كانت الثورة الصناعية منذ 200 سنة سبب ميلاد طرق التصنيع الجديدة. تحولت المنتجات المصنوعة يدويًا إلى الإنتاج الآلي الضخم وتم استبدال العمل اليدوي بالآلات. تاريخيًا، بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا حتى وصلت إلى الصين، لتتحول البلاد إلى عملاق تصنيع.

 

بالنسبة للشركات التي تنتج سلعًا مادية، فالتصنيع إلى حد كبير هو الطريقة الوحيدة لتوسيع نطاق العمل. بشكل عام يمكن للآلات الأكثر ذكاء الإنتاج دون توقف مع عدد أقل من المشغلين لمراقبتها واستمرار تشغيلها.

لكن التصنيع بوصفه عملية لتوسيع نطاق الشركات بلغ نهايته القصوى. الآلات تتطلب المواد الخام والطاقة لاستمرار الإنتاج. هذان المصدران أصبحا عقبة أساسية: الموارد الطبيعية ليست متوفرة للأبد وأسعار الطاقة مرتفعة للغاية.

 

لكن ظهر جيل جديد من الشركات مع نماذج أعمال تؤدي إلى الانتشار بأرقام قياسية جديدة. ماهو المشترك بين Spotify و Square و Pay-pal و Facebook و Pintrest؟ جميعها تخدم ملايين المستخدمين بفريق صغير جدًا من الموظفين.

 

بدون تكرار مناقشة منتهية من الأساس عن إذا كانت الشركة مجرد شركة ناشئة أم لا دعونا نتمسك بالتعريف الآتي: الشركات الناشئة تخلق وتسوق منتجاتها الشخصية إلى أبعاد عالمية دون الاعتماد على رأس المال البشري.

 

بعبارة أخرى، يمكن لفريق صغير غزو العالم. فكر بـ Snapchat أو Instagram فهي تخدم 30 مليون مستخدم بـ 30 و 11 موظفًا بالترتيب.

 

شركة Skype لديها 1600 موظف فقط لإدارة 40% من مكالمات العالم الدولية بينما شركات الاتصالات الوطنية توظف عشرات الآلاف الذين لا يمكنهم سوى تغطية جزء بسيط من حجم مكالمات skype. ومما يزيد الطين بلة، أن شركات الاتصالات تتحمل التكلفة الباهظة للبنية التحتية وتعطي Skype الفرصة الذهبية لاستغلالها مجانًا.

بعبارة أخرى Skype استغل أصول شركة أخرى كملعب حر. في هذه الحالة الشركة تملك الأصول.

 

شركة Airbnb تزيد قيمتها عن قيمة  Accor و Hyatt وسلسلة فنادق Intercontinental مجتمعين، كما تبلغ قيمتها حاليًا نصف  قيمة Hilton البالغ عمرها 100 عام. Airbnb عدد موظفيها 600 فقط ويوفرون نصف مليون غرفة للسوق دون وضع سنت واحد للاستثمار في العقارات. بينما مجموعة Hilton من ناحية أخرى تحتاج إلى أكثر من 300 ألف موظف لتوفير 680 ألف غرفة وجني ثروة في مجال الاستثمارات العقارية.

هنا  Airbnb استخدمت أصول شخص آخر كملعب حر، في هذه الحالة المستهلك هو من يمتلك الأصول.

 

ثمة تباين هائل مماثل بين حجم الفريق “الصغير جدًا” وتأثير السوق “العملاق” في نماذج الأعمال لشركات مثل Uber و Twitter و Netflix و Kickstarter و  Eventbrite و Dropbox و Evernote و BlaBlaCar  و booking.com وأمثلة أخرى لا حصر لها.

 

هذه الشركات المنشأة على الإنترنت لديها القابلية للتوسع بطبيعتها. إنها لا تنفق أموالًا في فتح المصانع، هي فقط موجودة على الكمبيوتر المحمول الخاص بهم. إنها لا تحتاج إلى الموارد الطبيعية الثمينة ولكن تحتاج إلى الإبداع والابتكار. في حين تعاني التجارة وشركات التصنيع من مراقبة المخزون والجرد، فإن تلك الشركات الناشئة ليس لديها أي بضائع مخزنة، فقط إنتاج يباع في وقته كاملًا.

 

الشركات الناشئة غير مقيدة بلوجستيات مكلفة ونقل السلع أو حتى قنوات التوزيع لتبدأ العمل.

المنتج هو الموزع! بينما يؤثر الحجم في أي نموذج أعمال آخر، فإن الشركات الناشئة تحقق الانتشار دون سقف محدد للنمو.

 

أيضا تحل الشركات الناشئة معضلة شركات الخدمات: البشر محدودو القدرة والإنتاج. حتى أفضل رجل مبيعات يعمل بحد أقصى معين من الساعات في الأسبوع، تمامًا كمتجر بيع بالتجزئة فهو يكون مغلقًا مدة أكبر من فتح أبوابه. قارن ذلك مع المثيل الرقمي: صفحة الإنترنت أو الموقع يعملان لمدة 24 ساعة طوال 7 أيام الأسبوع لمدة 365 يومًا؛ وتكلف قدرًا بسيطًا من المال بالمقارنة لنظيراتها؛ يمكنها التحدث والتواصل بلغات مختلفة مما يؤدي إلى التواصل مع عملاء في جميع أنحاء العالم في نفس الوقت. بعبارة أخرى قابلة للانتشار بشكل مفرط.

 

ولكن كيف يمكنك أن تنمو بشكل ضخم وتنتشر بشكل مفرط؟ ما هو نموذج الأعمال وراء ذلك؟ الإجابة تحتاج إلى فهم قواعد العالم الرقمي لتستخدمها كمحفز أو مسرع بكفاءة. بشكل أكثر تحديدًا، من خلال جمع نقاط القوة في الآلات (الدقة والحجم) مع نقاط القوة في العامل البشري (الإبداع والرؤية) واستخدامها معًا لزيادة النمو والابتكار.

 

في رأيي ثمة ثلاثة ركائز أساسية لإنشاء نموذج أعمال هائل النمو ومفرط الانتشار:

 

1- الارتكاز على أسس غير مادية

فكر بالموسيقى والكتب والأفلام والصور وبراءات الاختراع والخوارزميات (البرامج) والبيانات في العالم الرقمي، تكلفة إعادة استنساخ الأصول الموجودة صفر تقريبًا وتظل كفاءتها 100%. إذا كانت الأًصول ملموسة بدلًا من وجودها رقميًا ينبغي أن تكون غير مملوكة تمامًا كما فعل Skype و Airbnb و Uber كما ذكرنا من قبل.

 

2- توافر معلومات تكنولوجية لاعتبارها وسيلة تحفيز ومساعدة للانتشار

في العصور الوسطى، كانت الموسيقى غير منتشرة فكان يُدفع للشاعر أو الموسيقي المتجول في الأسواق والقلاع. ولكن بعد اختراع الفونوجراف باعتباره أداة لنقل الصوت في 1877 بواسطة توماس إديسون، انتشرت الموسيقى. أصبح تسجيلها وتوزيعها والاستمتاع بها ممكنًا دون الحاجة إلى مؤدٍّ، لذلك زالت عوائق كالزمان والمكان بشكل فعال وكفء.  ليس هذا بغريب على التكنولوجيا الحديثة، رأينا ظهور أنواع حيوية من الموسيقى: كالروك. مغني الروك في الواقع فنان سريع الانتشار.

3- استخدام الإنترنت كقناة توزيع

لعل أكبر نقلة في تاريخ البشرية هي اختراع العجلة. ولكن قيمتها تتناسب مع الطريق. قبل 20 عام كان الإنترنت جوهريًا كتقنية نقل وتوزيع معلومات، لكنه وضع بذور نوع جديد من التطوير. تكنولوجيا المعلومات للإنترنت بمثابة العجل للطرق، تضاعف من قدراته للغاية. من خلال الإنترنت، يمكننا الوصول لـ 40% من سكان العالم في كل ركن من أركان العالم، بتكلفة صفر. لحظة ظهورنا على الإنترنت نصل للعالمية. العالمية هي الوضع الافتراضي في عالم تتحسن فيه نطاقات الترددات وتتزايد أجهزة الاتصال الرخيصة. خدمة العملاء رقميًا على الجانب الآخر من الكوكب أصبحت سهلة وكأن العميل بجوارك تمامًا.

في حالة الموسيقى كان الدمج بين امتداد MP3 والتوزيع المجاني عبر الإنترنت مزيجًا قاتلًا. اسألوا ما تبقى من صناعة الموسيقى القديمة التي تم تدميرها بواسطة التكنولوجيا المتمثلة في Youtube، Spotify ، Apple.

قنوات التوزيع المجانية أصبحت تنقل تمركزها على التسويق لا البيع. المبيعات كلها رقمية، صفحة الإنترنت هي رجل المبيعات الجديد والتسويق يقوم بالبيع على نطاق واسع.

بالجمع بين مثلث الانتشار المفرط (أنشئ، كرر، توسع) واعتباره محفزًا لنموذج الأعمال هذا، يمكن للشركات تحقيق انتشار واسع. هذه العوامل هي ما تصنع الأبطال الرقميين الجدد. وإلا كيف من خلال تطبيق هذا المزيج أصبحت شركة Whatsapp بـ30 مهندس فقط تحمل ثقل 7.2 ترليون رسالة خلال العام؟ وهو العدد الذي لا يقل بكثير عن العدد الكلي للرسائل النصية في العالم أجمع، 7.5 تريليون رسالة.

تصبح الشركات فائقة الانتشار حين تقدم خدمة بتكلفة أقرب للصفر، تصل في الوقت نفسه لملايين المستخدمين مع فريق صغير غير متجانس، بعبارة أخرى لا يستند نموذج الأعمال على العوامل الاقتصادية التقليدية: الأرض والعمل ورأس المال. ثمة سبب منطقي إذًا ليقول خبير اقتصادي عن التكنولوجيا أنها “الوجبة المجانية الوحيدة”.

هل الانتشار المفرط مماثل لإحداث ثورة تخلق سوقًا جديدًا؟ لا، ليس كذلك. “تسلا” أحدث ثورة لكنه لم يكن فائق الانتشار، أيضًا فكرة صحف المترو ليست فائقة الانتشار، بالرغم من كونها نموذجًا لفكرة عمل مبتكرة تستهدف فئة بعينها.

الشركات الناشئة والتي تريد أن تحدث ثورة تطرح السؤال الخطأ. الأمر نفسه ينطبق على الشركات التي تريد “إستراتجية رقمية”. “ماذا ستكون إستراتجيتي الرقمية؟” هو السؤال الخطأ الذي سيجعل الشركة تركز على الإجابة الخطأ، فالتكنولوجيا تتغير باستمرار. السؤال الحقيقي هو كيف أحقق انتشارًا فائقًا؟ والجواب سيؤدي حتمًا إلى ابتكار وثورة، وإستراتيجية “رقمية”.

نحن في الفترة التي يسميها آندرسون هورويتنز، “مرحلة انتشار الإنترنت”. لم يكن هناك وقت أفضل لبناء منتجات وخدمات رقمية مبتكرة بالحد الأدنى من الاستثمارات. السماء لم تعد هي الحد الأقصى. القدرة على الإبداع زادت أضعافًا مضاعفة وكل شيء تقريبًا يتسارع لخلق عالم من الفرص. عالم يقضي فيه الوصول السريع على حقوق الملكية.

لا يمكن تحقيق الانتشار المفرط إلا من خلال شركات ليست مرتبطة بالمكان. بينما الموارد الطبيعية محدودة فإن الإبداع والابتكار ليس لهما حدود. العمالة قد تكون مكلفة، لكن الانتشار المفرط لا يحتاج إلا عددًا قليلًا من الموهوبين والاستفادة من التكنولوجيا. نختم هذا المقال بالكلمات المناسبة لأوليفر ساموير: “لقد أعطاك الله الإنترنت”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد