نشرت صحيفة «الجارديان» تقريرًا سردت فيه شهادة مراسل وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية – فارس أكرم – حول تدمير إسرائيل برج الجلاء في قطاع غزة، الذي ضم بين جدرانه مكاتب وكالات أنباء عالمية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في يوم السبت، قصفت القوات الإسرائيلية البناية التي تضم وكالة «أسوشيتد برس» وقناة «الجزيرة» في غزة، بزعم أن المخابرات العسكرية التابعة لحماس كانت تعمل داخل المبنى. كان 12 من موظفي «أسوشيتد برس» والعاملين المستقلين يعملون ويستريحون في مكاتبهم عندما اتصل الجيش الإسرائيلي ليمهلهم ساعة واحدة للإخلاء. وقد روى الصحافي في وكالة «أسوشيتد برس» فارس أكرم كيف هرب من المبنى.

اخلوا المبنى فورًا!

يقول أكرم إن صرخات زملائه أيقظته، فأصيب بالرعب. ماذا كان يحدث؟ راح يتساءل، هل أصيب أحد في شوارع مدينة غزة أم أسوأ؟

كانت الساعة 1.55 مساءً يوم السبت. وكان أكرم ينام القيلولة في الطابق العلوي من السقيفة المكونة من طابقين، التي ضمت مكاتب وكالة «أسوشيتد برس» في مدينة غزة منذ عام 2006. يقول أكرم: «لم يكن هذا أمرًا غير معتاد في الأيام الأخيرة؛ فمنذ بدء القتال في وقت سابق من هذا الشهر، كنت أنام في مكتب الأخبار لدينا حتى بعد الظهر، ثم أعمل طوال الليل».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
شخصيات وتيارات ومراحل تاريخية فاصلة.. وثائقيات تشرح لك ما تحتاج معرفته عن القضية الفلسطينية

هرع أكرم إلى الطابق السفلي ورأى زملاءه يرتدون الخوذات والسترات الواقية. كانوا يصرخون: «إخلاء! إخلاء!». علم أكرم لاحقًا أن الجيش الإسرائيلي استهدف بنايتهم بهدف التدمير بعد توجيهه تحذيرًا سريعًا مقدمًا؛ كانوا قد دمروا ثلاثة مبانٍ حتى ذلك الوقت، محذرين السكان والمقيمين في بعض الأحيان قبل دقائق من الخروج. على عجل قيل له: «لديك 10 دقائق».

تساءل عما سيحتاج. حمل جهاز الكمبيوتر المحمول وبعض القطع الإلكترونية الأخرى. ثم ألقى نظرة على مساحة العمل التي استخدمها منذ سنوات، المليئة بتذكارات الأصدقاء والعائلة والزملاء. بعد ذلك، جمع بعض التذكارات الصغيرة: طبق زخرفي عليه صورة عائلته، وكوب قهوة أعطته له ابنته، التي تعيش الآن بأمان في كندا مع أختها ووالدتها منذ عام 2017. وأخيرًا شهادة بمناسبة قضائه خمس سنوات من العمل في وكالة «أسوشيتد برس».

بدأ بالمغادرة. ثم ألقى نظرة الوداع على المكان الذي كان بيته الثاني لسنوات، حسب وصفه. أدرك أن هذه آخر مرة قد يراه فيها على الإطلاق. كان ذلك بعد الساعة الثانية ظهرًا بقليل. كان آخر شخص هناك. ارتدى خوذته وركض.

Embed from Getty Images

لا مكان آمن في غزة

بعد أكثر الأيام إثارة للقلق في المجتمع حيث ولد أكرم وترعرع وغطى أخبارًا – في المكان الذي تعيش فيه عائلته الممتدة – عاد إلى بيته. لكنه لم يشعر بالأمان؛ فلا يوجد مكان آمن في غزة. يوم الجمعة، دمرت غارة جوية مزرعة عائلته على الطرف الشمالي من غزة. والآن، مكتبه في مدينة غزة – المكان الذي اعتقد أنه مقدس ولن يكون مستهدفًا لأن مكاتب «أسوشيتد برس» و«الجزيرة» كانت تقع في الطوابق العليا – عبارة عن كومة من الأنقاض والغبار.

كان حال العديد من سكان غزة أسوأ بكثير. حينئذ، كان قد استشهد 145 فلسطينيًّا على الأقل منذ يوم الاثنين عندما بدأت حماس بإطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل التي ردت بقصف غزة. وفي إسرائيل قتل ثمانية أشخاص بينهم رجل قتل بصاروخ سقط في رمات جان، إحدى ضواحي تل أبيب يوم السبت.

أثناء مغادرته المبنى، شعر أكرم بالساعة في رأسه تصم الآذان. نزل من الطابق 11 من السلالم إلى مرآب السيارات في الطابق السفلي. فجأة أدرك أن سيارته كانت السيارة الوحيدة هناك. تم إجلاء الآخرين جميعهم. رمى متعلقاته في الخلف، ثم قفز إلى الداخل وانطلق بالسيارة.

عندما شعر أنه قد ابتعد بما فيه الكفاية، أوقف السيارة وترجل منها، ونظر إلى المبنى. كان زملاؤه في الجوار يشاهدون، وينتظرون ما سيحدث.

في مكان قريب – ينوه أكرم – كان صاحب المبنى يتحدث على الهاتف مع الضابط العسكري الإسرائيلي الذي طلب منه إخلاء المكان. كان المالك يتوسل لمزيد من الوقت. قيل له «لا، هذا لن يكون ممكنًا. عد إلى المبنى وتأكد من خروج الجميع. لديك 10 دقائق. من الأفضل لك أن تسرع».

التفت نحو البناية ليراقب. أخذ يدعو الله ألا يحدث ذلك. فكر في العائلات التي كانت تعيش في الطوابق الخمسة العليا من المبنى، وأسفل المكاتب الإعلامية وفوق المكاتب في الطوابق السفلية. ماذا سيفعلون؟ إلى أين يذهبون؟ راح أكرم يتساءل. وتجمع صحافيون آخرون، وهم يترقبون في هلع ما هو قادم. وراح بعض زملائه الأكثر ثباتًا في بث ما يجري إلى العالم.

ثم، في تتابع سريع خلال الدقائق الثماني التالية: غارة جوية صغيرة بطائرة بدون طيار، متبوعة بأخرى ثالثة. ثم ثلاث غارات جوية قوية من طائرات إف-16.

في البداية – يروي أكرم – بدا الأمر وكأن طبقات من شيء ما ينهار؛ وكأنك ضربت بقبضتك في وعاء من رقائق البطاطس. ثم غلف الدخان والغبار كل شيء. وزمجرت السماء. والمبنى الذي كان بيتًا لبعض الناس، ومكتبًا لآخرين، وكليهما بالنسبة لي، اختفى في سحابة من الغبار. في جيبه كان لديه مفتاح غرفة لم يعد لها وجود.

أكثر المشاهد رعبًا

وقف أكرم مع زملائه على بعد حوالي 400 متر، وراح يراقب ويحاول استيعاب الكارثة، في حين بدأت الأنقاض في الاستقرار. غطت سحب كثيفة من الدخان الأسود الدخان الأبيض حيث انهار الهيكل. وتناثر الغبار وقطع الإسمنت وشظايا الزجاج في كل مكان.

فكر أكرم في المئات من تذكاراته التي كانت الآن في شظايا – بما في ذلك مسجل الكاسيت البالغ من العمر 20 عامًا الذي استخدمه عندما أصبح صحافيًا للمرة الأولى. تمنى لو أنهم أمهلوهم ساعة، لكان قد جمع كل أغراضه. لقد كانت واحدة من أفظع المشاهد التي شاهدها على الإطلاق، بحسب ما أورده في التقرير. لكن كان عزاؤه الوحيد أنه لم تكن هناك خسائر بشرية. ومع ورود المزيد من المعلومات، أدان رؤساؤه في وكالة «أسوشيتد برس» الهجوم الذي «صدمهم ورعبهم».

Embed from Getty Images

تساءل إلى متى يجب أن يبقى ويراقب. في ذلك الوقت، بدأت غريزته في تغطية الكثير من العنف والحزن في مسقط رأسه. ذهبت البناية ولن تعود. وثمة أحداث أخرى يتعين عليه تغطيتها. فكما يقول: «نحن الصحافيون، لسنا القصة. الأولوية بالنسبة لنا ليست أنفسنا. بل لسرد قصص أشخاص آخرين، أولئك الذين يعيشون حياتهم في المجتمعات التي نغطيها».

لذلك، أمضى أكرم بضع لحظات أخرى في مشاهدة نهاية المكان الذي شكل جزءًا كبيرًا من حياته. وبعد ذلك بدأ يستيقظ من هذا الكابوس. قال لنفسه: «انتهى الأمر. دعنا الآن نفهم ما يجب فعله بعد ذلك. دعنا نستمر في تغطية كل الأحداث. هذا هو التاريخ، وهناك المزيد من القصص لسردها. وكما هو الحال دائمًا، بينما يهتز العالم من حولنا، فإن الأمر متروك لنا لمعرفة كيفية سردها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد