هل كان يمكن أن يفوز السوفيت بالحرب الباردة؟

هكذا تساءل «روبرت فيرلي»، أستاذ محاضر في كلية باترسون للدبلوماسية والتجارة الدولية في جامعة كنتاكي الأمريكية، في مقال نشرته مجلة «ناشونال إنترست» الأمريكية، وأجاب بقوله إنه وبالنظر إلى الأحداث الماضية، كانت هزيمة السوفيت تبدو  أمرًا محتومًا.

عانى الاتحاد السوفيتي من اقتصاد متداع ونظام سياسي غير جذاب. ولكن الكاتب أضاف أنه وحتى الثمانينيات، شعرت العديد من الأطراف المتصارعة في الحرب الباردة في الغرب أن انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة كان وشيكًا.

وقال الكاتب: «يمكن أن نفكر في انتصار الاتحاد السوفيتي بطريقتين. أولًا، إذا جرت القواعد الأساسية للمنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشكل مختلف، وثانيًا إذا كانت موسكو وواشنطن قد اتخذتا قرارات إستراتيجية مختلفة على طول الطريق».

تغيير القواعد

أشار الكاتب إلى أن فكرة «القواعد» الاجتماعية – السياسية التي تحدد آلية سير العالم تتعارض مع الكثير من الأبحاث في العلوم الاجتماعية. وهكذا فإن تجارب اجتماعية وسياسية محددة أُطلقت في بداية الحرب الباردة اصطدمت بحاجزِ الاستيعاب الاجتماعي والإنساني. فلنتخيل أنه كان ثمة تراخ في بعض هذه «القواعد»، حينها كان من الممكن أن يكون أداء التجربتين الأمريكية والسوفيتية مختلفًا.

وأضاف الكاتب أنه لم يكن واضحًا أن التخطيط المركزي سوف يفشل فشلًا ذريعًا كما حدث. بعض الاقتصاديين، وغالبًا ممن يعملون انطلاقًا من تجربة الحرب العالمية الثانية، اعتقدوا بأن الحكومات المركزية كان يمكن أن تعالج المعلومات بسرعة ودقة كافية لتخصيص الموارد بنجاح عبر المجتمع.

يشمل ذلك -بحسب الكاتب- تخصيص رأس المال (البشري والموارد) للابتكار التكنولوجي. في سياق زمن الحرب، فقد جرى ذلك بشكل جيد بما فيه الكفاية. يمكن للدولة أن توجه الاستثمارات بعيدًا عن السلع الاستهلاكية ونحو الإنتاج العسكري النقدي والابتكار. في زمن السلم، يعمل النظام بشكل أقل فعالية، حيث يطالب العمال والمستهلكين بمعاملة أفضل.

وتابع الكاتب بقوله إنه وكما اتضح فيما بعد، لم يكن التخطيط المركزي للدولة مكافئًا للأشكال المختلفة من تخصيص رأس المال، التي وجدت في الغرب، وخصوصًا فيما يتعلق بالابتكار. وقد كان لهذا تأثير على الابتكار العسكري، حيث ارتبط الابتكار المدني بالتقدم العسكري. في نهاية المطاف، كان يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد على اقتصادها المدني ليس فقط لتحقيق معدلات إنتاج أعلى مما ينتجه السوفيت، ولكن أيضًا لإنتاج منظومات أسلحة أكثر فعالية.

من ناحية أخرى، إذا كان النظام الأمريكي قد أثبت أنه أقل قدرة على التكيف مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لكانت الولايات المتحدة قد اضطرت إلى التخلي عن الحرب الباردة. خلال الستينيات، بدا هذا واضحًا.

على الرغم من استمرار الاقتصاد في الأداء بشكل جيد، فقد هدد الصراع الاجتماعي الحقوق المدنية، وحول حرب فيتنام، هدد بإلحاق أضرار جسيمة فيما يتعلق بالديمقراطية في الولايات المتحدة. استنادًا إلى العقيدة الماركسية، توقع المخططون السوفيتون أن الصراع الطبقي والركود الاقتصادي سينتجان بالضبط هذه النتيجة، ولكن في واقع الأمر حدث ذلك لأسباب لم يكن بإمكانهم أن يتوقعوها.

من وجهة نظر الكاتب، لم تنشأ أزمة الغرب من التفكك الاقتصادي، ولكن من نقيضه. كانت الخمسينيات والستينيات «العصر الذهبي» الاقتصادي وفقًا لـ«طوما بيكيتي»، الذي لاحظ أن عدم المساواة في الثروة والدخل تزايدت وتيرته في السبعينيات. الاضطراب الاجتماعي الذي هدد بتدمير الغرب في الستينيات كان نابعًا من اضمحلال نظم عدم المساواة الاجتماعية والسياسية، وليس من الركود الاقتصادي.

وقال الكاتب: «وفي ذات السياق، فإننا ننظر الآن إلى التزام الولايات المتحدة بتحقيق مستوى معين من الحريات المدنية، باعتباره واحدًا من أعظم نقاط القوة الحرب الباردة. التسامح الملحوظ في الولايات المتحدة مع المعارضة السياسية خلق نظامًا اجتماعيًا أقوى وأكثر جاذبية، جنبًا إلى جنب مع التعاون مع النظام الاقتصادي لتمكين النمو الاقتصادي المستمر والابتكار التكنولوجي. في ذلك الوقت، ومع ذلك، فإن العديد (سواء في الغرب والاتحاد السوفيتي) يعتقدون أن التسامح في الحريات المدنية والسياسية كشف الضعف الاجتماعي والسياسي».

وأخيرًا، استقطبت الولايات المتحدة قدرًا هائلًا من القوة من النظام الاقتصادي الدولي، الذي أنشأته في نهاية الحرب العالمية الثانية. توسع هذا النظام في نهاية المطاف في جميع أنحاء العالم النامي، وزود الغرب بالقوى العاملة والمواد الخام اللازمة للتفوق بشكل كبير على نظرائهم الشيوعيين. إذا كانت النماذج الثورية قد أثبتت أنها أكثر جاذبية في عالم ما بعد الاستعمار، لكان قد تحول ميزان القوة الاقتصادية.

القرارات الإستراتيجية

تساءل الكاتب بقوله: ماذا عن التغييرات التي لا تتضمن تقسيم العالم وتشويه الآليات؟ وقال إنه في هذه الحالة، فإن الضعف الهائل للاتحاد السوفيتي لا ينفي نجاحه، لكن ومع ذلك، كانت ثمة بعض الإستراتيجيات التي ربما أضعفته بصورة أكثر فعالية.

وأوضح الكاتب بقوله إنه إذا كان السوفيت قد اتخذوا تدابير أكثر عدوانية في العقدين الأولين من الحرب الباردة، لكانوا قد حطموا حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنعوا تطور التحالف الأطلسي الذي فاز في الحرب الباردة.

وفقًا للكاتب، فقد كان من شأن هجوم شامل للجيش الأحمر في أوروبا الغربية في الخمسينيات أو الستينيات أن يحظى بنجاح هائل على المدى القصير.

كانت المشكلة ذات شقين. كان الأمريكيون لديهم ميزة نووية يمكن أن تدمر الداخل السوفيتي، وكان السوفيت بالكاد يتحملون بالكاد مهمة الحفاظ على الإمبراطورية، ناهيك عن توسيعها إلى أوروبا الغربية. ولكن السوفيت قدروا أن الشق الأول ربما كان مجرد خدعة، وإذا كانوا قد قدروا التوقعات على المدى البعيد بشكل مختلف، ربما كانوا قد راهنوا على الشق الثاني. جلب الملايين من الألمان، الفرنسيين، والإيطاليين تحت الحذاء السوفيتي ربما لم يكن ليزيد من القوة السوفيتية على المدى الطويل، ولكن كان يمكن أن يكون ضربة لبنية النظام العالمي الذي تقوده أمريكا بعد الحرب.

البديل الآخر كان من الممكن أن يشمل التراجع عن عمد عن التخطيط المركزي في الخمسينيات والستينيات، وليس في أواخر الثمانينيات. تعهدت الصين هذه السياسة بنجاح كبير في نهاية السبعينيات، وحققت النمو الاقتصادي الهائل. مثل هذا الجهد ربما لم يكن ليولد قدرًا هائلًا من الاستثمار الأجنبي المباشر (كما فعل في الصين) ولكن على الأقل كان سيفك الارتباط بالنظام الاقتصادي المحتضر.

ماذا عن القرارات الأمريكية؟

قال الكاتب إنه كان يمكن للولايات المتحدة أن تقرر عدم خوض الحرب الباردة على الإطلاق. بدا أن السوفيت على استعداد لقبول فنلدة جزءًا كبيرًا من أوروبا الغربية، وفي غياب التواجد الأمريكي، ربما كانت موسكو قد جددت علاقاتها القديمة مع باريس. ونتيجة لخفض التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، كان يفترض للسوفيت أن يكرسوا موارد أقل لآلة حربهم، والحد من الضغط على بقية قطاعات الاقتصاد. وبطبيعة الحال، الخروج من حالة الحرب قد ينتج عدم الاستقرار الاجتماعي والضغط من أجل التغيير الداخلي للسياسات السوفيتية القمعية.

مع الموارد الاقتصادية الهائلة، كان لدى الولايات المتحدة فرصة الاستفادة من الوقوع في الخطأ المأساوي، كما بينت تجربة فيتنام. كان يمكن للتجربة أن تكون أسوأ من ذلك في حال قررت الولايات المتحدة الاستمرار في محاولة إنقاذ النظام القومي الصيني في الأربعينيات والخمسينيات.

كان يمكن لهذا القرار أن يكون مكلفًا بشكل كبير ماديًا ولوجستيًا، وليس ذلك فحسب، بل كان سيثير تساؤلات خطيرة حول أهداف الولايات المتحدة الإمبريالية، وحول الحكمة من السياسات الإستراتيجية الأمريكية، وفقًا لما أورده الكاتب.

كان يمكن للسوفيت أن يذيقوا الأمريكيين ويلات أكبر مما حدث في كوريا أو فيتنام، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيكون كافيًا لإجبار الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها الدولية.

وأخيرًا قال الكاتب إن الولايات المتحدة كانت قد حظيت بمزايا هائلة في عام 1945، بما في ذلك أقوى اقتصاد في العالم، قاعدة تكنولوجية متقدمة، ومجموعة متطورة من البنية التحتية الاقتصادية الداخلية، ونموذج اجتماعي سياسي جذاب نسبيًا.

واختتم بقوله: «ولكن عددًا قليلًا من الذين قاتلوا بنشاط في الحرب الباردة آمنوا بأمريكا التي لا تقهر. بدلًا من ذلك، كانوا يعتقدون أن انتصار الولايات المتحدة (أو حتى البقاء على قيد الحياة) يعتمد على الاستثمار التقني وبخاصة في التقنيات العسكرية، فضلًا عن التدخلات الواسعة في السياسة الداخلية للدول الأجنبية. حتى في الثمانينيات، عندما أصبحت علامات الانهيار السوفيتي واضحة على نحو متزايد، فقد اعتقد عدد قليل أن الاتحاد السوفيتي إما سينهار أو سينسحب من الصراع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد