قد يُنظَر إلى البرلمانات على أنها مملة وغير نافعة، وبالتالي فمن الأفضل التخلص منها أو تعطيلها، كما يحاول رئيس الوزراء البريطاني أن يفعل، لكن العبث بالمؤسسات الديمقراطية أدى إلى أفظع الحروب عبر التاريخ.

في هذا المقال المنشور على موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي، يسرد أرسطو كاليس، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة كيلي البريطانية، أبرز الأزمات التي واجهت الديمقراطية الأوروبية بداية القرن الماضي، بعد أن أدى التعطيل المؤقت للبرلمان، بقرارٍ من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مؤخرًا، إلى إثارة الخوف من تفكك الديمقراطية البرلمانية في بريطانيا.

والآن، قضت المحكمة العليا بأن جونسون تصرف بشكل قانوني في ذلك، لكن أيًا كان الطرف الذي تؤيده في هذا الانقسام السياسي، يؤكد كاتب المقال أن لدى التاريخ – خاصة منذ عقد الثلاثينيات- بعض الدروس المفيدة حول مخاطر تهميش البرلمان، أو حتى إضعاف دوره، وتحرك الحكومة تجاه الحكم المباشر.

«واشنطن بوست»: ماذا سيحدث في بريطانيا؟ 4 خيارات صعبة أمام منافسي بوريس جونسون

منذ نشأتها.. البرلمانات تواجه معارضة في أوروبا

يشير كاليس إلى أن أدولف هتلر لم يدخر جهدًا في الجهر بازدرائه الليبرالية، ومعارضته المتعصبة النظام البرلماني لجمهورية فايمار.

في عام 1924، عندما قرر ائتلاف من الأحزاب اليمينية المتطرفة المشاركة في الانتخابات البرلمانية ضد رغباته، أكد أنه مستعد الآن «للضغط على نفسه»، والدخول في اللعبة البرلمانية.

مع ذلك، يقتبس كاليس ما أضافه هتلر بأنه «يجب أن يُنظر إلى المشاركة كإحدى الطرق العديدة لمحاربة النظام الحالي… يجب ألا يكون «تعاونًا إيجابيًا»… لكن فقط يكون أشد في المعارضة وفي العوائق».

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب إلى أن العداء للمؤسسات الديمقراطية البرلمانية الليبرالية في أوروبا امتد على مر السنين، بين الحربين العالميتين، وأثبتت موجة ديمقراطية اكتسحت الإمبراطوريات القديمة مثل الإمبراطورية المجرية النمساوية، والأنظمة الاستبدادية مثل ألمانيا، بعد عام 1918، بعد فوات الأوان، أنها نصر باهظ للديمقراطية الليبرالية.

يؤكد كاليس أن الحكم البرلماني الليبرالي كان جديدًا وغير مألوف، ونُفذ على عجل في العديد من الدول بما فيها ألمانيا، وسلسلة من الدول الجديدة مثل يوغسلافيا والمجر وبولندا.

في العديد من المناسبات، افتقر الحكم البرلماني إلى الدعم الشعبي ودعم النخب، وكان يُنظر إليه على أنه غريب على تقاليد الدولة، بل الأسوأ من ذلك، أنه فُرض ضد إرادة «الشعب»، بدعم من قوى أجنبية غامضة.

ويلفت كاليس إلى أن المعارضة الشرسة والواسعة للديمقراطية البرلمانية كان عليها الانتظار حتى الثلاثينيات، ولم تكن تعني أن الجذور الأعمق للعداء لم تكن موجودة من البداية.

تمتد مثل هذه المعارضة إلى ما هو أبعد من المشتبه بهم عادةً من اليمين القومي المتطرف أو اليسار الثوري، فتشمل المؤسسات الاجتماعية التقليدية مثل الجيش والكنيسة، والدوائر السياسية الاستبدادية، وحتى النخب المحافظة والليبرالية.

بحسب كاليس، تماشى معظمهم مع التيار الديمقراطي الليبرالي في العشرينيات، في غياب أي بديل سياسي حي، وخوفًا من سيناريو ثوري أسوأ. وبالفعل، عندما غرقت المجتمعات في أزمة واستقطاب عميقين، خاصة بعد الانهيار الاقتصادي العالمي عام 1929، لم يعد الكثير منهم يشعر بالرغبة في الحفاظ على المظاهر.

يؤكد كاليس أن الرفض واسع النطاق للديمقراطية البرلمانية في الثلاثينيات كان مبررًا ومبنيًّا على أسس عديدة: أن البرلمانات كانت بطيئة وغير فعالة في صنع القرار، علاوة على أنها عززت الانقسام الوطني والاستقطاب السياسي، وكانت عادة أجنبية فُرضت على المجتمعات ذات التقاليد المختلفة، وهلم جرا.

عشية الحرب العالمية الثانية، بدت الديمقراطية البرلمانية محطمة وفي تراجع سريع لا رجعة فيه، خاصة في جنوب ووسط وشرق أوروبا، وكان ظهور الفاشية في ألمانيا وإيطاليا فقط الرمز الأوضح لهذا الاتجاه.

وهذا العداء تجاه المؤسسات الديمقراطية البرلمانية – بحسب الكاتب- أظهر تفضيلًا أعمق وأقوى لحكومة قوية غير خاضعة للمساءلة، خاصة في مواجهة «الأزمة».

استقطبت حالة طوارئ مصطنعة، اقتصادية أو اجتماعية أو وطنية، الرأي العام، وعززت جاذبية السياسيين أصحاب الكاريزما المنشقين، مثل هتلر في ألمانيا، وبينيتو موسوليني في إيطاليا، وأوسوالد موسلي في بريطانيا، الذين ازدادوا إصرارًا على التصرف بحزم، علاجًا للخمول البرلماني المزعوم، ولقي ولعهم بالتفكير «خارج الصندوق» صدىً عاطفيًّا عند الجماهير.

لكن كاليس يرى أن هذه البرلمانات مهما كانت غير فعالة أو معيبة دستوريًّا، فقد وقفت (مثل المحاكم) في طريق السلطة التنفيذية القوية، ومثلت عنصرًا مهمًّا في التمثيل غير المباشر الذي جرى التوافق عليه بين «الشعب» والسلطة التي أصبحت تستمتع بها عناصر النخبة والشعب بشكل متزايد في السنوات ما بين الحربين.

البرلمانات في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية

يقول كاليس إن الصورة الشائنة لمبنى الرايخستاج المحترق في برلين أواخر فبراير (شباط) 1933، لم تكن سوى لحظة رمزية قوية في حملة طويلة لتشويه – بشكل مباشر أو غير مباشر- الحكم البرلماني وتقويضه.

قبل تسع سنوات، في عام 1924، واجهت حكومة ائتلافية بقيادة موسوليني أزمةً حادة، عندما اتُهمت فرق فاشية متمردة باختطاف عضو اشتراكي في البرلمان وناقد شديد للفاشية، وهو جياكومو ماتيوتي وقتله.

Embed from Getty Images

قرر نواب المعارضة تسجيل سخطهم على الممارسات الفاشية العنيفة، بالانشقاق عن المجلس، وكان أملهم إما أن يسحب مجلس الشيوخ الدعم من الحكومة في اقتراع بسحب الثقة، وإما أن يتصرف الملك فيكتور إيمانويل الثالث ويخلع موسوليني من السلطة.

يضيف كاليس أن حركتهم المعروفة بانشقاق أفنتين أكسبتهم إشادة أخلاقية امتدت فترة طويلة، لكن سرعان ما دفعت إيطاليا نحو الديكتاتورية الفاشية. «أجّل» رئيس البرلمان إجراءاته لستة أشهر. أعطت هذه الحركة لموسوليني مساحةً للمناورة ووقتًا للتغلب على الأزمة.

في الوقت نفسه، لم يتدخل الملك، وصوّت أعضاء مجلس الشيوخ لصالح حكومة موسوليني، وكانوا أكثر خوفًا من أزمة سياسية واجتماعية محتملة، أكثر من نزاهة النظام الدستوري الليبرالي.

كانت النتيجة أنه بحلول يناير (كانون الثاني) 1925، شعر موسوليني بالقوة الكافية لحل البرلمان وإعلان الديكتاتورية. في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، سرعان ما تنامت مجموعة من الحكام الديكتاتوريين الفاشيين والمستبدين، لتبدأ أولًا في تشويه المؤسسات البرلمانية، ثم انتقلت لقمعها بوصفها العقبة الرئيسية أمام السلطة.

بحسب الكاتب، لم تُذرف الكثير من الدموع – وبالتأكيد لم تكن كافية- على زوال الديمقراطية البرلمانية آنذاك. اختفى البرلمان الليبرالي المكروه من الدول الكبرى في العالم، وسحقه الخيال الجامح للحكومة القوية، وللتعبير المباشر عن إرادة «الشعب» من خلال قيادته دون وسطاء مفترضين.

دروس من الماضي 

في الذكرى الثمانين لاندلاع الحرب العالمية الثانية، يعتقد الكاتب أنه من المغري التفكير في مدى إسهام الحكومات «القوية» غير المسؤولة، في جو الاستقطاب الذي مزق المجتمعات بين الحربين العالميتين، وأغرق العالم في صراع كارثي.

يعتقد كاليس أن البرلمانات آنذاك كانت كما هي الآن؛ انعكاسات لتعدد وجهات النظر في المجتمع الحديث، ولا يمكن حصر هذه التعددية على صوت واحد نيابة عن «شعب» لا يتجزأ. كانت البرلمانات وما زالت مؤسسات للتفاوض الصعب، أو المحبط في الأغلب، وفي كثير من الأحيان تكون المساومات غير مستساغة.

ويرى الكاتب أيضًا أنها تمثل عقبة مهمة في الطريق الذي يؤدي إلى إساءة استخدام السلطة.

يؤكد كاليس أنه حتى لو نظرنا اليوم، بعد سبعة عقود من الحكم البرلماني المستقر، وسياسات الإجماع الواسعة، والمبالغة في تهديد التراجع الفاشي، ينبغي ألا ننسى كيف أن هذا البناء المدعوم من الغالبية ضعيف، وإن كان ثمة شيء «ممل» في أدائه، فهذه ضوابط السلطة التنفيذية وتوازناتها، والعام 1939 خير دليل – مؤلم- على هذا.

«فورين بوليسي»: لمواجهة التراجع الأمريكي.. هل ستبني أوروبا جيشها الخاص؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد