نشر موقع منتدى الاقتصاد العالمي تقريرًا أعده نورييل روبيني، أستاذ الاقتصاد بكلية ليونارد إن ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، يستعرض فيه توقعاته المتعلقة بالتداعيات الاقتصادية لـفيروس كورونا المستجد، التي ربما تستمر حتى بعد القضاء عليه.

ذكر التقرير أن تداعيات الاقتصاد الكلِّي والشؤون المالية لفيروس كورونا تجسَّدت في ظرف ثلاثة أسابيع فقط، مقارنة بالثلاث سنوات التي استغرقتها تداعيات الأزمة المالية التي شهدها عام 2008. وأضاف أن الأسواق انخفضت بنسبة 35%، والأسواق الائتمانية أصيبت بالشلل، والفوارق الائتمانية ارتفعت إلى مستويات عام 2008.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
«فورين أفيرز»: لماذا تتأخر أوروبا في استجابتها الاقتصادية لكورونا؟

واستدرك أن الصدمة التي تلقَّاها الاقتصاد العالمي بسبب كوفيد-19 أسرع وأكثر حِدَّة من الأزمة المالية العالمية لعام 2008 وحتى أزمة الكساد الكبير (الأزمة الاقتصادية التي نجمت عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في معظم دول العالم عام 1929). وخلال تلك الحادثتين السابقتين، تهاوت أسواق البورصة بنسبة 50% أو أكثر، وأصيبت الأسواق الائتمانية بالشلل، وتلي ذلك حالات إفلاس هائلة، وارتفعت معدلات البطالة إلى ما يزيد عن 10%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى معدل سنوي قدره 10% أو أكثر.

لكنَّ كل هذه التداعيات استغرقت نحو ثلاث سنوات لتبرز. وفي الأزمة الراهنة، تجسَّدت تداعيات وخيمة مشابهة على صعيد الاقتصاد الكلِّي والشؤون المالية في ثلاثة أسابيع.

تداعيات اقتصادية هائلة في 15 يومًا فقط!

في وقت سابق من هذا الشهر، هبط سوق البورصة الأمريكية في غضون 15 يومًا فقط إلى مستوى أعمق (إذ انخفض بنسبة 20% عن الذروة التي بلغها)؛ وهو أسرع انخفاض من نوعه على الإطلاق. والآن، انخفضت الأسواق بنسبة 35%، وأُصيبت الأسواق الائتمانية بالشلل، وارتفعت الفوارق الائتمانية (مثل السندات عالية المخاطر) إلى مستويات عام 2008.

بل حتى الشركات المالية الرئيسية مثل «جولدمان ساكس» و«جيه بي مورجان» و«مورجان ستانلي» تتوقع انخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي إلى معدل سنوي قدره 6% في الربع الأول من هذا العام، وإلى 24% إلى 30% في الربع الثاني منه. وكان وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين قد حذَّر من أن معدل البطالة يمكن أن يرتفع إلى أكثر من 20% (أي ضعف مستوى ذروة البطالة أثناء الأزمة المالية العالمية).

وبعبارة أخرى، على حد قول روبيني، فإن كل عنصر من عناصر الطلب الكُلِّي– وهي الاستهلاك والإنفاق المالي والصادرات– في حالة سقوط حر غير مسبوقة. وبينما كان معظم المعلِّقين يتوقعون انكماشًا في شكل حرف V (تراجع اقتصادي حاد لكنه قصير يتبعه انعاش قوي)- مع هبوط حاد في الإنتاج خلال ربعٍ واحدٍ ثم استعادة عافيته خلال الرُبع التالي من العام– ينبغي أن يكون واضحًا الآن أن أزمة «كوفيد-19» أمر مغاير تمامًا.

ويبدو أن الانكماش الجاري الآن ليس على شكلV- أو U- أو L- (وهو انخفاض حاد تعقبه حالة ركود). بل إنه يشبه شكل «l»: وهو خط عمودي يُمثِّل هبوط الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي (المرتبط بالمنتجات والخدمات الحقيقية في مقابل الاقتصاد الاسمي المعني بعمليات البيع والشراء في الأسواق المالية).

معدل البطالة المتوقع في عام 2020 أعلى من نظيره خلال فترة الركود الكبير، وهو أعلى معدل بطالة في التاريخ الأمريكي. المصادر: CNBC ، The Balance

وحتى خلال فترة «الكساد الكبير» و«الحرب العالمية الثانية»، لم يُغلَق معظم النشاط الاقتصادي حرفيًا، كما هو الحال في الصين والولايات المتحدة وأوروبا اليوم. وفي أفضل السيناريوهات، سيكون هناك انكماش أشد حدة من الانكماش الذي شهدته الأزمة المالية العالمية (من حيث انخفاض الإنتاج العالمي التراكمي) لكنَّه سيكون أقصر عمرًا، ما يسمح بالعودة إلى النمو الإيجابي بحلول الربع الرابع من هذا العام. وفي تلك الحالة، ستبدأ الأسواق في التعافي عندما يظهر الضوء في نهاية النفق.

التدابير الصحية.. الحل الأمثل لتفادي التدهور الاقتصادي

واستطرد الكاتب قائلًا: «لكنَّ أفضل السيناريوهات يفترض شروطًا عديدة. أولها، أن الولايات المتحدة وأوروبا والاقتصادات الأخرى المتأثرة بشدة سيتعين عليها البدء في تدابير واسعة النطاق لإجراء فحوصات كوفيد-19 واقتفاء أثر المخالطين وعلاج المرضى، وفرض الحجر الصحي القسري، وإغلاق شامل على غرار ما نفَّذته الصين. ونظرًا لأن تطوير لقاح وإنتاجه على نطاق واسع يمكن أن يستغرق 18 شهرًا، فإن مضادات الفيروسات والعقاقير العلاجية الأخرى يجب نشرها على نطاق هائل».

ثانيًا، يجب أن يستمر صناع السياسة النقدية – الذين أنجزوا بالفعل في أقل من شهر ما استغرق منهم ثلاث سنوات لإنجازه بعد الأزمة المالية العالمية – في بذل جهود مضنية وتقديم كل ما يمكن من التدابير غير التقليدية في هذه الأزمة. وذلك يعني معدلات فائدة صفرية أو سلبية، وتوجيه استرشادي مُعزَّز، وتيسير كمِّي، وتيسير ائتماني (شراء أصول خاصة) لدعم البنوك وغير البنوك وصناديق سوق المال وحتى الشركات الكبرى (الأوراق التجارية وتسهيلات سندات الشركات).

وكان النظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد وسَّع خطوط المقايضة عبر الحدود لمعالجة نقص السيولة الدولارية الحادة في الأسواق العالمية، لكننا الآن في حاجة إلى مزيد من التسهيلات لتشجيع البنوك على إقراض شركات صغيرة ومتوسطة الحجم تفتقر إلى السيولة ولكنَّها لا تزال قادرة على السداد.

توزيع الأموال على المستهلكين لتحفيز الصرف

ثالثًا، يتعين على الحكومات نشر حوافز مالية ضخمة، بما في ذلك من خلال عمليات «الإسقاط المروحية» (مصطلح اقتصادي يشير إلى توزيع عشوائي للمال بين المستهلكين في محاولة لتحفيز زيادة الصرف وبالتالي تحفيز التضخم) لتوزيع المدفوعات النقدية مباشرة على الأسر. ونظرًا لحجم الصدمة الاقتصادية، سيتعين زيادة العجز المالي في الاقتصادات المتقدمة من 2-3% من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 10% أو أكثر. ووحدها الحكومات المركزية تتمتع بميزانيات عمومية ضخمة وقوية بقدرٍ يكفي لمنع انهيار القطاع الخاص.

لكنَّ هذه التدخلات التي تمول العجز يجب تحويلها كاملة إلى قيمة نقدية. وإذا جرى تمويلها من خلال دين حكومي قياسي، سترتفع معدلات الفائدة ارتفاعًا حادًّا، وسيختنق تعافيها في مهده. ونظرًا للظروف الراهنة، فإن التدخلات التي لطالما اقترحها يساريو مدرسة النظرية النقدية الحديثة، بما في ذلك توزيع الأموال عشوائيًا على المستهلكين، أصبحت سائدة.

ومن المؤسف، بحسب التقرير، أنه في أفضل السيناريوهات، لم ترق الاستجابة الصحية العامة في الاقتصادات المتقدمة إلى ما هو مطلوب لاحتواء الجائحة، وأن حزمة السياسات المالية قيد المناقشة حاليًا لا هي كبيرة أو سريعة بقدرٍ يكفي لتهيئة الظروف لحدوث التعافي في الوقت المناسب. وبناءً عليه، فإن خطورة التعرض لكساد كبير جديد، أسوأ من الكساد الكبير الأصل -كساد أكبر- تزداد يومًا بعد يوم.

وإذا لم يُكبح جماح الجائحة، ستستمر الاقتصادات والأسواق حول العالم في سقوطها الحر. وحتى إذا جرى احتواء الجائحة بشكل أو بآخر، فإن النمو الإجمالي ربما لا يعود بحلول نهاية عام 2020. وفي نهاية المطاف، حينها، من المحتمل جدًا بدء فيروس موسمي آخر مع طفرات جديدة، وربما يتضح أن التدخلات العلاجية التي يعوِّل عليها الكثير من الناس أقل فعالية مما كان مأمولًا منها. لذا، ستنكمش الاقتصادات مجددًا وتنهار الأسواق مرة أخرى.

وعلاوة على ذلك، قد تصل الاستجابة المالية إلى طريق مسدود إذا بدأت عملية تسييل العجز الهائل (تحويله إلى أوراق مالية) تتسبب في حدوث تضخم مرتفع، خاصة إذا أسفرت سلسلة صدمات إمداد سلبية متصلة بالفيروس عن تقليل النمو المحتمل. والعديد من البلدان لا يمكنها ببساطة القيام بهذا الاقتراض بعملتها الخاصة. ويطرح الكاتب سؤالًا: «مَنَ ذا الذي ينقذ الحكومات والشركات والبنوك والأسر في الأسواق الناشئة؟»

السيطرة على جائحة كوفيد-19 لا تعني تعافي الاقتصاد العالمي

ويجيب بأنه حتى إن تمت السيطرة على الجائحة والتداعيات الاقتصادية، يمكن أن يظل الاقتصاد العالمي عرضة لعدد من مخاطر الذيل Tail risk (تشمل الأحداث مستبعدة الحدوث، عند طرفي منحنى التوزيع الطبيعي) المتعلقة بما يعرف بــ«البجعة البيضاء» (أحداث مؤكدة الحدوث ويمكن تقدير تأثيرها بسهولة).

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ستفسح أزمة كوفيد-19 الطريق أمام صراعات متجددة بين الغرب وما لا يقل عن أربعة قوى تعديلية (تهدف إلى تغيير النظام الحالي أو وضع حد له): وهي الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، إذ تستخدم جميع هذه الدول بالفعل حربًا إلكترونية لتقويض الولايات المتحدة من الداخل. والهجمات الإلكترونية الحتمية على العملية الانتخابية الأمريكية ربما تؤدي إلى نتائج نهائية متنازع عليها، وتثير اتهامات بـ«التلاعب بالأصوات» وصولًا إلى احتمالية اندلاع أعمال عنف سافرة وحدوث اضطراب مدني.

يضيف الكاتب: على المنوال نفسه، كما جادلت سابقًا، تستهين الأسواق بخطورة اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران خلال هذا العام استهانة كبيرة، كما يتفاقم تدهور العلاقات الأمريكية-الصينية بسبب تحميل كلٍ منهما الآخر مسؤولية تفاقم جائحة كوفيد-19. ومن المرجح أن تزيد الأزمة الراهنة من تفاقم عملية البلقنة المستمرة (يشير هذا التعبير إلى تفتت دولة ما إلى دول صغيرة متناحرة كما حدث في البلقان بعد الحرب العالمية الأولى) وتقويض الاقتصاد العالمي في الأشهر والسنوات القادمة.

واختتم روبيني تقريره قائلًا: «هذه المخاطر الثلاثية– وهي الجوائح الخارجة عن السيطرة، وترسانات السياسة الاقتصادية غير الكافية، والبجع الأبيض الجيوسياسي- ستكون كافية لتحويل دفة الاقتصاد العالمي إلى كساد مطرد وانهيار جامح في السوق المالي. وبعد انهيار عام 2008، سحبت الاستجابة القوية (وإن كانت متأخرة) الاقتصاد العالمي من على شفير الهاوية. لكن ربما لا نكون محظوظين جدًا هذه المرة».

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: هؤلاء القادة أنكروا خطر كورونا.. كيف أضروا بلادهم والعالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد