لم يكتسب ستيفن هوكنغ شهرته من اكتشاف الثقوب السوداء أو نظرية الانفجار الأعظم، فرغم أنه أشهر عباقرة العصر الحديث، لكن ما سبب شهرته بالتحديد، بعيدًا عن تحديه الإعاقة وظهوره في مسلسلي عائلة سمبسون وستار تريك؟

 

إن من الصعب تبيان إنجازاته الحقيقية من عشرات الأساطير التي قيلت عنه. سيقوم هوكنغ بإلقاء محاضرة ريث هذا العام، وهو حدث يعكس مكانة المتحدث كخبير ومفكر عام. وهي فرصة للتعرف على هوكنغ العالم الفيزيائي، وليس الرمز.

 

غاب اسم هوكنغ عن عدة استطلاعات للرأي حول أعظم علماء الفيزياء في القرن العشرين، فهل هو ليس كما يزعم؟

 

لكن له حضورًا بارزًا في عالم الفيزياء الحديثة، فهو أحد أعظم العقول في هذا المجال.

 

ربما يستحق هوكنغ الحصول على جائزة نوبل، فقد جمعت عبقريته بين مجالات مختلفة، ولكن متساوية في الأهمية في مجال الفيزياء النظرية، مثل الجاذبية وعلم الكون ونظرية الكم والديناميكا الحرارية ونظرية المعلومات. بدأت رحلته بالنظرية النسبية التي كان قد صكها ألبرت أينشتاين لتحل محل نظرية إسحق نيوتن.

 

افترض نيوتن أن الأجسام الضخمة تخلق مجالا في الفضاء، يشبه المجال المغناطيسي. وهذا المجال يمكن جسمًا له كتلة من التحكم في جسم آخر. كانت تلك حقيقة علمية مجردة.

 

لكن وفقًا لأينشتاين، فإن الجاذبية ليست مجالا في الفضاء، بل هي جزء منه. فالشمس مثلا تخلق مجالا في الفضاء يتحلق حولها، وهذا التشوه في الفضاء يؤثر على حركة أي شيء قريب. على سبيل المثال، إنه يحافظ على بقاء الأرض في مدارها حول الشمس.

 

إحدى تنبؤات نظرية أينشتاين هي أن الأجسام الكبيرة كالنجوم يمكنها أن تنهار أسفل جاذبيتها في عملية متسارعة. وستتقلص كتلتها إلى نقطة متناهية الصغر وذات كثافة لا نهائية تسمى التفرد.

 

يخلق هذا الانهيار منطقة في الفضاء محاطة بشدة بجاذبية لا يمكن للضوء حتى الإفلات منها. نسمي هذه بالثقوب السوداء.

 

إلا أن العديد من علماء الفيزياء لم يصدقوا شيئًا غريبًا كالتفرد. لذا بقيت الفكرة مهملة لسنوات، حيث افترض آخرون أن ثمة عملية ستتدخل لمنعها.

 

في العام 1959، بدأ هوكنغ دراسته الجامعية في جامعة أوكسفورد، حيث بدأ علماء الفيزياء النظر إلى الفكرة على محمل الجد. وقد فحص العديد من العلماء الفكرة، من بينهم جون ويلر الذي يقال إنه من صك مصطلح الثقوب السوداء.

 

بعد تخرجه من قسم الفيزياء، بدأ هوكنغ دراسة الدكتوراه في جامعة كامبريدج، تحت إشراف عالم الفلك دينيس سياما. وقد انصب اهتمامه على النظرية النسبية والثقوب السوداء.

 

حينئذ فقط لمع نجم هوكنغ. كما جرى تشخيص شكل من أشكال الأمراض العصبية يسمى التصلب الجانبي الضموري، الذي يؤدي في النهاية إلى شلل تام تقريبًا.

 

بدأ هوكنغ في التفكير في نظرية الانفجار الأعظم التي تفترض أن الكون بدأ كنقطة صغيرة للغاية تمددت بشكل كبير لاحقًا. يحظى هذا الافتراض بالقبول حاليًا، لكنه كان محل جدال كبير وقتئذٍ.

 

أدرك هوكنغ أن الانفجار الأعظم كان أشبه بانهيار ثقب أسود في الاتجاه المعاكس. كان قد طور هذه الفكرة في العام 1970 في ورقة بحثية نشرها برفقة بنروز، التي أشارت إلى أن الكون بدأ كوحدة صغيرة.

 

ازدادت حالة هوكنغ الصحية سوءً بشدة. وفي ليلة ما في أواخر 1970، أدرك حقيقة الثقوب السوداء، حيث كان اكتشافًا ستتبعه سلسلة اكتشافات حول طريقة عملها.

 

أدرك هوكنغ أن حجم الثقب الأسود يتزايد على الدوام. وعليه فهو يبتلع المزيد من المادة وتزداد كتلته.

 

في المقابل، تحدد كتلة الثقب الأسود حجمه، يقاس بنصف قطر أفق الحدث، وهي النقطة التي لا يهرب فيها أي شيء من الثقب الأسود الذي سيتمدد كالبالون.

 

وأشار هوكنغ إلى أن الثقب الأسود لا يمكنه الانقسام إلى ثقوب أصغر. ثم أكد أن منطقة أفق الحدث التي تتمدد على الدوام تناظر كمًا آخر يمكنه النمو فقط.

 

هذا الكم هو العشوائية، وهو يقيس حجم الاضطراب في نظام ما. حيث تتميز الذرات المكدسة معًا بانتظام في بلورة ما بانخفاض في نسبة العشوائية، بينما تتميز الذرات التي تنتقل بشكل عشوائي في غاز ما بارتفاع في نسبة العشوائية.

 

وفقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فإن إجمالي نسبة العشوائية الخاصة بالكون يزداد فقط. بمعنى أن زيادة الاضطراب في الكون أمر حتمي مع مرور الزمن. وقد أشار هوكنغ إلى أن هاتين القاعدتين تتشابهان بشكل غريب.

 

في نهاية عام 1970، قدم عالم فيزياء شاب يدعى جاكوب بيكنشتاين مقترحًا جريئًا: ماذا لو لم يكن هذا مجرد تناظر؟ اقترح بيكنشتاين أن سطح منطقة أفق الحدث الخاص بالثقب الأسود يمكن قياسه عبر نسبة العشوائية الخاصة بالثقب الأسود.

 

لكن بدا ذلك الافتراض خاطئًا. فلو أن للجسم نسبة عشوائية، فلا بد أن له حرارة. وإذا ما كان له حرارة، فلا بد أنه يشع بالطاقة، إلا أن الغرض من الثقب الأسود هو ألا يفلت أي شيء.

 

لهذا السبب، اعتقد جل علماء الفيزياء أن مقترح بيكنشتاين غير منطقي. بل إن حتى بيكنشتاين نفسه قال: إن حرارة الثقب الأسود الظاهرية لا يمكن أن تكون حقيقية بما أنها تقود إلى ظاهر متناقض.

 

ولكن عندما اعتزم هوكنغ إثبات خطأ بيكنشتاين، اكتشف أن التلميذ الشاب كان محقًا. وفي سبيل إظهار ذلك، اضطر للجمع بين تخصصين فيزيائيين لم يسبق لأحد الجمع بينهما، النسبية العامة والنظرية الكمية.

 

تستخدم النظرية الكمية لوصف الأشياء متناهية الصغر، كالذرات والجزيئات التي تحتويها، بينما تستخدم النسبية العامة لوصف المادة على النطاق الكوني للنجوم والمجرات.

 

تبدو النظريتان غير متطابقتين للوهلة الأولى. تفترض النسبية العامة أن الفضاء سلس ومتواصل كاللوح، بينما تصر النظرية الكمية على أن العالم وكل ما يحتويه مبلور على أصغر نطاق ويتوزع على كتل منفصلة.

 

عانى العلماء لعقود لتوحيد النظريتين، ما قد يشير لاحقًا إلى “نظرية كل شيء”. تعتبر هذه النظرية بمنزلة الكأس المقدسة في الفيزياء الحديثة.

 

في بداية حياته المهنية أعرب هوكينغ عن شغفه بمثل هذه النظرية، ولكن تحليله الثقوب السوداء لم يقدم واحدة. بدلاً من ذلك، استخدم تحليل الكم الذي أجراه للثقوب السوداء خليطًا من اثنين من النظريات القائمة.

 

وفقًا للنظرية الكمية، فإن الفضاء الفارغ المزعوم هو في الواقع أبعد ما يكون عن فراغ؛ لأن الفضاء لا يمكن أن يكون سلسًا، وفارغ تمامًا على جميع المستويات. بدلاً من ذلك هو مفعم بالنشاط.

 

تظهر أزواج من الجسيمات باستمرار من تلقاء نفسها إلى حيز الوجود، واحد مصنوع من المادة والآخر مضاد للمادة. وأحد الجسيمات لديه طاقة إيجابية والآخر سلبية، لذلك عمومًا لا يجري خلق أية طاقة جديدة. ثم يقضي الجسيمين على بعضهما البعض بسرعة، بحيث لا يمكن الكشف عنهم مباشرة. ونتيجة لذلك، يطلق عليهم اسم “الجسيمات الافتراضية”.

 

اقترح هوكينغ أن هذه الأزواج من الجزيئات يمكن أن يجري ترقيتها من افتراضية إلى حقيقية، ولكن فقط إذا جرى إنشاؤها بجوار ثقب أسود.

 

هناك فرصة أن أحد الأزواج سوف يجري امتصاصه داخل أفق الحدث، سيترك شريكه وقد تقطعت به السبل. وهذا التوأم سينطلق في الفضاء. وإذا ما جرى امتصاص الجسيمات ذات الطاقة السلبية من قبل ثقب أسود، فإن الطاقة الإجمالية للثقب الأسود تتناقص، وبالتالي كتلته. ثم يحمل الجسيم الآخر بعيدا الطاقة الإيجابية.

 

والنتيجة النهائية هي أن الثقب الأسود يشع بالطاقة، وهو ما يعرف الآن باسم إشعاع هوكينغ، في حين يتقلص حجمه تدريجيا. وبعبارة أخرى، أثبت هوكينج أنه كان على خطأ: فالثقوب السوداء يمكنها أن تتقلص في الحجم. هذا هو بمثابة القول إن الثقب الأسود سوف يتبخر ببطء، وأنه ليس أسود على الإطلاق.

 

الأكثر من ذلك، هذا الانكماش لن يكون بالضرورة تدريجيًا.

 

في عام 1971 تصور هوكينج رؤية جديدة راديكالية للثقوب السوداء. خلال الانفجار الأعظم، انهارت بعض الكتل المادة إلى ثقوب سوداء مصغرة. تزن كل كتلة مليارات الأطنان، وهو ما يبدو كثيرا، ولكنه أصغر بكثير من الأرض، والثقب الأسود الناتج سيكون أصغر من الذرة.

 

ولأن درجة حرارة الثقب أسود تزداد في الوقت الذي تقل فيه مساحة أفق الحدث، فإن الثقوب السوداء الصغيرة تكون ساخنة: وصفها هوكينغ بأنها “شديدة السخونة”. وهي تفور بإشعاع هوكنغ، فتتراجع نسبة كتلتها حتى تختفي في نهاية المطاف.

 

ولن تذهب بهدوء، ستزداد درجة حرارة الثقب الأسود المصغر كلما تقلص حجمه، حتى ينفجر في نهاية المطاف بطاقة تقدر بواحد مليون ميجا طن من القنابل الهيدروجينية.

 

شرح هوكينج نظريته إشعاع هوكنغ وانفجار الثقوب السوداء البدائية البسيطة في ورقة بحثية في عام 1974م، وقد كانت الفكرة صادمة ومثيرة للجدل، ومع ذلك، يعتقد معظم علماء الفيزياء في الوقت الحاضر أن إشعاع هوكينج سيتولد من قبل الثقوب السوداء.

 

حتى الآن لم يتمكن أحد من كشف هذا الإشعاع. إلا أن هذا ليس من المستغرب؛ فدرجة حرارة الثقب الأسود العادية تكون بالكاد فوق الصفر المطلق، وبالتالي فإن الطاقة التي تنبعث منه مثل إشعاع هوكينغ ستكون ضئيلة للغاية.

 

بعد سبع سنوات، أعلن هوكينج ـ ضمنا ـ تأثيرًا مقلقًا لاختفاء الثقوب السوداء. وهو أنها تدمر المعلومات.

 

عندما تمر الجسيمات أو أشعة الضوء داخل أفق الحدث لثقب أسود، فإنها لن تعود أبدا إلى بقية الكون. يمكن اعتبار أي كيان كهذا قابلاً لنقل المعلومات، على سبيل المثال: معلومات عن كتلة الجسيمات وموقفها. ويجري أيضا حجز هذه المعلومات داخل الثقب الأسود.

 

ومع ذلك، ما الذي يحدث لتلك المعلومات إذا ما تبخر الثقب الأسود؟ هناك احتمالان: إما أنه يتم إدخالها بطريقة ما في إشعاع هوكينغ المنبعث من الثقب الأسود، أو أنها تختفي إلى الأبد. وقد ادعى هوكينج أنها تختفي.

 

عندما تحدث هوكينغ في سان فرانسيسكو في عام 1981 عن مفارقة تلاشي المعلومات في فيزياء الثقوب السوداء، اختلف معه عالم الفيزياء الأمريكي ليونارد سسكيند. فقد كان أحد القلائل الذين يقدر حجم القلق الذي سيسود إذا فقدت المعلومات من الكون.

 

نود أن نتصور أن الأسباب تأتي قبل آثارها، وليس العكس. من حيث المبدأ، يعني هذا أننا يمكن أن نتتبع ونعيد بناء التاريخ من أي جسيمات في الكون على أساس المعلومات التي تخص حالته الحالية.

 

إلا أن إعادة البناء تلك من الآثار، وحتى السبب ستصبح مستحيلة، إذا كان يتم تدمير المعلومات في الثقوب السوداء. وإذا كانت المعلومات تضيع حقًا، فإن فكرة السبب والنتيجة بأسرها ستبدو هشة.

 

لذا عندما اقترح هوكينغ أن الثقوب السوداء تدمر المعلومات، قال سسكيند إنه كان مخطئا تمامًا.

 

احتدم الجدال على مدى عقود. وفي عام 1997 اتخذ الجدال شكل الرهان، وهو شيء يعشق هوكينج الانخراط فيه. فقد راهن هوكينج جون بريسكل من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا أن تلك المعلومات قد فقدت بالفعل في الثقوب السوداء، في حين راهن بريسكل أنها لم تُفقد.

 

في مؤتمر عقد في دبلن في عام 2004، اعترف هوكينج أخيرا أن سسكيند كان على حق. ولكن بأسلوب عناد معتاد منه، وقال: إن المعلومات تعود إلى الكون في شكل تالف من المستحيل تقريبا قراءته، وأنه قد أثبت صحة ذلك.

 

شرح هوكينج حجته في ورقة قصيرة في العام التالي. ولم يقتنع الجميع بأن حجته كانت أفضل من حجة سسكيند.

 

يتميز هوكنغ بالجرأة والذكاء، ولكنه ليس ناجحًا دومًا في إقناع الآخرين بحججه، وأحيانا يبدو وكأنه منقاد بالحدس الذي يمكن أن يتبين لاحقًا أنه خطأ، كما هو الحال عندما راهن ضد الكشف المخبري عن جسيمات هيغز.

 

إن مزيج النظرية النسبية العامة، ونظرية الكم، والديناميكا الحرارية ونظرية المعلومات في عمل هوكينغ على الثقوب السوداء مبتكر ورائع. ولا يعادله أي شيء آخر قام به.

 

حاول في الثمانينيات وصف الانفجار الأعظم بمصطلحات ميكانيكا الكم. وقد طور، بالتعاون مع جيمس هارتل، معادلة الكم البسيطة التي من المفترض أن تصف الكون كله في مراحله المبكرة. إلا أنه يفعل ذلك بمصطلحاته التي يرى عدد كبير من علماء الفيزياء أنها لا تضيف أي شيء مفيد للغاية.

 

الشيء الوحيد الذي تشير إليه المعادلة هو أنه من غير المجدي أن نسأل عن أصل الكون.

 

عندما كان الكون لا يزال محدودا للغاية، أقل من جزء من المليار من الهيكتومتر، تشير نظرية الكم إلى أن التمييز بين المكان والزمان كان شديد الصعوبة. وهذا يعني أن الكون في مراحله المبكرة لا تكون حدودا معقولة في الزمان أو المكان، على الرغم من أنه لا يزال قائما بذاته. حيث يختفي مفهوم “الأصل” في الوقت في رغوة الكم.

 

الآن هناك شعور بأن هوكينغ يترنح في نهاية حياته المهنية، بخوضه رحلات مدروسة إلى أفكار تصورها آخرون إلى حد كبير. ولديه الحق في فعل ذلك.

 

ومن غير الواضح إن كان قد حصل على حق النطق عبر الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية أو الحضارات الغريبة، ناهيك عن تكريس الصور النمطية بين الجنسين في الجامعة في الستينيات.

 

ومن المؤسف تقريبا أن هوكينغ مبدع بما يمنع بزوغ نجم الكثير من الفيزيائيين.

 

هذا هو الجانب الثاني من حكاية هوكينج. هناك افتراض يقول إنه يجب أن يكون مصدرا لا ينضب من الحكمة. في الواقع هوكنغ غير معصوم عن الخطأ، تماما مثل كل إنسان آخر بغض النظر عن عبقريته. قصته هو شخص ملهم، ولكن هذا لا يعني أننا يجب أن ننكر هذا الجانب من إنسانيته.

 

ربما يكون ذلك بسبب أننا كمجتمع لا نزال غير معتادين على الإعاقة. نحن مفتونون بشدة بفكرة أن الشخص القعيد على كرسي متحرك يمكن أن يكون ذكيًا جدا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد