كتب جاكوب باراكيلاس، محلل شؤون السياسة الخارجية الأمريكية والأمن الدولي، مقالًا نشرته مجلة «ذا دبلومات» الأمريكية سلَّط فيه الضوء على التغييرات التي يمكن أن تطرأ على الحروب وتكتيكاتها بعد إنشاء فرع رقمي في الجيوش العسكرية.

أول إدارة رقمية في الجيوش العسكرية

في مستهل مقاله، يشير الكاتب إلى ما أعلنه الجنرال جاي ريموند، قائد قوة الفضاء الأمريكية، أن أحدث فرع عسكري أمريكي في طريقه لأن يُصبح أول قوة عسكرية رقمية بالكامل في العالم.

تكنولوجيا

منذ أسبوع
مترجم: هل ستكون «الروبوتات القاتلة» نواة الحرب العالمية الثالثة؟

ويوضح الكاتب أنه بدلًا من تدريب الجنود على القتال في ساحات حرب افتراضية تمامًا، فإن ما أشار إليه ريموند، وسبق ذكره في بيان رؤية قوة الفضاء الأمريكية، كان أكثر واقعية مؤكدًا ضرورة أن تكون القوة الجديدة مترابطة ومبتكرة. وبعبارة أخرى، فإن الطموح الحقيقي هو العمل على أن تكون هناك قوة عسكرية تعمل ضمن الأطر التي كونتها الحالة الراهنة للتكنولوجيا الرقمية بدلًا من تبنيها تدريجيًّا.

وتتلخص المهمة الخاصة للقوة الفضائية بالطبع في التواصل؛ إذ يُتوقع من أفراد القوة الفضائية تشغيل منصات الأقمار الصناعية والاستطلاع عن بُعد، بدلًا من قيادة مقاتلات الفضاء أو الصعود على إحدى المركبات الفضائية المعادية. (بالنسبة للمستقبل القريب على الأقل). ويتناقض هذا الأمر تناقضًا صارخًا مع قوات مشاة البحرية، على سبيل المثال، التي لا يزال يُتوقع منها أن تمارس عملها في عالم من الوحل والدم الحقيقيين تمامًا.

هل تقتدي الحرب بالسياسة في المجال الرقمي؟

ويُنوه الكاتب إلى أن هذا التناقض قد يجعل من «الفرع العسكري الرقمي» خاصية أساسية أكثر من كونه هدفًا طموحًا. لكن الفكرة تطرح سؤالًا عميقًا بشأن ما تعنيه القوة العسكرية في عالم أصبح غير مادي على نحو متزايد. وفي نهاية المطاف، وكما يعلم أي دارس للتاريخ العسكري، فإن الحرب ليست سوى سياسة ولكن بوسائل مختلفة. وتُمَارَس السياسة اليوم، ناهيك عن التجارة وغيرها من مكونات النشاطات البشرية تقريبًا، في العالم الرقمي على نحو متزايد. فلماذا لا تحذو الحرب حذو السياسة؟

وتعتمد الإجابة عن هذا السؤال بعض الشيء على مدى مركزية العنف الجسدي ضد البشر في مفهوم الحرب. وتشترك الحرب في الفضاء وفي الفضاء الإلكتروني في أن البشر ليسوا في مرمى النيران بصورة مباشرة. وعلى المنوال ذاته، يُمكن شن حرب في الفضاء بالكامل باستخدام أنظمة تحكم عن بعد، وربما تكون أهدافها جمادات بحتة. والأكثر من ذلك، أنه نظرًا إلى الاعتماد الكامل للأنظمة الفضائية على صلاتها بالأرض، فقد تكون الأسلحة نفسها رقمية.

Embed from Getty Images

ويخلص الكاتب إلى أنه بناء على هذا المنطق، يُعد أي «فرع رقمي مسلح» مجرد امتداد لاحق لمسار قائم وطويل الأمد تسمح فيه الطائرات للجنود بأن تمطر أهدافًا بعيدة بالردى والعودة إلى أرض الوطن، وتتيح صواريخ كروز والصواريخ الباليستية لمشغلها بالابتعاد عن آفاق الرؤية؛ وتسمح الطائرات المسلحة من دون طيار لمشغلها الجالس في حاوية شحن في الجهة الأخرى من العالم أن يراقب هدفه لساعات أو لأيام قبل أن يُقرر إنهاء حياته أو لا. ويبدو أن تقدم التكنولوجيا يتيح لنا سحب بعض المحاربين على الأقل بعيدًا عن الحروب، أو حتى تجريد الحرب نفسها من مفهومها.

هل يتضرر المدنيون من الحرب في الفضاء؟

يستدرك الكاتب قائلًا: بيد أن هذا لا يعني أن الحرب، التي تُحصر بالكامل في الفضاء أو في المجال الرقمي، لن تلحق أي ضرر بالمدنيين. فقد يُسفر أي عطل في الاتصالات المدنية أو البنية التحتية لشبكة الاتصال، سواء بسبب تدمير مادي للأقمار الصناعية أو تنفيذ هجمات ناجحة على شبكات الاتصال، عن تأثيرات متوالية سريعة جدًّا من خلال سلاسل التوريد التي يزداد تعقيدها وهشاشتها شيئًا فشيئًا.

وشاهدنا خلال الأشهر الثمانية عشرة الماضية نموذجًا تلو الآخر حول مدى تنوع هذه التأثيرات واتساعها، حتى في الوقت الذي يكون من مصلحة جميع الأطراف استعادة الخدمة المنتظمة في أسرع وقت ممكن. ومن الصعب تخيل إصلاح أي عطل متعمد سريعًا أو بسهولة.

وعلاوة على ذلك، لن تكون الحرب المحصورة في الفضاء أو العالم الرقمي في مأمن من احتمالية حدوث تصعيد أكبر من أي شكل آخر من أشكال القتال. وبالتزامن مع المجهود المضني الذي تبذله الدول بالفعل من أجل تحديد كيفية الرد بدقة على أي هجوم رقمي أو فضائي يسبب لها الضرر إلى حد كبير، يبقى الباب مفتوحًا أمام احتمال حدوث تصعيد لا يمكن احتواؤه. ولا ينبغي أن يتصور أي شخص أن الحرب التي تبدأ في الفضاء أو في الفضاء الإلكتروني ستبقى هناك. ولا توجد مساحة آمنة يمكن فيها دفع المصلحة الوطنية ضد إرادة الآخرين من دون عواقب غير مقصودة.

Embed from Getty Images

واختتم الكاتب مقاله بالقول إنه على الرغم من كل ذلك، شهدنا في الأسابيع القليلة الماضية تدهور تحالف تكنولوجي فريد من بعض الدول الغربية في مواجهة مليشيا أصولية كانت أضعف عسكريًّا في جميع النواحي المؤثرة، مع القليل من الابتكارات التكنولوجية والتكتيكية، باستثناء ما يتعلق بقدرتها على البقاء ومعرفتها المحلية، والتي أثبتت في هذه الحالة أنها حاسمة.

وقد يكون من الضروري بالفعل للجيوش أن تصبح «رقمية طبيعية» ولديها التجهيزات والمعدات اللازمة لخوض أي منافسة في كل ساحات القتال، سواء كانت مادية أو مأهولة بالسكان أو غير ذلك. لكن يجب علينا ألا نخطئ في ذلك من أجل إجراء تغييرات أو الالتفاف على المبادئ الأساسية للحرب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد