مع اقتراب العام من نهايته، وبالنظر سريعًا إلى أحداث 2015 من خلال عناوين الصحف في أنحاء العالم، ربما سيبدو العالم مرعبًا وأكثر عنفًا من ذي قبل.

بدأ العام بالعديد من الأحداث الدموية، نذكر منها هجمات جماعة بوكو حرام في نيجيريا، والتي أصبحت الجماعة الأكثر عنفًا في العالم، ثم بعد ذلك هجمات شارلي إيبدو وهايبر كاشير في باريس، والتي كانت استمرارًا للهجمات العنيفة في أكثر من مكان في العالم.

 

لا يمكن أن ننسى ـ أيضًا ـ تفجير مسجد صنعاء في اليمن، والذي قتل فيه 142 شخص، هجوم حركة الشباب على إحدى الجامعات في كينيا ذهب ضحيته 142 شخص أيضًا.

 

من أكبر المجازر أيضًا في هذا العام كانت اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لمدينة كوباني بالقرب من الحدود التركية، والتي قتل فيها أكثر من 200 شخص. أما في تونس، فقد لقي 29 سائحًا مصرعهم في يونيو الماضي في تفجير إرهابي، وفي بغداد تم تفجير إحدى الأسواق في يوليو، في حين شهد شهر أغسطس تفجيرات أنقرة، والتي قتل فيها ما يزيد عن 100 شخص.

في أكتوبر، أسقطت طائرة روسية في سيناء؛ نتيجة لعمل إرهابي. تواصلت أعمال العنف في نوفمبر مع وقوع أحداث باريس وتفجيرات بيروت وهجوم على أحد الفنادق في مالي. في حين يبدو أن العام قد اختتم بهجمات سان برناردينيو في الولايات المتحدة في ديسمبر الجاري. في نفس الوقت الذي وقعت فيه كل الأحداث الدموية، استمرت الأحداث في سوريا على حالها مع استمرار هجمات تنظيم الدولة الذي شن أكثر من هجوم قاتل استهدف الكثير منها سكانًا مدنيين، كذلك الحال في أفغانستان، استمرت حملات طالبان، والتي ازدادت حدتها مؤخرًا.

العام 2014 قد شهد زيادة في ضحايا العمليات الإرهابية بنسبة 80% عن عام 2013، ويبدو أن عام 2015 يسير في نفس الاتجاه. بالرغم من انخفاض عدد الصراعات العالمية باستمرار ـ بلغ عددها 70 ، في حين وصل العدد إلى 40 فقط في 2014 ـ إلا أن أعداد الضحايا في هذه الحروب والصراعات قد زاد بدرجة مريبة، فما يحدث في سوريا ـ على سبيل المثال ـ هو أمر غير مسبوق. كذلك أعداد النازحين أيضًا بلغت درجة غير مسبوقة، مما دفع مفوض الأمم المتحدة لشئون اللاجئين للتصريح بأن الحروب والصراعات وحالات الاضطهاد قد أجبرت عددًا كبيرًا ـ أكبر من أي وقت مضى ـ على الفرار من ديارهم، والبحث عن ملجأ آمن في أي مكان.

ربما تبدو هذه الأرقام والكوارث والمجازر منافية تمامًا مع الطرح القائل بأن العالم قد أصبح أكثر أمانًا عن ذي قبل. ومع ذلك، ومع أن عناوين الصحف العالمية ترسم صورة للعالم وكأنه يصبح مكانًا أقل استقرارًا وأمنًا، إلا أن النظر للأمور من منظور أوسع سيعطينا نتائج مختلفة تمامًا.

في عام 2014، وقعت 80% من الأعمال الإرهابية في 5 دول فقط وهي: العراق، سوريا، نيجيريا، أفغانستان وباكستان. في العالم الحالي، تحسنت الأوضاع نسبيًا في باكستان وتدهورت في سوريا، ولكن الإجمالي العام يبدو متشابهًا في كلا العامين. العمليات الإرهابية أصبحت سلاحًا يستخدم في الحروب والنزاعات، ولكنه منحصر في بضعة مناطق غير مستقرة بالأساس، وتضم الكثير من المتمردين.

في الغرب، والذي يشهد الكثير من المخاوف من العمليات الإرهابية، كانت العمليات الإرهابية أمرًا نادرًا وعلى وشك الاختفاء تمامًا حتى وقوع أحداث باريس في نوفمبر الماضي. بالحديث عن الأرقام، فإنه خلال الـ15 عامًا الماضية كانت نصيب أوروبا من ضحايا العمليات الإرهابية بشكل عام أقل من 1% بالنسبة للأعمال التي وقعت في أوروبا. حقيقة الأمر أن بداية الكثير من الصراعات الحالية قد وُلِدَ مع عمليات انتقال السلطة وما عرف بالربيع العربي في الشرق الأوسط بداية من عام 2011. حالة الفوضى وعدم الاستقرار في بعض الدول جعلت منها ملاذًا آمنًا للمتطرفين، وزادت أعداد القتلى فيها بشكل كبير، فيما توجهت أنظار العالم نحو الشرق الأوسط الذي لم تتوقف الأحداث فيه منذ 2011.

بينما تبدو الحروب وموجات التطرف داخل البلدان شديدة التدمير، مازالت تبدو فرصة حدوث حروب بين دول مختلفة بعيدة إلى حد ما. ربما يبدو الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم مخالفًا لهذه القاعدة، إلا أنه إذا استثنينا هذه الحالة ستصبح  القاعدة صحيحة. في واقع الأمر، تعيش أغلب الدول في أمريكا الشمالية والجنوبية وشرق آسيا وأوروبا ودولًا كثير من أفريقيا في حالة سلام واستقرار كالمعتاد.

على ما يبدو أيضًا أن الصراعات المستعصية في كلٍّ من كولومبيا وميانمار في طريقها للحل، فيما بدأت الولايات المتحدة باتخاذ خطوات جدية نحو تحسين علاقاتها مع كل من إيران وكوبا. الجهود المبذولة في سبيل حظر خطر الأسلحة النووية قد توجت باتفاق إيران النووي، والذي أتى في أعقاب اتفاقية الأسلحة الكيميائية في سوريا. الدولة الوحيدة التي تسير متجاهلة للمعايير والاتفاقات الدولية ـ روسيا ـ مازالت تواجه عزلة اقتصادية، إلا أنها بدأت تكسر العزلة السياسية، ولكن حتى الآن قرار موسكو بوضع أنفها في أي شيء يحدث في العالم يمثل كارثة اقتصادية بالنسبة لها. ردًا على تدخلات روسيا في الشأن الأوكراني، رفضت أغلب دول العالم هذا الأمر عن طريق الاجتماع العالمي المعارض للغزو الحدود وانتهاك السيادة الدولية.

إذا نظرنا بتمعن أكبر إلى الصراع العالمي الدائر، سنجد أن الأمور تدعو إلى التفاؤل. طبقا للأمم المتحدة، منذ 25 عامًا كان أكثر من نصف سكان الدول النامية يعيشون بأقل من 1.25 دولار في اليوم، في حين أن اليوم انخفضت نسبة من يعيشون بهذا القدر المنخفض من المال إلى 14% فقط، في حين تضاعف عدد الطبقة المتوسطة اقتصادية إلى ثلاثة أضعاف في نفس الفترة.

بالحديث عن الأمراض والأوبئة، فقد انخفضت نسب الإصابة بالملاريا بنسبة 58% منذ عام 2000، كما قل عدد وفيات الأطفال نتيجة لمرض الحصبة، بل انخفض معدل وفيات الأطفال بشكل عام لأكثر من النصف بداية من عام 1990. في حين أن كل المقاييس الاجتماعية والتعليمية والصحية تشير إلى أن العالم اليوم يحقق قفزات مذهلة في هذه المجالات، وأن مستوى الرعاية الصحية وحرية الرأي وغيرها من مقاييس الحياة الكريمة قد أصبحت مزدهرة وغير مسبوقة.

يمكننا رؤية حركة العالم اليوم والجهود في اتجاه تنفيذ المعايير العالمية وتعزيز العلاقات والتعاون بين الدول وتحجيم الصراعات والنزاعات قد أصبحت مسيطرة على الاتجاه السياسي العالمي. أحد أمثلة هذا الاتجاه العالمي هي قمة المناخ في باريس، والتي جمعت 196 دولة مختلفة اجتمعت معًا للاتفاق على معاهدة عالمية بشأن تغيرات المناخ وتقليل الإضرار بالبيئة؛ لإعطاء الأجيال القادمة فرصة عادلة  في الحياة.

على مدار الـ25 عامًا الماضية، اتحدت دول العالم لإنشاء معايير عالمية ووضع عقوبات على من يخالفها، من بينها منع غزو الحدود ومنع تطوير أسلحة الدمار الشامل، وحماية المدنيين أثناء الأخطار، وصولًا إلى تمديد قاعدة حقوق الإنسان، وحماية هذه الحقوق وصياغة خطط مواجهة الفقر والتحصين ضد الأمراض وزيادة فرص التعليم. كل هذه التطورات جعلت من عقد اتفاق المناخ أمرًا ممكنا، فضلًا عن أي تحد عالمي تواجهه الدول.

المعتقدون بأن العالم قد أصبح أكثر أمانًا وأقل عنفًا ليسوا على خطأ، ربما الجرائم الشنيعة التي ترتكب في سوريا والعراق تبقى جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية. لا أحد يمكنه أن يتوقع بشكل واقعي وبسيط انتهاء جميع الحروب، ولكن فترات عدم الاستقرار لا تغير من مسار التاريخ البشري، والذي سار في الـ25 عام الأخيرة في اتجاه واحد: نشر السلام والتقدم والاستقرار والحرية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد