طفلها كان على وشك أن يُولد، لكنها لم تستطع الحركة.

إسراء خلف حامد، مُشردة تبلغ من العمر 27 عامًا، وقفت على عتبات خارج المسجد في ضاحية من ضواحي العاصمة العراقية، تجفل من الانقباضات. في الداخل، كان يجلس ما يقرب من 40 عائلة ممن فروا من المعارك الواقعة غربي محافظة الأنبار الشهر الماضي وأقاموا بمنازل بديلة.

في البوابة المواجهة للشارع كان يوجد قفل كبير. ليس من المسموح للعوائل المشردة أن تترك المباني التي تعيش بها إلا في حالات الطوارئ، تقول عائلة “حامد” أنهم كانوا خائفين للغاية من السفر إلى المستشفى وحدهم، وكانوا في انتظار وصول سيارة الإسعاف.

نحن نريد حماية لتضمن لنا أننا سنبقى أحياء على الطريق”، يقول أنور حامد، شقيق زوجها البالغ من العمر 35 عامًا.

قدّم المشهد في حي الغزالية لمحة من المصاعب التي يواجهها النازحون العراقيون الجدد، أكثر من 100 ألف شخص تركوا منازلهم بعد اشتداد القتال بين القوات الحكومية ومسلحي الدولة الإسلامية في مدينة الأنبار ذات الأغلبية السنية في أبريل، وفروا إلى بغداد والمقاطعات ذات الأغلبية الشيعية في الجنوب. مزيد من الآلاف يسعون للفرار من الأنبار بعد القتال المستعر في الأيام الماضية في مدينة الرمادي.

هؤلاء هم أحدث الضحايا الذين أُجبروا على ترك منازلهم على خلفية الصراع في العراق، في حين نزح 2.4 مليون شخص داخليًا منذ بدء 2014، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة.

لكنّ الوافدين الجدد فروا من نزيف الدماء في الأنبار ليواجهوا الشك والعداء. بعض المسئولين في بغداد ربطوا بين تدفق السنة وموجة من السيارات المفخخة. يشتكي النازحون من مضايقات من رجال الأمن والمليشيات الشيعية ذات النفوذ القوي القلقين من أن يكون هؤلاء النازحون إلى بغداد على صلة بمتطرفي السنة في الدولة الإسلامية. أبلغت مشرحة العاصمة عن اشتباهها في ازدياد حوادث القتل الطائفية.

الموت يحيط بالنازحين من كل جانب

ما يحدث لنا هو موت بطيء: إرهاب، تجويع، لا نقود، ولا منزل” يقول خالد أحمد، يبلغ من العمر 41 عامًا، من حي التميم بالرمادي، فرَّ هو وزوجته وأولاده الثلاثة الشهر الماضي. “إذا بقينا هناك، ستقتلنا الدولة الإسلامية؛ هنا، ستقتلنا المليشيات.

عند وصولهم، طُلب من العائلات أن تقوم بتسليم بطاقات هوياتها لإدارة المسجد، لمنعهم من السفر حول بغداد، ومع العدد الكبير لنقاط التفتيش حيث يتم التدقيق في بطاقات الهُوية. يقول الإمام أن الإجراءات الأمنية جاءت بناءً على طلب الشرطة.

ليس من المسموح لهم الخروج وذلك لسلامتهم”، يقول ماجد حامد، إمام مسجد في الغزالية، الحي المختلط ذي الأغلبية السنية المشهور بسوء سمعته وإراقة الدماء أثناء الأحداث الطائفية التي وقعت في 2003 أثناء الغزو الأمريكي. “نحن خائفون من أن يتم استهدافهم لأسباب طائفية. العائلات تشعر بالرعب من المجهول.

في الوقت الذي كانت تتم فيه الترتيبات لتترك إسراء حامد المسجد ووصلت سيارة الإسعاف، كانت بالفعل قد دخلت في مرحلة المخاض منذ 4 ساعات. وعند وصولها للمستشفى أخيرًا، كان طفلها الذي لم يولد بعد قد مات.

لم تلقِ العائلة اللوم على المسجد، الذي قام بدفع تكاليف علاجها للمشفى، لكنهم قالوا أن قصتها دليل على المصاعب التي يواجهها النازحون الجدد.

مخاوف من التسلل

سكان الحيين من الأغلبية الشيعية في العاصمة، حي الأمل وحي البياع، يقولون أن العائلات النازحة التي استقرت هناك قد تم طردهم. تم استهداف منازلهم بمتفجرات مصممة لإحداث صوت عال لكن دون إحداث إصابات، على حد قولهم.

الأحياء المجاورة كان قد تم تحطيمها بسيارات مفخخة بانتظام، مما جعل وصول الناس من المقاطعات التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية حساسًا للغاية، حيث يملك التنظيم هناك موطئَ قدمٍ ثابتًا. يقول السكان أنهم خائفون من أن يتسلل المسلحون المتطرفون إلى المدينة بوصول النازحين.

وما جعل الأمر يزداد سوءًا، أعلنت الدولة الإسلامية مسئوليتها عن تفجيرات باسم النازحين من السنة.

للمرة الأولى منذ أسبوعين في بغداد، عائلة حامد الممتدة، التي تشمل 13 شخصًا، قد أقامت في منزل صديق في حي الزعفرانية ذي الأغلبية الشيعية. يقولون أن قوات الأمن قامت بتفتيش منزل صديقهم بانتظام طوال مدة إقامتهم وسألتهم عن تحركاتهم.

بعد سماعهم لنبأ حادثتين عن “سنّة” من مقاطعة الأنبار لقوا حتفهم في بغداد، رحلت عائلة حامد. “لم نقدر على البقاء هناك وتعريض عائلة صديقنا للخطر”، يقول أنور حامد.

تقول قوات الأمن أن حوادث القتل هي حوادث فردية.

قال سعد معن، الناطق الرسمي لوزارة الداخلية العراقية، أن حوادث قتل 14 من المسلمين السنّة من الأنبار في بغداد في الأسابيع الماضية. يتضمن ذلك مقتل 7 أعضاء من عشيرة البونمر و4 رجال أيضًا من حي البياع ذي الأغلبية الشيعية.

الشيخ نعيم الكعود، زعيم عشيرة البونمر وبرلماني، قال أنه في منتصف الليل في ليلة من ليالي الشهر الماضي، جاء 3 رجال مسلحين إلى منزل به عائلة من العوائل النازحة وطلبوا منهم الرحيل بحلول الصباح.

قررت العائلة فِعل ما طُلب منها، ولكن قبل رحيلهم، ظهر المسلحون. في الخامسة فجرًا، قاموا باختطاف 8 رجال من العائلة، يقول الشيخ نعيم. وتركوا الأطفال والنساء من خلفهم.

في اليوم التالي، وجد 7 من الرجال مقتولين رميًا بالرصاص، والثامن مصابًا بجروح خطيرة. يشتكي نعيم من كون عشيرته تتعرض للاضطهاد، على الرغم من قتالها العنيف ضد الدولة الإسلامية في الأنبار. 300 عائلة من عشيرته الذين كان يقطنون بالعاصمة رحلوا جميعًا، يقول نعيم.

المشرحة.. شاهد على الجرائم الطائفية

إبان هذا الوقت، عدد الجثامين مجهولة الهوية الموجودة في مشرحة بغداد قد ارتفع، وفقًا لرئيس المشرحة، زياد علي يرى أن هذا دليل على ارتفاع حوادث القتل الطائفي.

رفض الإعلان عن رقم محدد، لكنه قال أنه عوضًا عن استقبال جثمان واحد مجهول الهوية، العدد الآن يتضاعف بحوالي 5 مرات. “كل يوم مختلف، لكن هناك ارتفاعًا” يقول عليّ.

في تصريح حديث، أعلنت الدولة الإسلامية أن 6 من التفجيرات في العاصمة هي انتقامٌ لمقتل النازحين السنّة.

نظام الكفيل، هذه المرة في بغداد
في حين أن التفجيرات والإعدامات خارج نتاج القضاء جعلت التوترات تتفاقم، كان قطاع من الناس في العاصمة احتشدوا لمساعدة النازحين.

في مسجد برهان عدن السني في مقاطعة جامية، أحضر مجموعة من المتطوعين الشيعة موادَّ غذائية لما يقرب من 120 عائلة، الذين يتمتعون بدرجة أكبر من الحرية لكن ما يزال عليهم طلب الإذن قبل مغادرة المبنى الموجودون به. حلقت طائرات الهليوكوبتر على نحو دائري منخفض في أحد الأيام الماضية.

«هذا طبيعي» يقول رمزي جاسم أبو سيف، الذي يدير حملة «للأمان».

تشتكي العائلات أن بعض النازحين قد عادوا من بغداد، حيث يوجد نظام رعاية صارم في المكان، طالبين من العائلات أن يكون لهم كفيل في المدينة ليضمنهم قبل دخولهم.

“يعاملونهم كأنهم ليسوا عراقيين” يقول أبو سيف. تؤكد قوات الأمن أن هذه الإجراءات ضرورية لوقف مسلحي الدولة الإسلامية من التسلل مع الفارين.

“إنه أمر مهم وحساس” يقول قيس الخزعلي، قائد ميليشيات عصائب أهل الحق الشيعية، على خلفية أمر العائلات النازحة في مؤتمر صحفي في جنوبي مدينة النجف.

هذه العائلات تم تهديدها، وواجب على كل العراقيين رعايتهم، لكن هناك أيضًا زاوية أمنية، هذه المقاطعات يقطنها الكثير من مقاتلي داعش” يقول الخزعلي، “من الوارد قدوم متسللين معهم، ليس من الصحيح معاقبة الأبرياء، لكن هناك ضرورة لوجود نقاط أمنية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد