نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، مقالًا لرئيس مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي وليم ج. بيرنز، يشير فيه إلى أن الدبلوماسية الأمريكية تمر خلال فترة حكم الرئيس دونالد ترامب بفترة حرجة، وضربة قاصمة لم تتعرض لها منذ عهد السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي، الذي تسببت اتهاماته التي لا تستند على أدلة في ظهور مصطلح «المكارثية»، واعتبرت مرادفًا لفكرة الإرهاب الثقافي.

وقال بيرنز، وهو أيضًا نائب وزير خارجية سابق، ومؤلف كتاب «القناة الخلفية: مذكرات الدبلوماسية الأمريكية ومبررات تجديدها»، إنه خلال ثلاثة عقود ونصف قضاها مسئولًا في وزارة الخارجية الأمريكية، وخدم خلالها خمسة رؤساء، و10 وزراء خارجية، من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لم ير أبدًا أي هجوم على الدبلوماسية ضار –سواء لوزارة الخارجية باعتبارها مؤسسة، أو للنفوذ الدولي الأمريكي– كما هو الحال الآن.

وأضاف أن سوء المعاملة المهينة للسفيرة الأمريكية السابقة لدى أوكرانيا ماري يوفانوفيتش، التي أقيلت بسبب عرقلة مخطط الرئيس لالتماس تدخل أجنبي في الانتخابات الأمريكية، هو أحدث مثال على الممارسات الدبلوماسية السيئة التي تميز الرئيس دونالد ترامب، فهو ينتهج دبلوماسية النرجسية، ويصر على تغليب المصالح الخاصة على حساب المصالح الوطنية الأمريكية.

وأضاف أن السفيرة ماري ليست أول دبلوماسي محترف يجد نفسه في مفترق طرق سياسي في تاريخ وزارة الخارجية الأمريكية، كما أن ترامب ليس أول ديماجوجي (غوغائي شعبوي) يستأسد على الموظفين، ووزير الخارجية مايك بومبو ليس أول وزير خارجية يقصر في أداء واجبه.

لكن الأضرار الناجمة عن هذا الهجوم –القادم من داخل السلطة التنفيذية نفسها بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من التخريب الذاتي المتواصل للدبلوماسية، وفي لحظة جيوسياسية هشة بشكل خاص– ستثبت على الأرجح أنها أشد قسوة على كلٍ من الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأمريكية.

مسيرة مليئة بالكوميديا.. 20 موقفًا لترامب يثيرون الضحك والسخرية

ترامب والمكارثية الجديدة

وقال بيرنز إنه منذ ما يقرب من 70 عامًا، وخلال السنوات الأولى من الحرب الباردة، شن السناتور جوزيف مكارثي حملة وحشية ضد «عدم الولاء» في وزارة الخارجية. وطرد المحققون المتحزبون، غير المقيدين بالأدلة أو الأخلاق، 81 من موظفي الوزارة في النصف الأول من الخمسينيات.

Embed from Getty Images

وذكر أن من بينهم جون باتون ديفيس الابن، وهو مساعد بارع في الشأن الصيني، حيث كانت خطيئته هي توقع انتصار الشيوعية في الحرب الأهلية الصينية. وقد تعرض ديفيز لتسعة تحقيقات تتعلق بالأمن والولاء.

ولم تُثبت أي منها الاتهامات المتشككة بأنه متعاطف مع الشيوعية. ومع ذلك، وفي لحظة من لحظات الجبن السياسي البالغ، طرده وزير الخارجية جون فوستر دالاس.

وتابع أن طرد ديفيس وزملائه لم يكن خطأ فحسب، بل كان من الغباء أيضًا، فضياع مثل هذه الخبرة أعمى الدبلوماسية الأمريكية عن الصين لمدة جيل، وكان له تأثير مخيف على الوزارة ومعنوياتها، مشيرًا إلى أن أحد الدبلوماسيين الأكثر تميزًا في الولايات المتحدة، وهو جورج كينان، طُرد أيضًا من السلك الدبلوماسي خلال هذه الحقبة. وقد حاول الدفاع عن ديفيز، الذي عمل معه في موسكو وفي فريق تخطيط السياسات، لكن دون جدوى.

وبعد سنوات، كتب كينان في مذكراته أن حملة مكارثي وفشل الإدارة في الدفاع عن موظفيها كان أكثر حلقة «قاتمة ومخيبة للآمال» في مسيرته المهنية الطويلة.

واعتبر بيرنز أن أحد مفارقات التاريخ المحزنة أن كبير مستشاري السناتور مكارثي، روي كوهين، كان محامي دونالد ترامب ومعلمه. فتكتيكات الأرض المحروقة التي ينتهجها ترامب، وعلاقته غير المنتظمة مع الحقيقة، وتحقيره للخدمة العامة الوظيفية، تحمل أكثر من تشابه عابر مع الكتاب الذي كتبه كوهين عن مكارثي.

وعندما صاح ترامب طالبًا «روي كوهين جديد» ليحل محل الراحل، لم يكن من المفاجئ أن يظهر عمدة نيويورك السابق رودي جولياني، أو أن يغوص في وحل فضيحة أوكرانيا، ويغضب لعزل سفير مهني (يقصد أنها كانت مسؤولة في وزارة الخارجية وليست سفيرة معينة من خارج الوزارة) أثبت أن نزاهته وخبرته تشكل عائقًا.

وقال إن المرء قد يتخيل أن قيادة وزارة الخارجية ستقف أمام الرئيس إلى جانب موظفيها، الذين يقوم الكثير منهم بأعمال شاقة في أماكن صعبة في جميع أنحاء العالم، لو أن هذه كانت فقط القضية. وبدلاً من ذلك، لم يظهر قادة اليوم أي شجاعة أكثر مما أظهره دالاس.

ويبدو أن الوزير بومبيو كان يمضي قدمًا في تنفيذ أجندة الرئيس الخاصة، وسمح لاستقصاءات المنافسين الخادعة حول يوفانوفيتش بالانتشار في الوزارة، وجلس مكتوف الأيدي بينما كان ترامب يشوه يوفانوفيتش في اتصال سيئ السمعة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والأدهى من ذلك أنه حذر من «أنها سوف تبحث في بعض الأشياء».

واعتبر بيرنز أن هذه التصرفات جعلت شبح روي كوهين يبتسم في مكان ما.

وتابع رئيس مؤسسة كارنيجي للسلام قائلاً إنه حتى قبل فوضى أوكرانيا، كانت إدارة ترامب تشن حربًا على الدبلوماسية منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، فقد دفع البيت الأبيض بانتظام في اتجاه استقطاعات تاريخية لميزانية الدبلوماسية والإنفاق التنموي، وهي بالفعل أصغر 19 مرة من ميزانية الدفاع.

كما تم تهميش الدبلوماسيين المهنيين، حيث يشغل موظف واحد فقط في وزارة الخارجية منصب مساعد وزير خارجية، من بين 28 شخصًا يشغلون هذا المنصب.

وهناك عدد أكبر من مناصب السفراء يتم توجيهها إلى المُعينين السياسيين في هذه الإدارة أكثر من أي إدارة أخرى في التاريخ الحديث، كما أن خُمس مناصب السفراء لا تزال شاغرة، بما في ذلك مناصب حيوية.

وأشار أنه ليس من قبيل الصدفة أن طلبات الالتحاق بالخدمة الخارجية قد انخفضت بشكل كبير، حيث انخفض عدد الأشخاص الذين تقدموا لامتحان القبول عام 2019 إلى أقل عدد منذ عقدين، موضحًا أن وتيرة استقالات الموظفين المهنيين محبطة، والممارسات الانتقامية الخبيثة ضد المسئولين لمجرد أنهم عملوا في قضايا مثيرة للجدل دامغة، وصمت قيادة الوزارة مطبق. 

تصرفات ضد المصالح الأمريكية

وأضاف أن تنظيف الحطام المؤسسي في وزارة الخارجية سيستغرق سنوات عديدة، كما أن الأضرار التي لحقت بالنفوذ والسمعة الأمريكية ستدوم لفترة أطول، وهي أصعب في إصلاحها، مشيرًا إلى أنه ليس من الصعب تبين الآثار العملية.

Embed from Getty Images

وتساءل: إذا لم يتحدث السفير الأمريكي نيابة عن الرئيس، واعُتبرت السفارة عدوًا للبيت الأبيض، فلماذا تأخذ الحكومة المحلية رسائلها الدبلوماسية بجدية؟ ولماذا تستخدام القنوات الرسمية عوضًا عن التحدث مباشرة مع محامي الرئيس الشخصي وأصدقائه المحتالين؟ وإذا كان مفتاح الحصول على المساعدات (يقصد حالة أوكرانيا التي ربط فيها ترامب حصولها على المساعدات الأمريكية بفتح تحقيق مع نجل منافسه الديمقراطي جو بايدن) هو مداعبة غرور الرئيس، فلماذا يضطلع (رئيس الدولة الأخرى) بالعمل الشاق المتمثل في الإصلاح الاقتصادي أو السياسي، مع كل المخاطر التي ينطوي عليها؟

وأردف بيرنز أن تصرفات الرئيس تشوه الممارسة الدبلوماسية وتدق عنق المصالح الأمريكية. وبسببها أصبحت الإدارة الأوكرانية الجديدة أكثر عرضة للفساد والتراجع الديمقراطي، وأكثر ضعفًا في مواجهة التلاعب والعدوان الروسي.

ولم يكن بإمكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين –على الرغم من تدريبه الاحترافي على تلفيق المستندات التي تجبر كل أنواع المعارضين على التنازل– أن يقدم مستندًا أكثر تدميرًا من ملخص مكالمة ترامب وزيلينسكي في يوليو الماضي، والتي أثارت خللًا سياسيًا في كل من واشنطن وكييف.

ومن خلال استخدام منصبه العام لتحقيق مكاسب شخصية، أكد ترامب قناعة بوتين الطويلة الأمد –التي يتقاسمها المستبدون في جميع أنحاء العالم– بأن الأمريكيين يتسمون بالفساد والهوس بالنفس بقدرهم، لكنهم فقط يزيفون هذا الأمر.

وبالنسبة للديكتاتوريين، فإن ترامب هو الهدية التي لا تزال مستمرة التقديم، وهو إعلان لا يتوقف عن استغلال المنصب للمنفعة الذاتية في الغرب.

وتابع: «نحن نحفر حفرة عميقة لأنفسنا في عالم يتغير بسرعة، مليء باللاعبين الذين لن ينتظروا أن نتوقف عن الحفر، وبيئة تتصلب سريعًا ضد المصالح الأمريكية. حلفاؤنا مرتبكون. خصومنا سريعو الاستفادة. المؤسسات والائتلافات التي شكلناها على مدى عقود تهتز، وتتبخر ثقة الشعب الأمريكي في قوة القيادة الأمريكية المنضبطة والغرض منها». 

الحاجة الماسة للتجديد

وحذر الكاتب من أن تقصير إدارة ترامب في واجبها يأتي في وقت ستحتاج فيه الولايات المتحدة إلى الاعتماد على الدبلوماسية بشكل أكبر، لتعزيز مصالحها وقيمها في عالم أكثر تنافسية.

وقال إن جوزيف ولش، المحامي الأسطوري في جلسات استماع الجيش ومكارثي، فجر بالون المكارثية عام 1954 عندما طرح سؤاله الذي لا يُنسى: «هل لديك أي قدر من الأخلاق يا سيدي؟ وفي نهاية المطاف هل تركت أي قدر من الأخلاق؟»، مضيفًا أن هذا السؤال كان بلاغيًا، تمامًا كما هو الحال اليوم بالنسبة لمقلدي مكارثي في إدارة ترامب وحولها. إن شعورهم بالأخلاق أمر خفي تمامًا، بينما فسادهم ونزعتهم الانتقامية معروضة على الملأ.

واختتم مقاله بالقول إنه في المقابل فإن الأخلاق المتوهجة، والتي تعطيه بعض الإيمان حتى في هذه الأوقات المظلمة للدبلوماسية الأمريكية، هي تلك التي أظهرها المسئولون المهنيون مثل يوفانوفيتش، فشرفهم والتزامهم يميز الدبلوماسية المهنية والخدمة العامة في أفضل حالاتها، مضيفا أنه طالما بقيت هذه الخصال على حالها، على الرغم من تعرضها للضرب في عصر ترامب، فلا يزال هناك أمل في تجديد الدبلوماسية.

«واشنطن بوست»: هؤلاء القادة راهنوا على ترامب وخسروا!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد