كتب بيتر ديزيكيس، محرر العلوم الاجتماعية والأعمال والإنسانيات في المكتب الإخباري لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مقالًا نشره موقع «بيج ثينك» حول توصل فريق من الباحثين بالمعهد إلى طريقة تستخدم التكنولوجيا المتقدمة في الكشف على القنابل النووية، مما يساعد مفتشي الحد من التسلح في مهامهم.

يستهل الكاتب مقاله بتوجيه سؤال بسيط، لكن الجواب عنه يبدو غريبًا: كيف يتحقق مفتشو الأسلحة من أن قنبلة نووية قد جرى تفكيكها؟ الجواب المقلق هو: أنهم لا يفعلون ذلك، في الغالب. مشيرًا إلى أن الدول حينما توقع على اتفاقيات خفض الأسلحة، فإنهم لا يمنحون المفتشين حق الوصول الكامل إلى تكنولوجياتهم النووية، خشية ضياع الأسرار العسكرية.

تدمير وسائل إطلاق الأسلحة وليس الأسلحة نفسها

يضيف ديزيكيس: بدلًا من ذلك، دعت معاهدات خفض الأسلحة الأمريكية- الروسية السابقة إلى تدمير أنظمة إطلاق الرؤوس الحربية النووية، مثل الصواريخ والطائرات، ولكن ليس الرؤوس الحربية نفسها. وللامتثال لمعاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت)، على سبيل المثال، قطعت الولايات المتحدة أجنحة قاذفات «بي 52» وتركتها في صحراء أريزونا، حيث يمكن لروسيا أن تتأكد بصريًّا من تقطيع الطائرات.

Embed from Getty Images

ويرى ديزيكيس أنها طريقة منطقية، ولكنها ليست مثالية. فقد لا تكون الرؤوس النووية المخزنة قابلة لإطلاقها في حرب، لكن ما يزال من الممكن سرقتها أو بيعها أو تفجيرها عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة على المجتمع البشري.

يقول أريج داناجوليان، وهو عالم نووي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «هناك حاجة حقيقية لاستباق هذه الأنواع من السيناريوهات الخطرة ومتابعة هذه المخزونات. وهذا يعني في الواقع تفكيكًا يمكن التحقق منه للأسلحة نفسها».

الطريقة الجديدة للتحقق من تدمير الأسلحة

يتابع ديزيكيس: الآن، نجح باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بقيادة داناجوليان في اختبار طريقة جديدة تستخدم التكنولوجيا الفائقة يمكن أن تساعد المفتشين في التحقق من تدمير الأسلحة النووية. تستخدم هذه الطريقة حزمة أشعة النيوترون لإثبات حقائق معينة حول الرؤوس الحربية موضوع البحث، وتستخدم استخدامًا أساسيًّا أحد مرشحات النظائر الذي يشفر ماديًّا المعلومات الموجودة في البيانات المقاسة.

واستشهد الكاتب بورقة نشرتها مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» توضح هذه التجارب بالتفصيل، تحت عنوان «نظام للتحقق المادي من الرؤوس الحربية المشفرة باستخدام الرنين النووي المنبعث من النيوترونات». مؤلفا الدراسة هما داناجوليان، وهو أستاذ مساعد للعلوم والهندسة النووية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وطالب الدراسات العليا عزرا إنجل. داناجوليان هو المؤلف الرئيسي المسؤول عن البحث.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
مركز أبحاث إسرائيلي: 4 سيناريوهات قد تجعل إسرائيل تستخدم السلاح النووي

اختبارات عالية المخاطر 

يكمل المقال: تستفيد التجربة من الأعمال النظرية السابقة، التي قام بها داناجوليان وأعضاء آخرون من مجموعته البحثية، الذين نشروا العام الماضي ورقتين توضحان المحاكاة الحاسوبية للنظام. وأجري الاختبار في منشأة جارتنر للمسارع الخطي (LINAC) في حرم «معهد رينسيلار بوليتيكنيك»، باستخدام مقطع بطول 15 مترًا من خط حزمة النيوترون في المنشأة.

ويوضح ديزيكيس أن الرؤوس الحربية النووية لها اثنان من الخصائص الأساسية التي تعد محورية بالنسبة للتجربة: (1) إنها تميل إلى استخدام نظائر معينة من البلوتونيوم – أنواع مختلفة من العنصر تحتوي على أعداد مختلفة من النيوترونات. (2) والرؤوس الحربية النووية لديها ترتيب مكاني مميز للمواد.

كيف يجرى الاختبار؟ 

تمثلت التجارب في إرسال حزمة نيوترونية أفقية أولًا عبر متغير للرأس الحربية، ثم من خلال مرشح تشفير يجمع المعلومات. ثم أُرسلت إشارة حزمة الشعاع إلى كاشف من زُجاج لِيثيومِيّ، حيث سُجلت علامة عن البيانات، التي تمثل بعض خصائصها الرئيسية. وأجريت اختبارات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا باستخدام المولبيدينوم والتنجستن، وهما معدنان يشتركان في خواص مهمة مع البلوتونيوم ويعملان كمتغيرين يمكن التعويل عليهما بالنسبة له.

ينجح الاختبار أولًا وقبل كل شيء، لأن الحزمة النيوترونية يمكنها تحديد النظير موضع البحث.

يقول داناجوليان: «في نطاق الطاقة المنخفضة، تكون تفاعلات النيوترونات مختصة تحديدًا بالنظير». ويضيف «لذا فأنت تجري قياسًا، إذ لديك علامة نظائرية مميزة، وهي إشارة تضم في حد ذاتها معلومات عن النظائر والهندسة. لكنك تجري خطوة إضافية تؤدي إلى تشفيرها ماديًّا».

يغير هذا التشفير المادي لمعلومات حزمة النيوترون بعض التفاصيل الصحيحة، لكنه ما يزال يسمح للعلماء بتسجيل علامة مميزة للجسم، ثم استخدامه لإجراء مقارنات بين جسم وآخر. يعني هذا التغيير أن بإمكان أي بلد الخضوع للاختبار دون الكشف عن كافة التفاصيل حول كيفية تصميم أسلحته وهندستها.

ويضيف داناجوليان «هذا المرشح التشفيري يغطي أساسًا الخصائص الجوهرية للجسم السري الفعلي نفسه».

أجهزة الكمبيوتر لا يعول عليها خلافًا لقوانين الفيزياء

سيكون من الممكن أيضًا إرسال الحزمة النيوترونية عبر الرأس الحربي، وتسجيل تلك المعلومات، ثم تشفيرها على نظام الكمبيوتر. لكن عملية التشفير المادي تعد أكثر أمانًا، وفقًا لما يوضحه داناجوليان: «يمكنك، من حيث المبدأ، فعل ذلك باستخدام أجهزة الكمبيوتر، ولكن أجهزة الكمبيوتر لا يعول عليها. الأجهزة يمكن اختراقها، في حين أن قوانين الفيزياء غير قابلة للتغيير».

Embed from Getty Images

كما تضمنت اختبارات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كوابح للتأكد من أن المفتشين لن يتمكنوا من استخدام الهندسة العكسية في العملية، وبالتالي استخلاص المعلومات المتعلقة بالأسلحة التي تريد الدول الإبقاء عليها سرية.

ومن ثم عند إجراء فحص للأسلحة، سيقدم بلد مضيف رأسًا حربية لمفتشي الأسلحة الذين يمكنهم إجراء اختبار الحزمة النيوترونية على المواد. إذا حظي الاختبار بالقبول، يمكنهم إجراؤه على كل الرؤوس الحربية الأخرى المعدة للتدمير أيضًا، والتأكد من أن علامات البيانات من تلك القنابل الإضافية تتطابق مع علامة الرأس الحربية الأصلية.

لهذا السبب، لا يمكن لبلد ما، على سبيل المثال، أن يقدم رأسًا حربيًّا نوويًّا حقيقيًّا يجب تفكيكه، ولكنه بدلًا من ذلك يلجأ لخداع المفتشين بسلسلة من الأسلحة الزائفة المتماثلة المظهر. وعلى الرغم من أنه سيتعين ترتيب العديد من البروتوكولات الإضافية لجعل العملية بأكملها تعمل بطريقة يمكن التعويل عليها، فإن الطريقة الجديدة توازن توازنًا معقولًا بين الإفصاح والسرية بالنسبة للأطراف المعنية.

العنصر البشري

يعتقد داناجوليان أن وضع الطريقة الجديدة خلال مرحلة الاختبار يمثل خطوة مهمة إلى الأمام لفريقه البحثي.

ويقول: «المحاكاة تلتقط الفيزياء، لكنها لا تلتقط أوجه عدم استقرار النظام. أما التجارب فتلتقط العالم كله».

في المستقبل، يود إنشاء نسخة أصغر من جهاز الاختبار، طوله خمسة أمتار فقط، ويمكن أن يكون متنقلًا، لاستخدامه في جميع مواقع الأسلحة.

ويضيف: «الغرض من عملنا هو خلق هذه المفاهيم، والتحقق من صحتها، وإثبات أنها تعمل من خلال المحاكاة والتجارب، ومن ثم حمل المعامل الوطنية على استخدامها في مجموعة أساليب التحقق الخاصة بها»، في إشارة إلى علماء وزارة الطاقة الأمريكية».

العمل واعد وهو خطوة إلى الأمام

يقول كارل فان بيبر، وهو أستاذ في قسم الهندسة النووية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، الذي قرأ أوراق المجموعة البحثية: «إن العمل واعد واتخذ خطوة كبيرة إلى الأمام»، لكنه يستدرك: «ما يزال هناك شوط طويل يتعين أن يقطعه المشروع». وبشكل أكثر تحديدًا، يلاحظ فان بيبر أنه في الاختبارات الأخيرة، كان من السهل اكتشاف الأسلحة المزيفة بناءً على خصائص النظائر للمواد وليس بسبب ترتيباتها المكانية. وهو يعتقد أن الاختبارات في المعامل الوطنية الأمريكية ذات الصلة – في لوس ألموس أو ليفرمور – ستساعد أكثر في تقييم أساليب التحقق حول تصاميم الصواريخ المتطورة».

وبصفة عامة، يضيف فان بيبر متحدثًا عن الباحثين: «إن إصرارهم يؤتي ثماره، ويجب على مجتمع التحقق من المعاهدات أن يوليهم الاهتمام».

يؤكد داناجوليان أيضًا على أهمية نزع السلاح النووي. ويشير إلى أن مجموعة صغيرة من الرؤوس النووية الحديثة العديدة تساوي القوة التدميرية لكل سلاح أطلق خلال الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك القنابل الذرية التي أسقطت على هيروشيما وناجازاكي. وتمتلك الولايات المتحدة وروسيا حوالى 13 ألف سلاح نووي فيما بينهما.

العقل البشري يهرب من الحرب النووية بتجاهلها

يتابع داناجوليان: «مفهوم الحرب النووية مهول لدرجة أنه لا يتناسب عادة مع العقل البشري. إنه لأمر مرعب وفظيع للغاية لدرجة أن الناس تتجاهله».

في حالة داناجوليان، يشدد أيضًا على أنه لكونه أصبح أبًا، فإن ذلك زاد من إحساسه بأن هناك حاجة للعمل بشأن هذه القضية، وهو ما حفزه في المشروع البحثي الحالي، الذي حصل على دعم جزئي من جائزة الإدارة الوطنية للأمن النووي التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية.

وختم الكاتب باقتباس عن داناجوليان: «لقد فرض ذلك نوعًا من الإلحاح على ذهني. هل يمكنني استخدام معرفتي ومهاراتي وتدريبي في الفيزياء لكي أفعل شيئًا من أجل المجتمع ومن أجل أولادي؟ هذا هو الجانب الإنساني للعمل».

دولي

منذ 8 شهور
إلى أين وصل حلم السعودية بامتلاك قنبلة نووية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد