نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مقالًا للطبيبة النفسية والأستاذة في جامعة ستانفورد آنا ليمبك تتحدث فيه عن صيام الدوبامين، وأثر فرط الانغماس في العالم الرقمي على أدمغتنا وحيواتنا.

Embed from Getty Images

توازن المتعة والألم

تستهلّ الكاتبة مقالها بالحديث عن أحد مرضاها، وهو شاب ذكيّ ورصين في أوائل العشرينات من عمره أتى لعيادتها بسبب حالة القلق والاكتئاب المضنية لديه. عاش هذا الشاب مع والديه وانقطع عن دراسته الجامعية، وكانت فكرة الانتحار تراوده بصورةٍ غامضة في تلك الفترة، كما اعتاد إمضاء معظم وقته يوميًا في ألعاب الفيديو إلى أوقاتٍ متأخرة كل ليلة.

وتقول الكاتبة إن وصف مضادات الاكتئاب كان أول شيء ستبادر لفعله لو أن هذه الحالة أتتها قبل 20 سنة، لكنها اليوم توصي بشيءٍ مختلف تمامًا: صيام الدوبامين. اقترحت الكاتبة على مريضها الامتناع عن جميع الشاشات –بما في ذلك ألعاب الفيديو- لمدة شهرٍ كامل.

وتشرح الكاتبة تبريرها لهذه النقلة النوعية في العلاج: على مدار مسيرتي المهنية في الطب النفسي، رأيت كيف يزداد المرضى الذين يعانون من الاكتئاب والقلق، بمن في ذلك الشباب الأصحاء ممن يمتلكون أسرًا مُحبة وتعليمًا نخبويًا وثراءً نسبيًّا. ليست مشكلتهم في الصدمة أو الاضطراب الاجتماعي أو الفقر، بل في فرط الدوبامين، وهي مادة كيمائية ينتجها الدماغ تقوم بمهمة الناقل العصبي وترتبط بمشاعر المتعة والإثابة.

عندما نفعل شيئًا نستمتع به –مثل ألعاب الفيديو عند الشاب- يطلق الدماغ القليل من الدوبامين ونشعر بالرضا، لكن أحد أهم الاكتشافات في مجال علم الأعصاب في الـ75 عامًا الماضية هو أن المتعة والألم يُعالجَان في نفس الأجزاء من الدماغ، وأن الأخير يحاول جاهدًا الحفاظ عليها في حالةِ توازن. وتشرح الكاتبة أن الدماغ كلما وجد أن الكفة ترجح قليلًا إلى اتجاه ما، يحاول استعادة التوازن بقدر ما أمكن عبر ترجيح الكفة نحو الاتجاه الآخر، وهو ما يدعوه علماء الأعصاب بالاستتباب.

بمجرد أن يُفرز الدوبامين، يتكيف الدماغ معه عن طريق تقليل عدد مستقبلات الدوبامين التي يتم تحفيزها -أو اعتماد عملية التنظيم التقليلي (downregulation)- وهو ما يعني إيصال الدماغ نفسه إلى مرحلة توازن عبر أرجحة الكفة باتجاه الألم، وهو السبب في أن المتعة يتبعها عادةً شعور يشابه الهبوط. وتقول الكاتبة إننا لو استطعنا الانتظار لفترة كافية، سيمر هذا الشعور وتُستعاد التعادلية. لكن هناك ميل طبيعي لمواجهته من خلال العودة إلى مصدر المتعة للحصول على جرعة أخرى.

Embed from Getty Images

إذا استمررنا بهذا النمط لساعات يوميًا، على مدار أسابيع أو أشهر، تتغير نقطة ضبط المتعة في الدماغ. ونصبح بعدها بحاجةٍ للعب المستمر، ليس من أجل المتعة بل كي نشعر أنا طبيعيون فحسب. وبمجرد أن نتوقف، نبدأ باختبار بالأعراض الشائعة للانسحاب من أيّ مادةٍ مسببة للإدمان: القلق، والتهيج، والأرق، والتقلقل والانشغال الذهني بالتعاطي، أو بصيغة أخرى «التحرّق» و«التوق الشديد» للعودة للمادة المُدمَن عليها.

مُخدّراتنا الرقمية

طوّرت أدمغتنا هذا التوازن الدقيق على مرّ ملايين السنين حين كانت الملذات نادرة والمخاطر حاضرة على الدوام. تقول الكاتبة إن مشكلتنا اليوم في أنا لم نعد نعيش في ذلك العالم، بل على العكس، نحن نعيش الآن في عالم الوفرة الجارفة. لم يمر زمن من قبل به مثل هذه الكميات والتنوع والقدرة للـ«عقاقير» والسلوكيات المعززة، فبالإضافة إلى المواد المسببة للإدمان مثل السكر والأفيونيات، هنالك أيضًا فئة جديدة بالكامل من مسببات الإدمان الإلكترونية التي لم توجد حتى قبل 20 عامًا، مثل الرسائل النصية والتغريد وتصفح الإنترنت والمقامرة والتسوق الإلكترونيين. صُمّمت هذه المنتجات الرقمية على نحوٍ خاص لتُسبب الإدمان، وذلك باستخدام الأضواء الوامضة والأصوات الاحتفالية و«الإعجابات» الواعدة دائمًا بمكافآتٍ أكثر فأكثر لا يصدّك عنها إلا ضغطةِ زر.

لكن، وبالرغم من سهولة الوصول لكل هذه العقاقير المحفزة للمشاعر الجيدة، فإننا نشعر بالبؤس أكثر من أيّ وقت مضى. تتزايد معدلات الاكتئاب والقلق والألم الجسدي والانتحار في جميع أنحاء العالم، وخاصة في الدول الغنية. وتحيل الكاتبة إلى تقرير السعادة العالمي الصادر عام 2018، حين أبلغ الأمريكيون عن مستويات سعادة أقل من عام 2008. كما شهدت البلدان الغنية الأخرى انخفاضًا مماثلًا في درجات السعادة المبلغ عنها ذاتيًا، بما في ذلك بلجيكا وكندا والدنمارك وفرنسا واليابان ونيوزيلندا وإيطاليا. وجدت دراسة العبء العالمي للمرض أيضًا أن عدد حالات الاكتئاب الجديدة في جميع أنحاء العالم زاد بنسبة 50% بين عامي 1990 و2017، مع تسجيل الزيادات الأعلى في المناطق الأعلى دخلًا، وخاصة أمريكا الشمالية.

استعادة التحكم

من الصعب رؤية موضع السببية عندما نلاحق الدوبامين. وعادةً لا ندرك التأثير الحقيقي لاستهلاك أمر ما في حياتنا –المادة المدمنة التي اخترناها- إلا بعد نأخذ عطلة منه. ولذلك، تقول الكاتبة إنها طلبت من مريضها التخلّي عن ألعاب الفيديو لمدة شهر، وهو وقت كاف للسماح لدماغه بإعادة ضبط توازن الدوبامين.

Embed from Getty Images

بالطبع ليس التخلّي عن المادة المسببة للإدمان بالأمر السهل، لكن الدافع مرتكز على المبدأ المخالف للحدس القائل بأن الامتناع عن الشيء المحفّز للرضا على المدى القصير قد يجعله يشعر بتحسن أفضل على المدى الطويل.

وتتحدث الكاتبة عن نتيجة هذه التجربة، فقد أُصيب الشاب بالدهشة عندما بدأ بالشعور أنه أفضل مما كان عليه منذ سنوات، بقلقٍ أقل واكتئابٍ أخفض. حتى أنه تمكن من العودة إلى ألعاب الفيديو دون آثار سلبية، من خلال تقييد وقت لعبه بحزم، وذلك عبر اللعب لمدة ساعتين في اليوم بما لا يزيد عن يومين في الأسبوع. سمحت هذه الطريقة بترك وقتٍ كاف بين مرات اللعب لاستعادة توازن الدوبامين في الدماغ.

وتنوّه الكاتبة أيضًا أن الشاب تجنّب الألعاب شديدة الجاذبية بالنسبة له، والتي وجد نفسه ينجرّ للعبها دون توقف بمجرد البدء بها. كما خصّص حاسوبًا للعب وآخر للجامعة بغية فصل حالة اللعب عن النشاط التعليمي بصورةٍ فيزيائية. وأخيرًا، التزم الشاب باللعب مع أصدقائه فقط، بعيدًا عن الغرباء في الإنترنت، وبالتالي ساعدت الألعاب بتعزيز علاقاته الاجتماعية المباشرة. فالاتصال البشري بحدّ ذاته مصدر دوبامين فعال وتكيّفي.

صحة

منذ 3 سنوات
مترجم: مع انتشار القلق الرقمي.. كيف يمكنك التخلص من إدمان الإنترنت؟

لا ينخرط الجميع بألعاب الفيديو، لكن أغلبنا لديه عقاره الرقمي المفضل، وقد يتمثل ذلك باستخدام الهاتف الذكي –الذي تشبهه الكاتبة بالحقنة تحت الجلد للجيل البشري المتصّل بالأجهزة على الدوام-.

تذكّر الكاتبة في الأخير بأن التخفيض من استخدام الهاتف سيكون صعبًا في البداية، لأنه يتسبب بالمراحل الأولى بإمالة توازن الألم-المتعة في الدماغ نحو الألم، ما يجعلنا نشعر بالنزق والانزعاج. لكن الصمود لفترة كافية والبقاء على حالة الامتناع ستتسبب بإعادة التوازن الصحي للدوبامين وتظهر النتائج التي تمحو ما سبقها من تعب. ستصبح أدمغتنا أقل انهماكًا بالعقار الإدماني، وسنغدو أكثر تمكّنًا من الوجود في الحاضر، وتعود قدرتنا للاستمتاع بمباهج الحياة الصغيرة وغير المتوقعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد