كتب نعوم كوهين مقالًا في مجلة «وايرد» عن الفضائح التي أثيرت بشأن الراحل جيفري إبستين، وتمويله أنشطة مختبر الوسائط في معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا (MMedia Lab)»، وهو مؤسسة علمية كانت يومًا ما من أكبر المؤسسات العلمية في الولايات المتحدة والعالم، وتأثير المال والسلطة على المؤسسات العريقة، والدروس المستفادة من كل ما حدث في هذا الصدد.  

ويقول الكاتب في مستهل مقاله: إن «الكشف عن أن مختبر الوسائط التابع لمعهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا سعى بقوة إلى الحصول على الدعم المالي من جيفري إبستين، المدان بارتكاب جرائم جنسية، وحاول الحفاظ على سرية تبرعاته، ترك المختبر الذي يطلق عليه اسم «مصنع المستقبل»، الذي كان مرموقًا ذات يوم، في حالة من الفوضى. وأُجبر جويشي إيتو مدير المختبر منذ 2011، والكاتب السابق بمجلة «وايرد»، على الاستقالة في سبتمبر (أيلول) ولم تعين الجامعة مديرًا ليحل محله بعد».  

الجامعة تعلق العمل في المشروع

وفي حين كانت تتصدر استقالة إيتو عناوين الصحف، ظهرت أسئلة جدية تتعلق بالبحث في مشروع بارز داخل المختبر، وهو مبادرة الزراعة المفتوحة، المعروفة اختصارًا باسم (OpenAg)، لفترة قصيرة. 

وأضاف الكاتب: «أورد عدد من المقالات الإخبارية (من بينها مقال كتبته لصحيفة «نيويورك تايمز») أن أداة البحث المحورية الخاصة بمبادرة الزراعة المفتوحة – وهو «جهاز كمبيوتر غذائي» يستخدم لزراعة النباتات في ظل ظروف دقيقة – لم تنجح أبدًا». 

وقال أعضاء الفريق إنهم طُلب منهم وضع نباتات جرى شراؤها من المتاجر داخل الصناديق قبل العرض أو التقاط الصور الفوتوغرافية، للتستر على حالات الفشل. في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، علق معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا العمل في المشروع.

Embed from Getty Images

العلاقة بين الفضيحتين واضحة

تزامن هذه الأزمات، أشار إلى أن مختبر الوسائط فقد، بشكل عام، بوصلته الأخلاقية في خضم سعيه وراء المال والتملق العام، وتحت الضغط من أجل إنتاج أفكار جديدة تشكل الحضارة. غير أن تقريرًا استقصائيًا صدر يوم الجمعة الماضي عن معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا، يوثق علاقاته مع إبستين، يكشف أن العلاقة بين الفضيحتين كانت جلية.  

وفقًا للتقرير كانت آخر زيارة مسجلة لإبستين إلى حرم مختبر الوسائط، في أبريل (نيسان) 2017، عندما التقى مع إيتو، وأستاذ الهندسة البيولوجية إد بودين، وكاليب هاربر عالم الأبحاث الرئيس في مشروع الزراعة المفتوحة. 

وكان موضوع النقاش وقتها عبارة عن تبرع محتمل بقيمة 1.5 مليون دولار من إبستين «لدعم الأبحاث التي أجراها كاليب هاربر حول ما إذا كانت النباتات تفكر وتتواصل». وهو موضوع بحث يقدح زناد العقل، على وجه اليقين، ولكنه بعيد عن تخصص هاربر، وهو مهندس معماري لم يتلقّ أي تدريب علمي.

تحقيق شركة جودوين بروكتر

يقول التقرير، الذي كتبته وحققت في مواده شركة المحاماة جودوين بروكتر: «إن إيتو وهاربر تذكرا أنه كان من المفترض أن يكون هناك اجتماع آخر مع إبستين في أكتوبر 2018، لكنه أُلغي؛ لأنه لم يتمكن من الحضور. ولم يتبرع إبستين بالمبلغ أبدًا، وانتحر في زنزانته في مانهاتن في أغسطس (آب) التالي، بينما كان ينتظر المحاكمة باتهامات فيدرالية بالاتجار في الجنس».

وفقًا للتقرير، فإن قرار إيتو بتوجيه انتباه إبستين إلى مشروع الزراعة المفتوحة كان جزءًا من ضغوط قوية لتحويل تبرعات إبستين المتواضعة نسبيا لمختبر الوسائط إلى شيء أكبر. 

واعتبارًا من عام 2013، وهو العام الذي التقى فيه إيتو مع إبستين في أحد مؤتمرات التكنولوجيا والترفيه والتصميم TED، حتى عام 2017، قدم إبستين ست هبات منفصلة إلى مختبر الوسائط بمبلغ إجمالي قدره 525 ألف دولار. ويؤكد التقرير أن هذه التبرعات جاءت بعد وقت طويل من اعتراف إبستين بالذنب في عام 2008 بإغواء القاصرات لممارسة الجنس.   

ويدرج التقرير عددًا من المقترحات المقدمة من إيتو لاستخلاص شيكات من سبعة أرقام من إبستين: مركز لدراسة «التصميم الخادع» في البيولوجيا التطورية، وهو أحد اهتمامات إبستين، وكرسي مُهدى تكريمًا لرائد الذكاء الاصطناعي مارفن مينسكي، الذي دعم إبستين أبحاثه بمنحة قدرها 100 ألف دولار في عام 2002، وخطة تبلغ قيمتها 12 مليون دولار لإنشاء برنامج زمالة في «العلوم غير المتخصصة (antidisciplinary science)»، وأخيرًا تبرع بمبلغ 1.5 مليون دولار لأبحاث هاربر.

عندما كان إيتو يروّج للزراعة المفتوحة، سمع شكاوى من أعضاء المختبر حول أوجه القصور في البحث هناك. لماذا جعل من هذا أولوية في التودد لإبستين؟ لا يقدم التقرير إجابة، لكن المقاتل يخلص إلى أنه من الإنصاف القول: إنه لم يكن مبنيًا على الأبحاث التي من المرجح أن تفيد العلم أو المجتمع.

معهد «ماساتشوستس» – أمريكا

المأزق الأخلاقي ومبرراته

هنا تكمن الصعوبة في محاولة فهم قصة مختبر الوسائط مع إبستين، ويجادل بعض المدافعين عن إيتو ومعهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا، كما يقول التقرير في المقدمة، «بأن المجتمع سيكون أفضل حالًا إذا استُخدِمت أموال من مصادر «سيئة» في استخدامات جيدة». نعم، يمكن للفلاسفة الأخلاقيين بالتأكيد حشد الحجج الرائعة حول ما إذا كان الشخص الذي يحتاج إلى جراحة تنقذ حياته يجب أن يقبل هدية من إبستين، حتى لو فعل إبستين ذلك ليتسنى له التباهي بها في الأخبار.

ولكن – كما يوضح التقرير – لم تكن هدايا إبستين المقدمة إلى مختبر الوسائط تندرج تحت هذه الفئة. بل كانت المنحة البالغة 100 ألف دولار «تقديرية»، بمعنى أن إيتو كان مخولًا بوضع المال في أي مكان يريد. وأنفق الباقي في دعم اثنين من الباحثين: أحدهما قدمه إبستين إلى إيتو، والآخر قدمه إيتو إلى إبستين. 

ولو كانت تبرعات إبستين وصلت إلى الملايين، لكانت خضعت مرة أخرى في توجيهها لحكم إيتو المشكوك فيه حول ما يرقى إلى مرتبة العلم الذي يستحق التمويل. وكان العمل المشكوك فيه المتعلق بمبادرة الزراعة المفتوحة OpenAg سيصبح مستفيدًا رئيسًا.

لم يكن هذا يتعلق فقط بالعلم. ففي حاشية أخرى، يقول التقرير: إن إيتو أقنع إبستين بوضع مليون دولار في صندوق استثمار خاص يديره، و250 ألف دولار في شركة «شُكلت لتسويق التكنولوجيا المطورة في معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا». (يقول إيتو إن الأموال الآن في حساب إيداع وفقًا للتقرير). 

وفي يناير (كانون الثاني) 2018 – وفقًا للتقرير ذاته – «سأل إيتو أيضًا إبستين عما إذا كان يمكن أن يستثمر ما يتراوح بين 5 ملايين دولار إلى 15 مليون دولار في صندوق آخر غير تابع لمعهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا كان إيتو يحاول تأسيسه، لكن إبستين لم يستثمر في ذلك الصندوق».

ويتابع كاتب المقال أنه «يجب أن يضع هذا نهاية لفكرة أن تبرعات إبستين لمختبر الوسائط تمثل نوعًا من المأزق الأخلاقي المتعلق بالمال القذر والصالح الاجتماعي. كانت هذه معاملة بين اثنين من الأشخاص البالغين يفكران فيما تنطوي عليه مشاركة كل منهما. وبمجرد أن ترى الحقائق بهذه الطريقة، فإن تفجُّع قيادة معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا على حرمان إبستين من أي قدرة على إعلان الهبات، وبالتالي «تبييض» سمعته، يبدو أمرًا في غير محله».

Embed from Getty Images

تبرعات إبستين ليست دليلًا على إيمانه بالعلم

وأردف الكاتب: «دعنا نتفق على أن إبستين لم يتبرع انطلاقًا من إيمانه الخالص بالعلم، بل جرى التفاوض على كل تبرع، وكان إبستين لديه شروط يريد الوفاء بها». 

وتشير الدلائل الواردة في التقرير إلى أن إبستين أراد بشكل أساسي أن يكون معروفًا وموضع تبجيل واحترام داخل مختبر الوسائط. وتشير إحدى رسائل البريد الإلكتروني الواردة من إيتو في أواخر عام 2017، والتي أعيدت طباعتها في التقرير، إلى نيكولاس نجروبونتي، أحد المؤسسين المشاركين في مختبر الوسائط: «لقد تحدثت أيضًا إلى نيكولاس الذي التقى به وهو يوافق على أنه يجب علينا التعامل مع جيفري باحترام».

الوجود المتخفي

زار إبستين المختبر تسع مرات على الأقل بين عامي 2013 و2017، بما في ذلك حفل تأبين مينسكي، وهو ما مثل مشكلة عصيبة بالنسبة للمختبر وعائلة مينسكي. يقول التقرير، نقلًا عن إيتو: إنه «تقرر أن يكون إبستين موجودًا في مختبر الوسائط وقت حفل التأبين، لكن يجب ألا يحضر الحدث أو حفل الاستقبال». 

ويصف التقرير مشهد إخفاء إبستين في معمل إيتو، ورؤية قليل من الزوار وعدم التفاعل مع الطلبة؛ لأنهم «من غير المرجح أن يكونوا بالقرب من مكتبه».

كان هذا الوصول (المقيد كما كان في بعض الأحيان) هو ما كان يجود به إيتو على إبستين، المتبرع. ومن الواضح أن إيتو لم يقدر تكلفة كره النساء والإقصاء وعدم الاحترام تجاه النساء اللائي يعملن ويدرسن هناك بسبب زيارات إبستين، التي كان من المؤكد أن تتسرب الأنباء الخاصة بها (في إشارة إلى التهم الجنسية التي وجهت إليه لاحقًا).  

ويختتم الكاتب مقاله بقوله: «لذا، نعم، دعونا نتأمل الدروس المستفادة من قصة مختبر الوسائط – إبستين. لكنها دروس لا تتعلق بالخروج بالجوانب الطيبة من الأمور السيئة، بل هي دروس واضحة عن السلطة ومن يمكن أن يستخدمها».

علوم

منذ سنتين
علم ضد العلم.. لماذا تتعارض الدراسات والأبحاث العلمية أحيانًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد