دعونا في البداية ننظر في كيفية تجاوبنا مع حالة خلاف بسيطة. رأى فرانك طائرًا في الحديقة واعتقد أنه عصفور، أما جيتا الواقفة بجواره فقد رأت نفس الطائر واعتقدت أنه هدهد. ما هي الردود التي يمكن أن نتوقعها من فرانك وجيتا؟ إذا كان رد فرانك هو: «حسنًا لقد رأيت أنه كان عصفورًا لذلك من المؤكد أنك على خطأ» فسيكون هذا ردًا عنيدًا ومزعجًا وغير عقلاني منه (والمثل إذا ردت جيتا بنفس الرد بالطبع).

بدلًا عن ذلك يجب أن يخفف كلاهما من ثقته في حكمه، والسبب في هذا التجاوب التوفيقي مع الخلافات عادة ما يعود إلى إظهار القيم العليا المتعلقة بالانفتاح والتواضع الفكري: عند العلم بوجود اختلافات مع الأقران فإن الشخص المنفتح ذهنيًا والمتواضع فكريًا يكون على استعداد للتفكير في تغيير رأيه. هكذا بدأ البروفيسور في جامعة كوبنهاجن كليمينز كابيل مقاله الذي نشرته مجلة أيون.

«لماذا نحن هنا؟».. كيف رأى الفلاسفة معنى الحياة والهدف من الوجود؟

يقول كليمينز: «إن خلافاتنا على المستوى الاجتماعي أكثر تعقيدًا بكثير وتتطلب أسلوبًا مختلفًا في التجاوب معها. ينشأ أحد أكبر أشكال الخلاف بوجه خاص عندما يكون اختلافنا ليس فقط حول الحقائق المتعلقة بالأفراد كما في حالة فرانك وجيتا، بل يشمل أيضًا الطريقة الأفضل لتشكيل المعتقدات حول تلك الحقائق أو حول كيفية جمع وتقييم الأدلة بالطرق المناسبة. هذا ما نطلق عليه الخلاف العميق، وهو الشكل الذي تتخذه معظم الخلافات الاجتماعية. إن فهم هذه الخلافات لن يبعث على التفاؤل بشأن قدرتنا على الوصول إلى التوافق في الآراء».

لننظر في حالة من حالات الخلاف العميق: تعتقد إيمي أن نوعًا معينًا من العلاجات المثلية يمكن أن يعالج الحمى التي تعاني منها، لكن ريان يختلف معها. تؤمن إيمي أن هناك أدلة قوية على ادعائها تستند على المبادئ الرئيسة للمعالجة المثلية التي تزعم أن إذابة كمية ضئيلة من المادة المسببة للمرض في الماء يُمكن أن يعالج المرض نفسه، بالإضافة لبعض الشهادات التي حصلت عليها من معالجين مثليين خبراء تثق في كلامهم. على الجانب الآخر يعتقد ريان أن أي تدخل طبي يجب أن يتم اختباره ضمن دراسات مضبوطة وأنه لا يُمكن الوصول لاستنتاجات صحيحة من مبادئ المعالجة المثلية؛ لأن هذه المبادئ أثبتت مبادئ الفيزياء والكيمياء أنها زائفة. بالإضافة لذلك يؤمن ريان أن حالات العلاج الناجحة المعلن عنها من قبل المعالجين المثليين لا تقدم أي دليل قوي على كفاءتها.

تفهم إيمي كل ذلك لكنها تعتقد أن هذا يعكس وجهة نظر ريان ذات المذهب الطبيعي فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية، والتي ترفضها بدورها؛ فهي تعتقد أن هناك أمور مرتبطة بالبشر وأمراضهم تتجاوز ما يحتويه الطب التقليدي الذي يعتمد على المنهجيات المادية والتبسيطية.

في واقع الأمر فإن تطبيق منظور علمي على المرض والشفاء سيؤدي لتشويه الظروف التي تُبنى عليها مبادئ المعالجة المثلية. من الصعب على ريان تجاوز هذه النقطة: كيف يجادل ريان حول تفوق منهجه بدون التماس السؤال أمام إيمي؟ والأمر ذاته ينطبق كذلك على إيمي. بمجرد أن يتم الكشف عن بنية الخلاف بينهما يبدو الأمر كما لو أنه لا توجد حجة أخرى يمكن أن يطرحها ريان أو إيمي لإقناع الآخر؛ لأنه لا توجد طريقة أو آلية لإجراء تحقيق يتفق عليها كلاهما. إنهما غارقان في خلاف عميق.

يكمل الكاتب قائلًا: إن خلافاتنا الاجتماعية الأكثر إثارة للقلق هي الخلافات العميقة أو تنطوي على الأقل على بعض سمات الخلافات العميقة. فأولئك الذين ينكرون التغير المناخي يرفضون الأدلة والطرق المرتبطة به ويشككون في مصداقية المؤسسات العلمية التي تخبرنا أن المناخ يتغير.

لقد عزل المشككون في التغير المناخي أنفسهم عن أية أدلة عقلانية يمكن أن تكون مقنعة. وكذلك نجد أنماطًا مماثلة من انعدام الثقة الانتقائي في الأدلة والمؤسسات العلمية في خضم الخلافات الاجتماعية حول سلامة اللقاحات والمحاصيل المعدلة وراثيًا، والأمر ذاته نجده في نظرية المؤامرة، وهذه الحالات تعتبر حالات متطرفة من الخلافات العميقة.

الخلافات العميقة غير قابلة للحل إلى حد ما-بحسب الكاتب-؛ فالأمر لا يتعلق بأن إيمي غير قادرة على اتباع حجج ريان أو أنها لا تراعي الأدلة بشكل عام، بل الأمر برمته هو أن إيمي لديها مجموعة من المعتقدات التي تعزلها عن أي نوع من الأدلة يُمكن أن يكون حاسمًا في إظهار أنها على خطأ. لا توجد حجة معينة أو تفكير معين مما يُمكن أن يطرحه ريان على إيمي لإقناعها بشكل عقلاني. فماذا إذًا يحب أن يكون ردهم؟ هل يجب عليهما أن يتعاملا مع الاختلاف بنفس التواضع الفكري الخاص بفرانك وجيتا اللذين اتبعا بعقلانية حقيقة أن خلافهما هو دليل جيد على أن أحدهما على خطأ؟

الإجابة لا. لا يوجد سبب يدعو ريان للاعتقاد بأن خلافه مع إيمي يشير، إلا أنه قد ارتكب خطئًا مشابهًا لرؤية هدهد على أنه عصفور. وحقيقة أن إيمي تثق في المعالجة المثلية ليست سببًا يجعل ريان يعتقد أن اعتماده على المبادئ العامة للعلوم الطبيعية أمرًا خاطئًا. لماذا يجب أن تكون حقيقة أن إيمي تدعم هذه المبادئ الغريبة سببًا للاعتقاد بأن المذهب الطبيعي غير ملائم أو مخطئ؟ إذا كان هذا صحيحًا فعندئذ على عكس حالة فرانك وجيتا لا يجب أن يقود الخلاف ريان لتغيير رأيه. والأمر ذاته صحيح بالنسبة لإيمي.

وهذه نتيجة مفاجئة كما يقول كليمينز. لقد اعتدنا على الفكرة القائلة: إن استيعاب آراء الآخرين – الذين لا شك في ذكائهم وإخلاصهم – باحترام يتطلب قدرًا من الاعتدال من جانبنا. لا يمكننا ـ على ما يبدو ـ في الوقت ذاته أن نحترم الآخرين تمامًا ونعتبرهم أذكياء وصادقين مع الاستمرار في اقتناعنا التام بأننا على صواب، وأنهم مخطئون تمامًا ما لم نتفق ببساطة على الاختلاف. لكن على المستوى الاجتماعي لا يمكننا القيام بذلك لأنه يجب اتخاذ قرار في نهاية المطاف.

ويشير الكاتب إلى إن دراسة كيفية ظهور الخلافات العميقة يُظهر لنا مدى خطورة القضية. لماذا نختلف حول الحقائق الصحيحة والمعروفة بينما نعيش جميعًا في عالم واحد ولدينا تقريبًا نفس القدرات المعرفية وجميعنًا يمكننا الوصول بنفس القدر من السهولة إلى نفس المعلومات تقريبًا؟

هذا لأننا نستخدم قدراتنا المعرفية لدعم المعتقدات الواقعية أو التزامات القيم التي تعتبر محورية بالنسبة لهويتنا، ولا سيما في الحالات التي نشعر فيها بأن هويتنا مهددة. هذا يجعلنا نبحث عن أدلة بطرق تدعم نظرتنا للعالم؛ فنحن نتذكر الأدلة التي تدعمنا تذكرًا أفضل ونكون أقل انتقادًا لها.

أما الأدلة المضادة لما نعتقده فتخضع لتدقيق نقدي شديد أو يتم تجاهلها من الأساس؛ وبالتالي من الممكن أن تصبح المعتقدات الواقعية علامات مميزة للهويات الثقافية: من خلال تأكيد اعتقادك أن تغير المناخ هو خرافة فإنك تشير إلى ولائك لمجتمع أخلاقي وثقافي وأيديولوجي معين. وقد يكون هذا عائدًا بشكل جزئي إلى الديناميكية النفسية التي تقود عملية الاستقطاب بخصوص المناخ، وهناك آليات مماثلة قد يكون لها دور في الخلافات الاجتماعية المسيسة الأخرى.

هذا يؤثر في كيفية تفاعلنا العقلاني مع الخلاف المجتمعي حول الحقائق. إن تأكيد الحقائق ليس بالأمر البسيط؛ فهو في الغالب طريقة للإشارة إلى ولاء ديني أو أخلاقي أو سياسي أوسع، وهذا يجعل من الصعب علينا أن نحترم المواطنين الآخرين بشكل كامل عندما نختلف معهم حول أمور واقعية.

وكما أشار الفيلسوف السياسي جون رولس في كتابه الليبرالية السياسية (1993) فإن المجتمع الليبرالي يبتعد بشكل كبير عن محاولة السيطرة على تدفق معلومات وآراء مواطنيه. ولذلك لا بد أن تكون الخلافات واسعة الانتشار (على الرغم من أن رولس كان يتحدث عن الخلافات الدينية والأخلاقية والميتافيزيقية وليس عن الخلافات الواقعية). إن ما يثير القلق بشكل خاص حول بعض الخلافات الاجتماعية هو أنها تتعلق بمسائل واقعية يكاد يكون حلها مستحيلًا نتيجة لعدم وجود طريقة متفق عليها للقيام بذلك، وكل ذلك يتعلق بالقرارات السياسية المهمة.

بشكل عام فإن التنظير حول الديمقراطية الليبرالية قد ركز بشكل كبير على الخلافات الأخلاقية والسياسية مع الافتراض ضمنًا أنه لن تكون هناك خلافات واقعية هامة للنظر فيها. يختم الكاتب قائلًا: إنه كان من المسلّم به أننا سنتفق في النهاية على الوقائع، وأن العمليات الديمقراطية ستتناول كيف يجب لعلينا نفصل في اختلافاتنا في القيم والتفضيلات، لكن هذا الافتراض إن كان صحيحًا في السابق فإنه لم يعد كذلك في الوقت الحالي.

مترجم: كيف انبثق الكون إلى الوجود؟ تجربة فيزيائية جديدة تحاول حل اللغز 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد