هل حاولت الصين بالفعل زرع جاسوس في البرلمان الأسترالي؟ في محاولة للإجابة عن هذا السؤال كتب أندرو تشوب، الذي يجري بدراسات ما بعد الدكتوراه في الأكاديمية البريطانية بجامعة لانكستر، تحليلًا حول الأنشطة الاستخباراتية الصينية في الخارج، بعد تفجر فضيحة عن محاولة الصين زرع عميل لها في البرلمان الأسترالي. ويشبه الكاتب ما يحدث بين الصين وأستراليا بما كان يحدث في أوروبا إبان الحرب الباردة إلى حد ما.

في بداية تحليل «واشنطن بوست»، يشير تشوب إلى أحدث عاصفة شغلت وسائل الإعلام الأسترالية، والتي تدور حول أنشطة الاستخبارات الصينية في الخارج، وأثارت أسئلة بلا إجابة أكثر مما قدمت من معلومات متماسكة. ويعلّق: «في أعقاب هذه المزاعم الجديدة – وإنكار الصين المتوقع – ما الدروس المستفادة من الحادث؟».

في نوفمبر (تشرين الثاني)، ادعى رجل صيني يبلغ من العمر 27 عامًا يدعى وانج لي شيانج علنًا أنه شارك في سلسلة من العمليات لصالح جهاز الاستخبارات العسكرية الصيني في هونج كونج، وكان يسعى للفرار إلى أستراليا.

بعد فترة قصيرة، تفجرت ادعاءات بأن أجهزة المخابرات الصينية حاولت حث نيك تشاو، وهو تاجر سيارات مثقل بالديون يبلغ من العمر 32 عامًا، على خوض انتخابات البرلمان. ثم عثرت السلطات على تشاو ميتًا في غرفة فندق صغير في مارس (آذار).

ردود الأفعال على التقارير المثيرة

دفعت هذه التقارير رئيس الوزراء سكوت موريسون إلى إصدار بيان يعبر فيه عن قلقه، فيما أكدت سلطات الأمن الأسترالية أنها «كانت على علم مسبق» بهذه القضايا، وأصدر المدير العام للأمن مايك بورجيس بيانًا علنيًّا نادرًا يؤكد أن «الأمور التي جرى الإبلاغ عنها» كانت قيد التحقيق، رغم أنه من غير الواضح على وجه التحديد ما المزاعم المشار إليها في البيان.


قدم وانج نفسه على أنه اضطلع بمهام مختلفة منخفضة المستوى لصالح شركة تُعد واجهة للاستخبارات العسكرية الصينية في هونج كونج.

وسرعان ما أثار المحللون والصحافيون والمدونون شكوكًا حول قصة وانج، كما وردت في الأصل. وتراوحت هذه الشكوك بين صغر سن وانج، وخلفيته الفنية، وصولًا إلى عدم إتقانه لغات أجنبية. وشكك وزير الخارجية الأسترالي السابق جولي بيشوب في مصداقية وانج في ضوء إقراره بذلك علنًا، فيما سارع مسؤول مخابراتي تايواني متقاعد إلى وصفه بأنه محتال.

رواية وانج.. ماذا كان يفعل في هونج كونج؟

التقارير الأولية التي نشرتها وسائل الإعلام وضعت وانج في إطارٍ يشكك في مصداقيته من خلال وصفه بأنه «جاسوس صيني»، بينما لم يرقَ الرجل إلى هذا المستوى بحسب تعريفها العام وفقًا لروايته.

ففي بيانه الذي أدلى به بعد أداء اليمين في يوليو (تموز) أمام الحكومة الأسترالية، قدم وانج نفسه على أنه اضطلع بمهام مختلفة منخفضة المستوى لصالح شركة تُعد واجهة للاستخبارات العسكرية الصينية في هونج كونج.

وقال وانج إن الشركة شاركت في اختطاف بائعي الكتب المنشقين في هونج كونج، وتخويف طلاب هونج كونج المؤيدين للاستقلال ووضعهم تحت المراقبة، والحصول على التكنولوجيا العسكرية الأجنبية، والتدخل في انتخابات تايوان، واختلاس أموال الشركات في هونج كونج.

وذكر وانج أنه شخصيًّا اضطلع بـ«دور مسؤول اتصال» بين رئيسه ومسؤول مخابرات آخر متورط في اختطاف بائعي الكتب، وقام بـ«عمليات على الإنترنت» في انتخابات تايوان عام 2018. وزعم أن الشركة أمرته بالتوجه إلى تايوان للمساعدة في التلاعب بالإعلام المؤيد لبكين، وحينها قرر الفرار إلى أستراليا، حيث كانت زوجته تدرس.

منطقة الشرق

منذ 10 شهور
مركز أبحاث إسرائيلي: الصينيون يكررون ما فعله المغول.. لكن بطريقة أفضل

تدخل المخابرات الصينية حقيقي.. لكن هل ما يقوله وانج كذلك؟

وأشار الكاتب إلى أن مزاعم وانج تتوافق مع الأبحاث التي تناولت الأنشطة الاستخباراتية لجمهورية الصين الشعبية، خاصة في هونج كونج وتايوان. وتشمل هذه الأنشطة، التي جرى توثيقها منذ تسعينيات القرن الماضي في أعمال نيكولاس إفتيميديس، وجيمس مولفينون، وتاي مينج تشيونج، استخدام الشركات المسجلة في هونج كونج للحصول على التكنولوجيا العسكرية.

Embed from Getty Images
متضامنون مع احتجاجات هونج كونج يتظاهرون في مدينة سيدني، العاصمة الأسترالية.

ويوثق البحث الأكاديمي أيضًا كيف تسعى عمليات الاستخبارات الصينية إلى قمع المعارضة السياسية في الخارج. ويشرح كتاب جي تشن الجديد كيف أن عملاء جمهورية الصين الشعبية تسللوا إلى حركة الديمقراطية الصينية في الخارج، في جزء من استراتيجية أوسع لتفتيت الحركة. غير أن الدراسات السابقة توصلت بشكل عام إلى أن هذه مسؤولية المخابرات المدنية، وليس العسكرية.

وثقت تقارير عديدة التدخل الصيني في السياسة التايوانية من خلال الطرق التي وصفها وانج.

وتابع الكاتب أن هناك تقارير عديدة وثقت التدخل الصيني في السياسة التايوانية من خلال الطرق التي وصفها وانج. وسلط تقرير أصدره مارك ستوكس عام 2013م الضوء على الدور المهم للمخابرات العسكرية الصينية في «حرب الرأي العام» التي تستهدف تايوان. وفي الآونة الأخيرة، وثق راسل هسياو أدلة على حملات التضليل أثناء انتخابات تايوان عام 2018.

بعد كل هذه الوقائع، هل كان بإمكان وانج ببساطة اختلاق قصته من المواد المتاحة علنًا؟ يشير طلب اللجوء الذي قدمه، على أي حال، صراحة إلى جدلية كلايف هاميلتون المسماة «الغزو الصامت»، والتي تشير إلى الإلمام بمناقشات أستراليا المحمومة حول الأنشطة السياسية الخارجية للحزب الشيوعي الصيني.

غير أن وانج قدم تفاصيل محددة يمكن التحقق منها. فهناك شخصان ذكر وانج اسميهما مُنعا من مغادرة تايوان بعد ظهور التقارير، مما يشير إلى أنه ربما يكون قد كشف بالفعل معلومات مهمة.

ماذا عن قصة التسلل إلى البرلمان؟

وتابع الكاتب أن المؤامرة التي يزعم أنها تكلفت عدة ملايين من الدولارات لزراعة عميل في البرلمان الأسترالي، إنما هي قصة واهية وأكثر ضبابية.

وإذا كانت هذه القصة صحيحة، فسيكون لها آثار أكبر بكثير في السياسة الديمقراطية من قضية وانج أو قضية السيناتور الأسترالي سام داستياري، الذي أجبر على الاستقالة في عام 2017 بعد تحذيره لمتبرع صيني من أن اتصالاته قد تكون تحت المراقبة. لكن يبدو التحقق من هذا الأمر متعذرًا.

تدور القصة حول مزاعم شاب آخر له دوافع معقدة. قبل وفاته، زُعم أن نيك تشاو (تشاو بو)، تاجر السيارات الفاخرة المثقل بالديون، أخبر وكالات الأمن الداخلي الأسترالية أن رجل الأعمال في ملبورن براين تشن (تشن تشون شنج) عرض عليه مبلغًا من سبعة أرقام إذا ما رشح نفسه للبرلمان عن مقعد منطقة تشيشولم.

وذكرت وسائل إعلام أسترالية أخرى لاحقًا أن تشاو كان رهن الاحتجاز لاتهامات بالاحتيال في ذلك الوقت.

التقارير تظهر بعد الوفاة

وعلى النقيض من قضية وانج، وصلت ادعاءات تشاو إلى وسائل الإعلام بشكل غير مباشر – وربما بعد وفاته – عبر ما وصفته التقارير بـ«شركاء» تشاو، الذين لم تذكر أسماؤهم، و«مصادر أمنية غربية متعددة». وهذه المعلومات غير المباشرة تزيد من تعقيد تقييم قصة التسلل إلى البرلمان.

وأشار الكاتب إلى أن هناك معلومات تتردد عن أن براين تشن لديه شركات تعمل في مبيعات معدات الأمن الحكومية بالشراكة مع شركة تابعة لشركة الدفاع الصينية «نورينكو – Norinco» المملوكة للدولة. وأكد تشن للصحافيين أن وكالات الاستخبارات الأسترالية تشتبه في أنه عميل أمني لجمهورية الصين الشعبية – وهو ادعاء ينفيه.

مثل وانغ، ربما كان لدى تشاو أسباب شخصية لتعظيم قيمته لدى الحكومة الأسترالية. في الوقت نفسه، فإن الديون التي تراكمت على تشاو من جراء متاعبه القانونية ربما جعلته هدفًا جذابًا للتجنيد من قبل جمهورية الصين الشعبية.

محاولة الاستخبارات الصينية زرع عميل في برلمان أجنبي ترقى إلى مستوى نوعي جديد من التدخل.

ويؤكد الكاتب أن محاولة الاستخبارات الصينية زرع عميل في برلمان أجنبي ترقى إلى مستوى نوعي جديد من التدخل، يمكن مقارنته بأوروبا خلال الحرب الباردة أكثر مما يقارن بآسيا في القرن الحادي والعشرين حتى الآن.

إلا أنه من غير المرجح تأكيد القصة تأكيدًا قطعيًّا. ففي تقارير لاحقة، نقل الصحافيون الذين فجروا القصة في الأصل عن مصادر مجهولة قولهم إن التحقيقات حول تشن انطلقت من مؤامرة التسلل البرلمانية المزعومة.

هذه اتهامات مثيرة، وما يزال الكثير من جوانبها غير معروف. وكما لاحظ آدم ني ويون جيانج، فإن الضغوط التي تتمخض عنها هذه الأنواع من القصص يمكن أن تقوض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام. لكن التقارير نفسها تخاطر أيضًا بإثارة الفزع العام بشأن القضايا الحقيقية التي تتطلب تحقيقًا دقيقًا ومنهجيًّا.

دولي

منذ 10 شهور
«ف. أفيرز»: بعيدًا عن الاقتصاد والسلاح.. من الأقوى دبلوماسيًّا أمريكا أم الصين؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد