تساءل «برونو ما تشيس»، وهو باحث غير مقيم في معهد كارنيجي، عما إذا كانت التحركات التركية الأخيرة نحو إعادة علاقاتها مع روسيا قد استفزت العناصر التي قامت بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا مؤخرًا.

جاء ذلك في تقرير نشرنه مجلة «ذا ناشيونال انترست» الأمريكية للباحث البرتغالي، والذي جاء تحت عنوان: هل استفزت تحركات تركيا نحو روسيا الانقلابيين؟

وقال التقرير إنه رغم مرور ما يقرب من شهر على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، لا تزال هناك حالة من الغموض. من كان وراء هذه المحاولة ولماذا حدثت؟

وأضاف أن الدليل الوحيد الثابت لنوايا الانقلابيين هو بالطبع بيان أذاعه التلفزيون في ليلة الانقلاب، ولكن البيان كان قد وضع بعناية لإخفاء أصوله ونواياه. بيان ناشد القيم المؤسسة للجمهورية التركية، التي يتم تقاسمها اسميًا من قبل الجميع.

اتهامات لغولن

ثم جاءت نظرية رسمية من الرئيس أردوغان: اللوم ينبغي أن يوجه بشكل مباشر إلى حركة غولن، التي تدار مباشرة من ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة من قبل رجل دين يعيش في عزلة، وكان أردوغان نفسه على مقربة منه.

التقرير أشار إلى أن غولن يقود علنًا شبكة واسعة من المدارس والجمعيات الخيرية، ولكنه اشتهر على نطاق واسع بما لديه من شبكة سرية تسللت عميقًا داخل جهاز الدولة في تركيا. في عام 1999 عرض التلفزيون التركي خطبة مسجلة سرًا حيث قال غولن لأتباعه (وقد شكك في صحة الشريط): «يجب أن تتحركوا في شرايين النظام دون أن يلاحظ أحد وجودكم حتى تصلوا إلى كل مركز قوة».

وتابع التقرير بقوله: «سياسيًا، فإن غولن وطني قوي، يتماشى تقريبًا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجال السياسة الخارجية. وتستند الغولنية كثيرًا على دور التعليم وريادة الأعمال في اقتصاد قائم على السوق. وهي ترى أن القيم الإسلامية والغربية متوافقة بشكل أساسي».

ورأى التقرير أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيعضد هذه العناصر من النظام التركي ويساعد على التنسيق بين الأقسام المختلفة للمنظمة في جميع أنحاء أوروبا. غولن نفسه يأخذ موقفًا حاسمًا متشددًا حيال روسيا وإيران، وأحيانًا كان داعمًا لإسرائيل، يتحدث ضد أولئك الذين اتخذوا نهج المواجهة. وفقا لأيكان إردمير، وهو عضو سابق في البرلمان التركي، فإن غولن «هو بشكل لا لبس فيه مؤيد للاتحاد الأوروبي، والسوق الحرة وبراغماتي حيال إسرائيل».

في وقت لاحق وقبل أيام فقط، تعقدت الحبكة أبعد من ذلك عندما قال أردوغان في مقابلة تلفزيونية إن المسؤولية النهائية لا تكمن مع كولن ولكن مع «روح فوقية» تعمل فوقه، كلمة السر المستخدمة في كثير من الأحيان في الماضي للإشارة إلى الغرب. ضخامة الانقلاب على ما يبدو تستلزم وجود كيان قوي ومازح البعض أنه ربما كانت الـ«روح فوقية» هذه هي أردوغان نفسه.

وذكر التقرير أن حالة الغموض ترتبط كثيرًا مع الشعور بأن الانقلاب حدث بالضبط عندما بدا أقل قبولًا. الكاتب أشار إلى أنه ووفق معلوماته، لم يكن هناك أي إشارة على التوتر بين الحكومة والمؤسسة العسكرية.

عمليات تطهير

لمدة عشرين عامًا، قامت القوات المسلحة التركية، في ظل حكومات مختلفة، بطرد مئات الضباط المتهمين بالتعاطف مع غولن. وكثيرًا ما تتكرر هذه العملية، ولكنها كانت دائمًا غير فعالة في معظمها. كان هناك ما يدل على أن الأمور ستتغير بشكل كبير في المستقبل. مدى الانقلاب وقدرته على ألا يتم كشفه، تظهر بوضوح أن شبكة غولن لم تكن تحت أي خطر واضح ومباشر من اجتثاثها من الجيش، بحسب ما ذكره التقرير.

لم يكن أردوغان نفسه أبدًا حريصًا على افتراض أن الجيش يمكن أن يكون مخترقًا من قبل قوات تهدف الى تنحيته. ولكن هذا لا يعني أن الأمور كانت هادئة في كل مكان.

فوفقًا للتقرير، وفي الأشهر والأسابيع التي سبقت الانقلاب، كانت تركيا قد عصفت بها تحولات متعاقبة في توجيه سياستها الخارجية، مما تسبب في الكثير من الألم والانفعالات. وهذا هو السياق الذي ينبغي أن يفسر الانقلاب.

وقال الكاتب إنه وفي زياراته السياسية إلى أنقرة خلال السنوات الثلاث الماضية، فإنه يمكننا أن نرصد ارتفاع مستوى القلق الذي عزاه الكاتب إلى عاملين أساسيين.

أولًا: العلاقات مع بروكسل حيث مقر الاتحاد الأوروبي تزداد سوءًا كل عام، وهو الشيء الذي يمكن أن تخفيه فقط الحاجة المتبادلة لمعالجة أزمة اللاجئين الحادة.

ثانيًا: التعهد الذي تم في وقت مبكر من الحرب الأهلية السورية بإسقاط الأسد كان تحت ضغط لا يطاق. على مدى الأشهر القليلة الماضية، وفي حين تصالحت واشنطن مع فكرة إبقاء الأسد في السلطة، كان من الواضح أن تركيا لن تكون قادرة على البقاء على المسار.

تم استبدال رئيس الوزراء السابق داوود أوغلو لفتح الطريق لتحول كامل في سياسة أنقرة حيال سوريا. ومثل كل تحول في السياسة الخارجية، أتاح هذا التحول أيضًا فرصًا. ومن شأن التقارب مع روسيا أن يتبعه تحول بالتأكيد إذا تمت إزالة العقبات الكبرى للنزاع بينهما الآن.

اعتذار تركي

واستطرد التقرير بقوله إنه وبمجرد أن تقدم أوغلو باستقالته، انتقل أردوغان بسرعة لإصلاح العلاقات مع روسيا.

في نهاية يونيو (حزيران) اعتذر لبوتين عن إسقاط طائرة قاذفة روسية في العام الماضي، وهي الحادثة التي سممت العلاقات بين البلدين. أخذ الاعتذار معظم الناس على حين غرة، وخاصة لأن أردوغان كان يدعي أن تركيا لم تعتزم إسقاط الطائرة. ثم، قبل ثلاثة أيام فقط من الانقلاب، كانت هناك تقارير واسعة الانتشار ان تركيا ستسحب ضباط مخابراتها من حلب. تتابع الأحداث، وبلوغ ذروتها في انقلاب فاشل، كان بالكاد من قبيل المصادفة.

التقرير أوضح أن المسألة الروسية كانت دائمًا مهمة داخل الجيش التركي. فبعض الضباط الكماليين يرون روسيا كشريك في مقاومة الهيمنة العالمية الغربية. ويشيرون إلى بدايات الجمهورية التركية والدعم الذي تلقته من الاتحاد السوفييتي.

منافسة تركية روسية

إن العودة إلى الروح الأصلية الكمالية يعني بالنسبة لهم قطيعة مع الأيديولوجية الغربية ومنعطفًا نحو سياسة اقتصادية اشتراكية مخطط لها، الآن على نموذج الدولة التنموية.

وقال التقرير: «يبدو أن نظام أردوغان قد انتقل بعض المسافة في هذا الاتجاه، وهو الأمر الذي لاقى معارضة شديدة من قبل غولن وأتباعه. البعض في أنقرة يذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وذلك لزيادة مواءمة سياستها الخارجية مع روسيا والصين».

كثيرون آخرون يتذكرون المنافسة القوية بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية ويعتقدون أنه من دون دعم من العواصم الغربية، فإن تركيا ستكون عرضة أيضًا إلى السلطة الروسية.

وأشار التقرير إلى أن البلدان، ولا سيما الكبيرة منها، تتحرك ببطء شديد عند تكييف سياساتها الخارجية مع الظروف الجديدة والتنافس الشديد بين تركيا وروسيا لديه جذور عميقة في المنافسة بينهما للسيطرة على منطقة البلقان والمضيق، فضلًا عن طموحات التركية المقابلة لعالم تركي موحد من البحر الأدرياتيكي إلى الصين.

وذكر أن الاستياء من عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حول العديد من الاشتراكيين القدامى والقوميين والإسلاميين إلى متعاطفين مع إعادة تنظيم عميقة للسياسة الخارجية والأيديولوجية. وكانت تركيا دائمًا عرضة لعرض عملية الانضمام باعتبارها تضحية بجزء كبير من هويتها.

ومن المفارقات التي رصدها التقرير أنه إذا كانت روسيا في الماضي مصدر التأثيرات الغربية داخل الإمبراطورية العثمانية، فهي الآن وكيل مهم لسحب تركيا بعيدًا عن الغرب. بالفعل في عام 2002 أشار الأمين العام لمجلس الأمن القومي، تونجر كيلينج، إلى أن تركيا يجب أن تشكل تحالفًا جديدًا مع روسيا وإيران ضد أوروبا.

إن الإشارات المتزايدة على أن أردوغان كان يفكر في تحالف كبير جديد مع موسكو وطهران، أطلقت صافرات الإنذار.

وهنا تساءل التقرير: هل كان هذا هو السبب المباشر للانقلاب الفاشل؟

وأضاف أن الصحفيين الأتراك ولبضعة أشهر علقوا على أن طائرة سلاح الجو التركي المقاتلة F-16 التي أسقطت الطائرة الروسية كانت وحدة مارقة تعمل خارج سلسلة القيادة. قيل لهم أن يبقوا صامتين، ولكن في ليلة الانقلاب، كانت الأخبار الأولية تشير إلى أن ما يصل إلى ستة طائرات F-16 بدأت تحلق فوق أنقرة على علو منخفض جدًا. في ما يجب أن يكون واحدًا من أهم الحقائق الرائعة عن الانقلاب، نحن نعلم أن واحدًا من الطيارين الذين كانوا على متن الطائرات الستة ليلة الانقلاب كان في الواقع الطيار الذي أسقط الطائرة الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015.

التقرير ذكر أن عددًا من الضباط المتورطين أدركوا أن هذا الانقلاب من شأنه أن يعرض فرص الانضمام التركية إلى الاتحاد الأوروبي إلى الخطر، ولكنهم حتمًا اعتقدوا أن  الفرص كانت ستكون أقل إذا لم يتم القيام بأي محاولة.

هل كان هذا هو الدافع وراء محاولة الانقلاب؟

بحسب التقرير، هناك أسباب قوية للتفكير بذلك. بطريقة ما، قد يكون لدى الرئيس أردوغان الصواب عندما قال إن المحاولة كانت مستوحاة من «روح فوقية». وليس لأوروبا والولايات المتحدة علاقة بها، ولكن فكرة تركيا كجزء من العالم الغربي قد تكون مصدر إلهام لمدبري الانقلاب.

وأخيرًا، أِشار الكاتب إلى تقارير تحدثت حول الدور الروسي المباشر ليلة الانقلاب الفاشل. وكانت وكالة أنباء فارس الإيرانية نقلت عن مصادر دبلوماسية في أنقرة قولها إن منظمة الاستخبارات الوطنية التركية تلقت معلومات مخابراتية من نظيرتها الروسية حذرت من انقلاب وشيك. وقالت المصادر نفسها إن التحول في السياسة الخارجية لأردوغان في الأسابيع التي سبقت الانقلاب قد أنقذته.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد