من الحكم العثماني، إلى الإحتلال البريطاني مروراً بديكتاتورية عبد الناصر ووصولاً إلى حكم مبارك لثلاثين عاماً، لم يجد الشباب المصري سوى القيام بثورة تعبر عن غضبهم وأملهم في التغيير، إلى أن تلك الثورة لم تعش طويلاً

نشرت شبكة رويتر الإخبارية العالمية تقريرا، أمس الجمعة 13 شباط/فبراير 2016، تحلل فيه الوضع السياسي المصري في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتوقعاتها لمستقبل النظام المصري الحالي بعد أن تعمد النظام إخماد أية أصوات معارضة له. وفق ما أوردته ستيفاني توماس –كاتبة التقرير- فإن مصر دائماً ما عانت من سوء الإدارة في أحسن الأحوال وصولا إلى الاستعباد والوحشية في بعض الحالات الأخرى عبر التاريخ.

من الحكم العثماني، إلى الاحتلال البريطاني، مرورا بديكتاتورية عبد الناصر، ووصولا إلى حكم مبارك لثلاثين عاماً، لم يجد الشباب المصري سوى القيام بثورة تعبر عن غضبهم وأملهم في التغيير، إلا أن تلك الثورة لم تعش طويلا، فاليوم، وبعد خمس سنوات يمكن القول بشكل واضح أن الثورة المصرية قد فشلت تماما، حيث شبهت الكاتبة حكام ما بعد الثورة بأنهم لم يختلفوا على الإطلاق عن سابقيهم عبر التاريخ.

وفق التقرير، فقد عانى المصريون من سوء إدارة محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي يعد أول رئيس منتخب ديموقراطيا في مصر. ترجع الكاتبة أسباب الفشل إلى نقطتين هامتين: الفشل أولاً، والرغبة في الاستحواذ على كل جوانب السلطة ثانيا، مما كان سببا في إظهار تيار الإسلام السياسي بشكل سيئ للغاية، حيث لا ترى أن مرسي كان فاسدا، إلا أنه كان غير كفء، فهو ليس إرهابياً على الإطلاق كما وصفه الرئيس الحالي (السيسي) هو وجماعته.

ليس مرسي فقط من خذل توقعات الثوار، بل كذلك الرموز الليبرالية والعلمانية كما يرى التقرير، حيث ركزوا بشكل أساسي على مصالحهم الشخصية بدلا من العمل على تكوين تحالفات وأحزاب قوية تقود إلى مناخ سياسي تنافسي، كما لم يؤمنوا هم أنفسهم بالديموقراطية الكاملة التي نادوا بها، حيث اختاروا العودة إلى العنف والحكم العسكري بدلا من استمرار مرسي المنتخب في سدة الحكم. خص التقرير بالذكر الدكتور محمد البرادعي –الحاصل على جائزة نوبل للسلام- والذي كان جزء من المشهد السياسي على مدار عامين كاملين، حيث اكتفى ببعض التغريدات على موقع تويتر بدلاً من المشاركة بشكل فعال في بناء العملية السياسية، بل انضم فيما بعد للتحالف الذي كونه السيسي عقب الإطاحة بمرسي قبل أن يستقيل بعدها بشهر واحد؛ إحتجاجا على مذبحة رابعة التي راح ضحيتها 800 شخص من الإخوان المسلمين على يد قوات الأمن.

تحدث التقرير أيضاً عن دور الشباب المصري الذي بدا أكثر مهارة في الحشد والتنظيم للتظاهرات من خلال الإنترنت، إلا أنه لم يستطع الحفاظ على أي من تلك المكتسبات التي جناها. بعد معركة طويلة مع المجلس العسكري بعد الثورة، انضم الكثير من هؤلاء الشباب للمظاهرات التي أتت بالنظام العسكري مرة أخرى في 30 يونيو 2013، بل وصل الحال بقلة منهم إلى التظاهر دعما للسيسي عقب وصول الجيش للحكم. لم تدم حالة الود طويلا مع السيسي قبل أن يعود الشباب مرة أخرى لحالة عدم الرضا في حين تم الزج بالكثير منهم إلى السجون والمعتقلات.

تقول الكاتبة إنه أثناء تغطيتها لأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير في ميدان التحرير، كانت تلك الثورة بمثابة مصدر إلهام كبير لها قادها في النهاية إلى ترك وظيفتها كمراسلة تليفزيونية لتنتقل وتستقر في مصر؛ لتكن شاهدة على ذلك المستقبل المزهر المنتظر. كانت الكاتبة قد عاشت في مصر من قبل كطالبة تدرس اللغة العربية بالجامعة الأمريكية في التسعينات، والتي تحول مقرها بالتحرير والذي درست فيه إلى أحد العلامات الهامة في أحداث الثورة المصرية.

ALGERIA-EGYPT-DIPLOMACY-SISIتقول الكاتبة إنه عقب انتقالها للعيش في مصر في سبتمبر 2011، كانت الشعارات الرومانسية التي عمت ميدان التحرير أثناء الثورة مثل (الجيش والشعب ايد واحدة) وغيرها كانت قد انتهت تماما، وأن حالة الثقة في المجلس العسكري الذي تبع مبارك في الحكم كانت قد انتهت تماما مع الكثير من الأحداث التي أثبت فيها عداءه للثوار كأحداث ماسبيرو، والتي دهست فيه مدرعات الجيش المتظاهرين الأقباط. مع اكتساح الإخوان المسلمين للانتخابات البرلمانية، عهدت جماعات المعارضة اليسارية والعلمانية العاجزة إلى التركيز على شيطنة الإخوان المسلمين فقط.

ترى الكاتبة أيضاً أن الكثير من الشخصيات ذات الطابع الثوري كانوا سبباً في خذلان المصريين أيضاً، حيث تقول إنه عند مغادرتها البلاد في يونيو 2013، كان أغلب من تعرفهم في الجامعة يؤيدون عودة النظام العسكري بل بدوا أكثر تقبلاً للعنف، وكأنه إجراء لابد من استخدامه بعكس أية مباديء ليبرالية يعرفها العالم.

النظام الحالي في مصر –كما تصف الكاتبة- جعلت من نظام مبارك نظاما كريما للغاية بالمقارنة بما يحدث حاليا، حيث يبرر النظام الحالي القمع باسم الاستقرار والأمن ويمنع التظاهر بشكل كامل بل يمنع تكوين المجموعات السياسية أو يتم تعجيزها في ينشر حالة غير مسبوقة من الاستقطاب عبر وسائل الإعلام. كان أحد الأسباب التي ساهمت في وصول السيسي إلى الحكم هو الخوف من مصير الدول المجاورة، كسوريا وليبيا واليمن والعراق، ما جعل الكثيرون يفضلون الاستقرار بأي شكل خوفا من الوصول إلى هذا المصير المظلم، وهو ما قاد النظام إلى استغلال هذا الأمر بأسوأ طريقة ممكنة، فشن حملة واسعة من الاعتقلات ضد الصحفيين والنشطاء، بالإضافة إلى حالات متعددة من الاختفاء القسري لم يستطيع النظام إنكارها بالكامل.

كان اكتشاف جثة طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني (28 عاماً) الأسبوع الماضي في إحدى الطرق السريعة على حدود القاهرة مع الكثير من آثار التعذيب بمثابة الأمر المقلق للغاية، حيث لم يتم رصد حالات كتلك ضد الأجانب في مصر من قبل في حين لم يتوقف تكرارها مع المصريين. على الرغم من جهود السلطات الإيطالية لكشف غموض الحادث، ربما لن تستطيع أسرة ريجيني معرفة ما حدث بالضبط لابنها، كغيره من آلاف المصريين الذي عانوا من حالات مماثلة لأبنائهم.

لا تتوقع الكاتبة أي تغيير في الأحداث على المدى القريب، حيث سيستمر السيسي في تحسين صورته خارجيا دون الاهتمام بالداخل، كما سيعزز من صورته كالسد الأول والأخير للوقوف في وجه تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء، ومن المرجح أن يسعى للحصول على مكانة إقليمية في تحالف يدير الأزمة الحالية في ليبيا وسوريا واليمن، ليحصل على المزيد من الدعم الدولي والمزيد من دعم الجيش، في حين سيستمر 90 مليون مصري في مواجهة مشكلات ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة ومشاكل المواصلات والرعاية الصحية والتعليم في حين لا تخضع الحكومات لأية محاسبة.

يطرح التقرير تساؤلا هاما، ألا وهو: أين يكمن الجانب المشرق في البلاد؟ ربما كان عدم وجود إجابة على هذا السؤال هي المحرك الرئيس للثورة من قبل، فقد أثبت المصريون قدرتهم على عزل الحكام الذي يسيئون إدارة البلاد بغض النظر إن كان هذا الأمر قد تم سابقا بالطريقة الأنسب أم لا، كما أظهروا قدرتهم في رفض الأحوال السيئة، ما قد يكون مفيداً في التخلص من حكومة ما. إلا أنه وفق التقرير، مع استمرار تجاوزات نظام السيسي، سوف تظهر تحالفات غير متوقعة لتقف في وجه النظام، فربما يتحالف الكثير ممن تعاطفوا مع الإخوان المسلمين مع بعض التيارات المدنية واليسارية. بدأت بعض الأصوات تظهر عبر الإعلام، كما تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي حاليا بالسخرية والنقد للنظام، مما سيساهم في بدء الحالة الثورية من جديد. ترى الكاتبة أنه في نهاية المطاف سيرحل نظام السيسي، ليس بطريق الديموقراطية على الأرجح، إلا أنها تأمل أن يحقق من يأتي إلى الحكم بعد ذلك آمال المصريين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد