموال من أجل توطين اللاجئين بدلًا من أن يحوموا حول تصريحات ترضي أعضاءه، لكنها لن تغير الواقع في الشرق الأوسط، ذلك المكان الذي يحتاج إلى كل المساعدة التي يمكنه الحصول عليها».

الحرب على إيران وحقوق الفلسطينيين.. هكذا ستكون سياسات مرشحي الانتخابات الأمريكية 2020

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد