صحيحٌ أن القوات المسلحة السودانية نجحت في إنهاء التمرد الذي قاده عناصر في هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات العامة، إلا أن تحليلًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، بقلم الباحث جان بابتيست جالوبن، الحاصل على درجة الدكتوراة في علم الاجتماع من جامعة ييل، تناول تداعيات هذا الحادث على مستقبل الانتقال الديمقراطي في هذا البلد، وخلُص إلى أن «تفكيك أجهزة الأمن السابقة لن يكون سهلًا».

هزّت معارك بالأسلحة النارية العاصمة السودانية، يوم الثلاثاء الأسبوع الماضي، حين تمرّد أفراد من جهاز المخابرات العامة ضد الحكومة؛ ما أسفر عن إغلاق مطار الخرطوم، وأثار مخاوف من وقوع انقلاب يمكن أن ينقض عُرى التقدم الديمقراطي الذي حققته البلاد منذ قيام ثورة أزاحت الرئيس عمر حسن البشير العام الماضي. أثارت هذه التطورات موجة من التكهنات حول دوافع المتمردين. 

عربي

منذ شهر
احتجاج بصوت الرصاص.. كواليس ما حدث في السودان بين الجيش والمخابرات بالأمس

ويتفاوض السودان على انتقال سياسي محفوف بالمخاطر، يتقاسم بموجبه المدنيون، الذين يمثلون معارضة البشير، السلطة مع ممثلي الطغمة العسكرية التي أزاحته من المشهد. ويترأس الفريق عبد الفتاح البرهان حاليًا مجلس السيادة، وهو الهيئة الانتقالية التي تدير زمام الأمور في السودان، في انتظار الانتخابات الوطنية التي من المتوقع أن تجري في أواخر عام 2022.

يرصد تحليل «واشنطن بوست» في السطور التالية ما تحتاج إلى معرفته:

من هم المتمردون؟

اندلع التمرد داخل هيئة العمليات، وهي فرع مجهز للقتال يتبع جهاز المخابرات العامة. وكان هذا الجهاز الاستخباراتي، المعروف سابقًا باسم جهاز المخابرات والأمن الوطني، هو العمود الفقري لقبضة البشير القمعية. 

وفي سياق التجاوب مع المطالب الثورية، أقدمت السلطات الجديدة في العام الماضي بحل الهيئة الاستخباراتية، التي تضم حوالي 12- 13 ألف فرد، سبق وأن نفذوا عمليات مهمة – من حماية حقول النفط إلى إدارة عمليات مكافحة التمرد الوحشية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق – خلال عهد البشير.

اختار معظم عملاء الجهاز التسريح بدلًا عن البقاء في المخابرات العامة أو الانضمام إلى القوات الحكومية الأخرى، مثل الجيش أو قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية يهيمن عليها الجنجويد. لكن يبدو أن السلطات المركزية غيَّرت شروط صفقة التسريح؛ مما قلّص مستحقات كل عنصر من حوالي 2500 دولار إلى 250 دولارًا فقط.

غموضٌ يحيط بالدوافع

بدأ التمرد في رابعة النهار، عندما أقدم عملاء الجهاز على إغلاق الشوارع المحيطة بثكناتهم، وبدأوا في إطلاق النار. واندلعت أعمال تمرد أخرى في مدينة الأُبَيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وفي محيط مواقع النفط في غرب البلاد.

Embed from Getty Images

ردًا على التمرد، شن الجيش وقوات الدعم السريع هجمات مسلحة؛ خلفت العديد من القتلى. وخيمت أجواء القتال على أحياء الخرطوم، واستمرت الاشتباكات حتى أسدل الليل أستاره، وأعلنت السلطات أن الجيش نجح في كسر شوكة التمرد بعدد قليل من الضحايا، بينهم مدنيان.

بيدَ أن البيانات المتناقضة أثارت اللبس حول حقيقة ما حدث بالفعل. فبينما أعلنت الحكومة المدنية والجيش أن التمرد اندلع بسبب مستحقات عناصر المخابرات، ذهب الجنرال برهان، رئيس مجلس السيادة، إلى حد وصف التمرد بأنه «مؤامرة تهدف إلى تقويض الثورة السودانية»، وقال: إن السلطات ستعرض أدلة تثبت أنه أمرٌ دُبِّر بِلَيْلٍ.

وصف «المؤامرة» تردد صداه أيضًا في تصريحات قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دجالو (المعروف باسم حمدتي)، وهو زعيم سابق لقوات الجنجويد يشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة، موجهًا صابع الاتهام لرئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق، صلاح قوش، الذي أسس هيئة العمليات في عام 2005 لكنه مختبئ حاليًا، بالتحريض على التمرد.

لكن «جالوبن» يخالف هذا الطرح، ويرى أن هناك أسباب تدفع إلى التشكيك في نظريات المؤامرة التي تروِّج لها السلطات السودانية التي تدير المشهد حاليًا؛ مستدلا بتركيز الاشتباكات على المناطق المحيطة بقواعد جهاز المخابرات. صحيح أن المتمردين واجهوا الجيش وقوات الدعم السريع، لكنهم لم يحاولوا الاستيلاء على المواقع الإستراتيجية. 

تشير هذه العوامل – من وجهة نظر الكاتب – إلى أن التمرد ربما كان تعبيرًا عشوائيًا عن مشاعر الغضب التي تحيك بصدور عناصر جهاز المخابرات المحبطين، الذين وجدوا أنفسهم خارج الخدمة، وليس محاولة للإطاحة بالنظام.

من المستفيد؟

يخلص التحليل إلى أن حمدتي والبرهان، اللذين شنا حملة قمع ضد الثوار في يونيو (حزيران)، تُوَّجت بمذبحة راح ضحيتها نحو 130 شخصًا، هما الشخصان اللذان خرجا أقوى من هذه المواجهة؛ إذ يمكنهم الاستفادة من دور الجيش وقوات الدعم السريع في كبح جماح التمرد كفرصة دعائية، بتصوير أنفسهم كحماة للثورة، وإحراز نقاطٍ ضد المنافسين مثل قوش.

على هذا النحو تسلط هذه الأحداث الضوء على العقبات الأعمق التي تقف حجر عثرة في طريق الانتقال الديمقراطي؛ وهي تحديات تنبع من الجهاز العسكري والأمني الأخطبوطيّ الذي دشنه البشير للتصدي للتحديات التي تواجه سلطته. 

خلال العقد الأول من القرن العشرين، كانت هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني ذات النفوذ المتنامي بمثابة درع حماية للبشير في مواجهة الجيش. وبعد عقد من الزمان، كان ظهور «قوات الدعم السريع (RSF)» بمثابة رمانة الميزان في مواجهة التهديد الذي مثله جهاز المخابرات. ومع كل خطوة على هذا الدرب، زرع البشير عشرات الآلاف من الرجال المسلحين في قلب القطاعين العسكري والأمني.

هشاشة التحالفات العسكرية السودانية

يتابع التحليل: إن نزع سلاح عملاء جهاز المخابرات وتسريحهم وإعادة دمجهم في الحياة المدنية يشكل تحديًا سياسيًا شاقًا. والسلطات الجديدة لم تضع خططًا للتحرك على هذه الجبهة، بل ركزت بدلًا عن ذلك على السياسة الاقتصادية ومفاوضات السلام مع الجماعات المسلحة في المناطق المهمشة. 

Embed from Getty Images

وسوء التعامل مع مستحقات عناصر هيئة العمليات إنما يوحي بتواضع مستوى الثقة الذي يمكن التعامل به مع ما تمتلكه السلطات من وسائل وخبرات لردع حركات التمرد الأخرى التي قد تكون أكثر خطورة، على حد قول الكاتب.

ويحذر التحليل من أن الإصلاحات داخل قطاع الأمن السوداني يمكن أن تهز التحالف الهش الحالي بين الجيش وقوات الدعم السريع. ومع مناورة حمدتي لإيجاد مقعدٍ لنفسه في قلب النظام الجديد، فإن صعوده مع قوات الدعم السريع تسبب في استياء الضباط العسكريين. 

والكثير من هؤلاء الضباط ينتمون إلى مجموعات النخبة المركزية التي هيمنت على السودان منذ استقلاله في عام 1956، ويحملون بين جوانحهم آراء لا تصب في صالح حمدتي، باعتباره العربي القادم من دارفور، الذي لا يحمل حتى شهادة الثانوية العامة.

وربما ينهار ميزان القوى الحساس في السودان إذا تنافس الجيش وقوات الدعم السريع بخصوص رجال المخابرات العامة ومصالح الجهاز في قطاعات إستراتيجية، مثل: الذهب، والوقود، والقمح، والأسلحة. 

ويلفت الكاتب إلى أن عملية إصلاح جهاز المخابرات العامة تندرج ضمن اختصاص وزير الداخلية، الذي يعينه المجلس العسكري. صحيحٌ أن السيطرة المدنية على إصلاحات جهاز المخابرات قد تحول دون الاقتتال الداخلي بين قوات الدعم السريع والجيش، لكن التحليل يستبعد حدوث هذا التحول في موازين السلطة دون مبادرة من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

وحمدوك رجل مدني، لا يبدو مُتَحَرِّقًا لتغيير الوضع الراهن؛ ما يترك السودان في مواجهة أسئلة جديدة حول كيفية تفكيك الأجهزة الأمنية السابقة سلميًا، ناهيك عن المهمة الأكبر المتمثلة في الانتقال إلى السيطرة المدنية على الجيش وقوات الدعم السريع.

عربي

منذ شهرين
يعزلهم حمدوك «دون ضجيج».. فلول نظام البشير محاصرون في السودان

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد