في ظل حالة الجدل الكبرى المنتشرة حاليًا حول قضية الاختراق الإلكتروني الروسي للانتخابات الأمريكية، والتحقيقات المتعددة التي تجريها جهات مختلفة في الولايات المتحدة حول الأمر، تتباين الآراء حول ما إذا كانت نتائج هذه التحقيق ستغير من مجريات الأمور، وربما من الرأي العام نفسه في البلاد. في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، تناولت الكاتبة «جولي فيتكوفسكايا» حقائق متعددة تخص القضية نفسها، وما يدور حاليًا من تحقيقات، وتعليق الأطراف المختلفة على الأمر.

ما تحتاج معرفته عن الاختراق

تبدو وكالة الاستخبارات الأمريكية واثقة من أن الحكومة الروسية قد ساعدت حملة ترامب بالفعل، ويستند هذا التخمين على معلومات استخباراتية تقول بأن الكرملين حاول استخدام القرصنة لدعم المرشح الجمهوري، وهذه بعض النقاط الأساسية التي تحتاج لمعرفتها عن الأمر:

  • ذكرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية سابقًا أن أهداف موسكو تنحصر في إرباك الانتخابات الأمريكية وتقويض الثقة في النظام الانتخابي.
  • وصف ترامب ما توصلت إليه وكالة الاستخبارات المركزية بـ«السخيف»، وأنه لا يصدقه، وقال ترامب في تصريح لشبكة «فوكس» معلقًا على ما ذكرته الوكالة «أعتقد أن هذا مجرد عذر جديد. أنا لا أصدق ذلك على الإطلاق»، فيما وصفت «كيليان كونواي»، مدير حملته، هذه المزاعم بـ«المضحكة والسخيفة».
  • على الجانب الآخر، وصفت روسيا تلك المزاعم بـ«الهراء المطلق». في مقابلة تلفزيونية، نفى المتحدث باسم الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» أن يكون الكرملين قد تدخل في الانتخابات الأمريكية، وأكد أن موسكو تتطلع لعلاقة جديدة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب.
  • بحسب تقرير «واشنطن بوست»، لا يؤمن مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن روسيا كان لها هدف محدد من تدخلها، ويرى مسؤولوه أن الكرملين ربما لم يملك هدفًا بعينه على الإطلاق، أو ربما كان لديه مزيج من أهداف متعددة.
  • ربما يبدو ما يعلنه مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية مختلفة في فحواه، إلا أن ذلك الاختلاف نابع من طبيعة عمل كل منهما، إذ يميل مكتب التحقيقات إلى إثبات الأمور بدلائل قاطعة لا تقبل الشك، في حين تميل وكالة الاستخبارات إلى بناء استنتاجات بناء على ما تراه من أحداث.
  • أخبرت وكالة الاستخبارات المركزية الإدارة الأمريكية بأنها تعتقد بأن الروس اخترقوا النظام الإلكتروني للجنة الوطنية للحزب الجمهوري. في المقابل، يبدو المسؤولون متشككين في ما إذا كان المخترقون قد تمكنوا من استخلاص معلومات أم لا، في حين تنكر اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري أنها اختُرِقت من الأساس.
  • قال زعيم الأغلبية «ميتش ماكونيل» (جمهوري ينتمي لولاية كنتاكي) في تصريح له يوم الاثنين الماضي: أن مجلس الشيوخ ينوي تشكيل لجنة استخبارات؛ للتحقيق في التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات.
  • طلبت إدارة أوباما «مراجعة كاملة» للاختراق الروسي خلال الانتخابات. يقود التحقيقات مدير الاستخبارات الوطنية «جيمس كلابر»، وتعد الإدارة بأن تقدم نتائج هذا التحقيق علنًا.

ربما سيكون علينا الانتظار للأسابيع، وربما الأشهر القادمة؛ لمزيد من التفاصيل ونتائج التحقيقات حول الأمر، إلا أن ما يجب متابعته في الفترة القادمة ربما يكون الصراع داخل الكونغرس؛ في محاولة للتعامل مع تداعيات الحدث؛ إذ طالب أعضاء الحزبين بتحقيق مشترك للمجلسين، وتطلق نتائجه علنًا.

علينا أيضًا متابعة تأثير التقرير الذي ستطلقه إدارة أوباما؛ إذ ربما يمثل تحديًا كبيرًا لدونالد ترامب ، ويضعه في خلاف مع جهاز الاستخبارات. ما يريده أوباما هو أن يكون التقرير جاهزًا قبل أن يغادر البيت الأبيض الشهر القادم.

هل ستؤثر نتائج التحقيقات في مجريات الأمور؟

على الجانب الآخر، تعرض الكاتبة «إيلين آو» وجهة نظر مختلفة في مقالها لشبكة «بلومبرج»، إذ ترى أن الأمريكيين أنفسهم ووسائل الإعلام الأمريكية تبدو وكأنها ترغب في تصديق أن الحكومة الروسية كانت وراء تسريب رسائل البريد الإلكتروني لكلينتون، والتي ساعدت ترامب على الفوز بتلك الانتخابات.

وتؤكد الكاتبة أنه على الجميع أن يضع في اعتباره أنه على الرغم من قوة الأجهزة الاستخباراتية، إلا أن الاختراقات الإلكترونية أمر يصعب تعقبه والتحقق من مصدره بشكل قاطع. ذكرت الكاتبة مثالين على هذا الأمر، أحدهما اختراق Sony Pictures والذي نتج عنه تسريب كم كبير من البيانات السرية، وأنه بعد شهر كامل من البحث والتحقيق، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي أن حكومة كوريا الشمالية تقف خلف الأمر، والسبب في ذلك كان تشابه البرمجيات الخبيثة المستخدمة في الهجوم مع برمجيات اكتُشِفت في هجمات سابقة ورُبِطت بكوريا الشمالية.

في ذلك الوقت، كان توجيه اللوم لكوريا الشمالية منطقيًا تمامًا؛ إذ كانت سوني قد أطلقت قبلها فيلم «The Interview» والذي تضمن سخرية من زعيم كوريا الشمالية «كيم جونج أون». منطقيًا، رأى الجميع أنه ربما يكون ذلك الفيلم قد استفز ديكتاتور كوريا الشمالية ودفعه لإطلاق هذا الهجوم الإلكتروني ردًا على الفيلم.

بعد ذلك بفترة، وتحديدًا في فبراير(شباط) الماضي، تعرض البنك المركزي في بنجلاديش لهجوم إلكتروني تسبب في خسارة قدرها 81 مليون دولار. أثناء تحليل الأدوات المستخدمة في الهجوم، وجد الباحثون الأمنيون أن الهجوم استخدم نفس نوع البرمجيات الخبيثة التي استًخدِمت في واقعة سوني، وهنا تشابكت الأمور مجددًا؛ إذ علق أحد الباحثين الأمنيين قائلًا «إذا كنتم تعتقدون أن كوريا الشمالية كانت وراء الهجوم على سوني، فإن الهجوم على هذا البنك هو من كوريا الشمالية أيضًا».

بمراجعة الأمور من جديد، وُجِد أن هناك حلقة مفقودة في الأمر؛ فكوريا الشمالية ليس لديها أي تاريخ يخص تنفيذ هجمات إلكترونية على بنوك، كما أن بنوك أخرى حول العالم تعرضت لهجمات مماثلة! فهل علينا أن نصدق أن حكومة كوريا الشمالية مسؤولة عن كل شيء؟

تضيف الكاتبة أن اتهام دولة ما بعينها بتنفيذ هجوم إلكتروني يعتمد بالأساس على نتائج سابقة، وكذلك على افتراضات بأن التقديرات السابقة كانت صحيحة، والمشكلة هي أنه دائمًا ما يندر وجود دليل قاطع. على سبيل المثال، حتى إذا تم التوصل إلى أن كوريا الشمالية كانت وراء الهجمات السابقة، فلن يخرج مسؤول من كوريا الشمالية ليتحدث عن الأمر من الأساس.

تشير الكاتبة أيضًا إلى تشكيك الكثير من الخبراء الأمنيين في إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي أن كوريا الشمالية كانت وراء الهجوم الإلكتروني على سوني، إذ سبق وتعرضت الشركة لاختراقات كثيرة سابقًا، فلماذا يلوم مكتب التحقيقات الفيدرالية كوريا الشمالية، وليس شخصًا ما يفعل ذلك، بينما يجلس على سريره في مكان ما من العالم؟

وبحسب المقال، فإن التحقيق في الهجمات الإلكترونية هو فن أكثر من كونه علمًا؛ إذ يتعامل المحللون الاستخباراتيون مع معلومات غالبًا ما تكون خادعة وأضيفت عمدًا لتضليل الباحثين، وهو بالتأكيد ما يعني أن النتيجة دائمًا ما تكون غير مريحة لأولئك الذين ينتظرون نتائج قاطعة لا تدع مجالًا للشك، وهو ما ينطبق بالتأكيد على حالة الانتخابات الأمريكية والاختراق الروسي المزعوم؛ إذ ترى الكاتبة أنه مهما كانت النتائج التي تتوصل لها الأجهزة الاستخباراتية فلن يصدقها الجميع، وأنها ستثير ربما المزيد من الجدل، وليس اليقين.

بوتين وترامب.. أصحاب أم بيزنس؟

يأتي الجدل المثار بشأن الانتخابات الأمريكية والتدخُّل الروسي بها في وقتٍ يتابع فيه الأمريكيون وجهتي نظر على طرفي النقيض، أحدهما يتبنَّاها أوباما، الرئيس الذي أوشكت ولايته على الانتهاء، والأخرى يتبنَّاها رئيسهم المنتخب الجديد، دونالد ترامب.

في حديثه الأخير قبل مغادرة البيت الأبيض، يهاجم أوباما، بعبارات ربَّما لم يستخدمها طوال فترتي رئاسته، بوتين، مشيرًا إلى الفرق بين أمريكا وروسيا «هم أصغر وأضعف (من الولايات المتحدة)، اقتصادهم لا ينتج شيئًا يريد الآخرون اقتناءه سوى النفط والغاز والأسلحة، ولا يتطور». وهو موقف واضح تتبنَّاه الإدارة الأمريكية بشأن السياسة التي ينتهجها بوتين، سواء في الداخل الروسي، أو في صراعاته الإقليمية أو العالمية.

كما أعرب أوباما عن اندهاشه؛ لأن بعض أنصار الحزب الجمهوري يوافقون على تدخل بوتين، قائلًا «إن رونالد ريجان يتقلب في قبره».

ولا يبدو أن دونالد ترامب يكترث لرونالد ريجان أو قبره.

يُوصف ترامب في الصحافة الأمريكية بأنَّه «صديق بوتين» وطالما تحدَّث الرئيس المنتخب الجديد بإعجاب عن رجل روسيا القوي.

لكن حدود علاقة الاثنين لا تتوقَّف عند الإعجاب المتبادل، أو حتى المصالح التي تربط أعمال دونالد ترامب التجارية بروسيا، كما يقول الكاتب الأمريكي البارز «فريد زكريا» في مقاله لصحيفة «واشنطن بوست».

يثير زكريا سؤالًا ربَّما هو الأهم في الفترة المقبلة، بعد أن يتولَّى ترامب الرئاسة رسميًا.

يقول: الصين ليس لديها اعتراض على النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، وتحوَّلت سياستها الخارجية في العقدين الماضيين إلى سياسة معتدلة غير صدامية، لكن بوتين، على الجانب الآخر، يقول: إن سقوط الاتحاد السوفيتي هو  «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين»، ويسعى كلما أتيحت له فرصة إلى الانقلاب على النظام العالمي الذي تُقرُّه الولايات المتحدة، ومنازعتها النفوذ في الصراعات الدولية أو الإقليمية؛ فلماذا قد يريد رئيس أمريكي مساعدة بوتين في ذلك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد