سلَّطت شبكة «سي إن إن» الأمريكية الضوء على تقسيم إنجلترا بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمعروف بـ«البريكست»، في الوقت الذي أعُلِن فيه فشل المحادثات بين الحكومة البريطانية وحزب العمال حول اتفاق الخروج، واستقالة رئيسة الوزراء تيريزا ماي.

استهلَّت الشبكة الأمريكية تقريرها بالإشارة إلى عبارة «ويلن هول رائعة»، المكتوبة بحروفٍ كبيرة على جدران سوبر ماركت في مدينة «ويلن هول» السوقية في وسط إنجلترا. ونقلت عن مواطنٍ مقيم بالمنطقة يُدعى روجيه ويلكوكس قوله: «إذا كان عليك أن تضع عبارة على الجدار، فالأدقّ أن تكتب: ويلن هول ليست رائعة. فليس عليك أن تُقنِع نفسك بعكس ذلك».

بحسب التقرير، تبعُد هذه المدينة الصغيرة 15 ميلًا شمال غرب برمنغهام في منطقة بلاك كانتري بإنجلترا، وهي منطقة يقول البعض إنَّها سُميت باسم الدخان الناتج عن انفجار المصانع والمناجم والمطاحن في بريطانيا أثناء الثورة الصناعية. وتُمثِّل مركز صناعة الأقفال البريطانية، التي كانت تتطلب مهاراتٍ تتوارثها الأجيال ويعمل بها آلاف الأشخاص. غير أنَّها اندثرت بعد تراجُعها في أواخر الثمانينيات، عندما أصبح استيرادها أرخص وأغلِقت العديد من الشركات.

«الإندبندنت»: بعد الانسحاب..هكذا ستتعامل بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بعد 10 سنوات

وأوضحت الشبكة الأمريكية أنَّ هذا التراجع أثَّر في سُكان المنطقة، وتسبَّب في الاستغناء عن مهاراتهم العديدة التي بات يُنظر إليها بين عشيّةٍ وضُحاها على أنَّها زائدة عن الحاجة، ما تسبَّب بدوره في تباطؤ نمو البلدة.

تقع البلدة في منطقة والسال، وتُعد واحدةً من المناطق الأكثر حرمانًا في إنجلترا، إذ يُعاني سُكانها من تدهورٍ في الصحة وارتفاع مُعدّلات البطالة مُقارنةً بالمناطق الأخرى من البلاد. وصوَّتت بنسبة 67% لمُغادرة الاتحاد الأوروبي في استفتاء البريكست عام 2016.

وساهمت والسال الشمالية، وهي الدائرة الانتخابية لبلدة ويلن هول، بأقل عددٍ من التوقيعات على العريضة المطالبة بإلغاء المادة 50 من الدستور الإنجليزي في مارس (آذار) الماضي، والتي كانت تدعو إلى بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي.

وبحسب الشبكة الأمريكية، هذه العريضة تسبَّبت في انهيار الموقع الإلكتروني للبرلمان البريطاني مِرارًا وتكرارًا بسبب شعبيتها الكبيرة، وتصدَّرت عناوين الصحف مع اجتذابها أكثر من 6 مليون توقيع.

ووقّع 1900 شخصٍ فقط من السكان المحليين في والسال الشمالية على العريضة، فيما صوَّتت مدينة بريستول في جنوب غرب البلاد بنسبة 61.7% للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وطالب أكثر من 37 ألفًا من الدائرة الانتخابية لغرب بريستول بإلغاء البريكست.

وترى الشبكة الأمريكية أنَّه رغم فشل العريضة، فإنَّ تبايُن عدد التوقيعات خير دليل على وجود انقسامٍ منذ زمنٍ بعيد داخل إنجلترا، لكنَّه ظهر على السطح بعد استفتاء البريكست.

البريكست «بلور» الانقسام في إنجلترا

تُشير الشبكة إلى أنَّ العديد من البريطانيين ينظرون إلى أنفسهم الآن إما راحلين عن الاتحاد الأوروبي أو باقين فيه، وهو ما يعود إلى ما يُعرف بـ«هوية بريكست»، التي عزَّزت الانقسامات القديمة في جميع أنحاء المجتمع البريطاني، وزادت الفروق على أساس الطبقة، والعُمر، والقيم، والجغرافيا.

Embed from Getty Images

ونقلت الشبكة الأمريكية عن ويل جينينجز، أستاذ العلوم السياسية والسياسة العامة بجامعة ساوثهامبتون، قوله إنَّ هذه الانقسامات باتت أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى. وعزا ذلك جزئيًا إلى أنَّ لندن لا تزال تُهيمن على المملكة المتحدة، فضلًا عن أنَّ المدن الصناعية البريطانية، التي يتركّز العديد منها في وسط وشمال البلاد، وجدت صعوبةً في التكيّف بعد التراجع الاقتصادي والديموغرافي طويل المدى.

شبَّه جينينجز الاختلاف بين المدن الرئيسية والمُدن الأصغر في بريطانيا بالفروق العُمرية الكبيرة بين سُكانها، مُشيرًا إلى أنَّه على مدى الأعوام الثلاثين الماضية، شاخت المُدن الإنجليزية الصغيرة، في حين أصبحت مُدنٌ مثل بريستول أصغر وأصغر سنًا.

وأشار إلى أنَّ اختفاء مهنٍ رئيسية في بلداتٍ مثل ويلن هو جعلها تفقد معظم الوظائف، مع انتقال الشباب ذوي الخبرات والمؤهّلات المهنية إلى المدن الكُبرى.

ويعتقد جينينجز أنَّ البريكست «بلور» الانقسام في إنجلترا، الأمر الذي ساهم في تأجيج «سياسات الاستياء أو ردود الفعل الثقافية؛ نظرًا للتبايُن الشديد في وجهات نظر الأفراد الذين يعيشون في مناطق مُختلفة داخل البلد الواحد».

«الأرض المنسية»

بحسب التقرير، يعتقد ويلكوكس، الذي عمل ضابطًا للشرطة في ويلن هول لمدة 30 عامًا، بأنَّ المدينة صوَّتت بشدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي لأنَّ سُكانها يشعرون وكأنَّها «أرضٌ منسيّة». وقال إنَّ سكان البلدة يشعرون بأنَّهم الشيء الأخير الذي يؤخذ في الاعتبار، أو رُبما لا يُنظر إليه على الإطلاق، عند تغيير السياسات. وبالنسبة لهم، يبدو المُستقبل وكأنَّه أمر يحدث في مكان آخر.

وأضاف: «يُنظر إلى منطقتيّ بلاك كانتري وميدلاندز بإنجلترا، منذ زمنٍ طويل، على أنَّهما خارج ركب التطور. أتذكر أنَّ زوجتي كانت تقول لي عندما كانت تعمل في لندن في شارع أوكسفورد إنَّ إرسال مندوبٍ ما إلى ويست ميدلاندز كان يُعتبر عقابًا».

وأشارت الشبكة أيضًا إلى رأي مايك باتشيلور، وهو مدير مشروع في متجر خيري محلي. أفاد باتشيلور بأنَّ سُكان البلدة يطلقون عليها الآن «بلدة المُسافرين»، إذ لا توجد فيها صناعات رئيسية ويُسافر سُكانها إلى بلداتٍ أو مدن أكبر قريبة للعمل. وأوضح أنَّ الأشياء بدأت تأخذ منحًى مختلفًا عندما أغلقت المصانع البريطانية أبوابها بعد الركود في أواخر عام 1980.

وشرح باتشيلور: «في البداية كان بإمكان الناس الانتقال من صناعة هندسية إلى أخرى بفضل المهارات القابلة للنقل، لكن مع إغلاق المزيد من المصانع الهندسية وتغيُّر الصناعات التحويلية أو توجهها إلى الخارج، لم تعد هناك حاجة إلى المهارات العملية». وتابع «المنطقة نفسها بدأت تشعر بالإحباط، وليس الأفراد فقط، لأنَّ المُجتمع برُمّته كان يتغير».

Embed from Getty Images

وحسبما ذكر التقرير، يتذكّر باتشلور كيف كان الشارع الرئيسي يعُجّ بالحركة في الستينيات، عندما كان عمال المصانع، وجميعهم من السُكان المحليين، يتدفّقون إلى الشارع والسوق. فيقول: «كان عليك أن تجد طريقة لتسير بين الناس»، في إشارةٍ إلى شدة الزحام.

وأوضح أنَّه بينما لا يزال السوق يعمل، على نطاقٍ أصغر، لا يوجد سِوى عددٍ قليل من المتاجر الأصلية في الشارع الرئيسي. فُتِحَت متاجر جديدة بالفعل، لكنَّ عديدًا منها معروضٌ للإيجار. وأُغلق مركز شرطة «ويلن هول»، ومحطة القطار، ومكتب البريد بالمدينة.

وقال ويلكوكس: «إنَّها تلك الأشياء الصغيرة التي فقدت المدينة روحها بعد اندثارها. لقد فقدنا أجزاءً كبيرة من هويِّتنا».

فبحسب الشبكة، خسارة شيءٍ بحجم محطة قطار من شأنه أن يحول بشكلٍ كبير دون الفرص الاقتصادية. وقال جينينجز عن ذلك: «ما نراه هو أنَّ الجغرافيا والاتصال أصبحا مُهمين في المجتمع العالمي أكثر من أي وقتٍ مضى»، مُضيفًا أنَّ موقع الشخص وطريقة اتصاله بالأشياء ضروريان للفرص الاقتصادية وخدمات الدعم على حدٍ سواء.

ونتيجةً لذلك، انتقل الشباب إلى المدن بحثًا عن فرصٍ أفضل، و«لا ينوون العودة مُجددًا». وهو الأمر الذي توضِّحه الإحصاءات الديموغرافية لبلدة ويلن هول. فبحسب الإحصاءات، كان هناك انخفاضٌ بنسبة 32٪ في عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 24 عامًا أو أقل، مقابل زيادة بنسبة 45٪ في عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا خلال الأعوام الثلاثين الماضية. وتقول الشبكة الأمريكية إنَّ هذا مجرد مثال واحد على ما يجري للمدن الصغيرة في جميع أنحاء بريطانيا.

«نسيج من 12 مدينةً منفصلة»

في الوقت نفسه، تُشير الشبكة الأمريكية إلى أنَّ المدن البريطانية الكبيرة أصبحت أصغر سنًا وأكثر تنوّعًا. إذ باتت مدينة «بريستول» ثاني أكثر المدن اكتظاظًا بالسكان في جنوب إنجلترا، بتِعدادٍ سُكاني يبلغ حوالي 460 ألف نسمة، وأُعلِنت أفضل مكانٍ للعيش في المملكة المتحدة عام 2017 في صحيفة «صنداي تايمز».

وقال مارفين ريس، عُمدة المدينة: «لدينا مزيجٌ من الأشياء المُختلطة في بريستول؛ فهي مدينة دولية، وجامعة على مستوى عالمي، وقِطاع إبداعي مُزدهر آخِذ في النمو».

وبحسب الشبكة، من خلال نُزهةٍ قصيرة بالسيارة من محطة القطار الرئيسية في بريستول، يظهر بوضوح مدى انتقائية المدينة، التي تحمل كل منطقة بها طابعًا مُميّزًا. فهناك مركز للتسوق، ومرفأ أُعيد تطويره، ومتاجر راقية، ومنازل جميلة على الطراز الجورجي، ويُزين فن الجداريات الشوارع.

ويقول سام هيكموت، العضو بمجموعة سياسية موالية للاتحاد الأوروبي في بريستول، إنَّ «المدينة أشبه بـ12 مدينة منفصلة تمامًا نُسجت معًا»، موضّحًا أنَّ بريستول لم تعُد فقط مصدر جذب بالنسبة للمُهاجرين الدوليين، لكنَّها أيضًا تمتلك أعلى مُعدّلات الهجرة الداخلية في المملكة المتحدة.

وقال ريس: «كلما أصبحت المدينة أكثر إثارة وإبداعًا وابتكارًا وتنوعًا، اجتذبت مزيدًا من الأشخاص للاستثمار فيها وتنميتها».

نموذج مُصغّر من إنجلترا

بخلاف الإيجابيات العديدة التي تتمتّع بها مدينة بريستول على نحوٍ يُساعد اقتصادها على الازدهار، تُشير الشبكة الأمريكية إلى أنَّها تُعاني عدم المساواة.

إذ قال جيننجز: «هُناك أجزاء من المدينة شديدة الاتصال بالمركز، وأخرى هامشية تقع على أطراف بريستول، وتظهر فيها نفس أنواع الديناميات [كما المدن] لكن على مستوى جزئي».

Embed from Getty Images

من المناطق المحرومة بحسب الشبكة منطقة هارتكليف، وهي ضاحية على بُعد خمسة أميال فقط جنوب وسط مدينة بريستول، يتكون أغلبها من المساكن العامة وتعاني أكبر مستويات الحرمان في المدينة، وصوَّتت هي الأخرى لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

تُشير الشبكة الأمريكية إلى أن الرجال يموتون في هذه الضاحية مُبكرًا بنحو 10 سنوات في المتوسط عن أولئك الذين يعيشون في حي هوتويلز بالقرب من وسط المدينة. وتقل احتمالية التحاق الشاب بالتعليم العالي في هذه الضاحية.

وبحسب التقرير، اختبر عُمدة بريستول عدم المساواة بشكلٍ مُباشر وهو طفل صغير. فيتذكر ريس: «مرّت علي فترات شعرتُ خلالها ببالغ الأسى، فكنتُ أرى كل هذا الازدهار والرخاء، وأعلم أنَّه لم يكُن مُقدّرًا لي. لقد عشت مُهمشّا بطرقٍ شتّى في بريستول، ومع ذلك، صوَّتت لي هذه المدينة في نهاية المطاف لأكون عُمدة».

ونتيجة للحرمان الذي عانى منه الكثيرون في جميع أنحاء البلاد، يرى ريس أنَّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يحل المشكلات القائمة. وقال إنَّ «المشاكل الحقيقية هي تلك الأمور التي يذكرها الناس، والبريكست لن يحلها. مُهندسو البريكست لا يملكون سجلًا حافلًا بالحلول للحدّ من الفقر والإدماج الاجتماعي، وتمكين الأشخاص الذين همَّشهم النظام السياسي».

واتفق معه جينينجز، قائلًا «بدون أن يحدث تغييرٌ جوهري في النموذج الاقتصادي القائم على تكتّل مناطق المدن، فمن غير المُرجّح أن يختفي هذا التقسيم، بصرف النظر عما سيؤول إليه البريكست. وسنستمر في رؤية نفس أشكال الضغط التي تقسم المناطق».

ومع ذلك، لا يزال ويلكوكس متفائلًا رغم تردِّي أوضاع ويلن هول. ويقول في ختام تقرير الصحيفة: «ما دام الاقتصاد مستمرًا في النمو، سوف يستفيد المواطنون في نهاية المطاف، وسيصل إلى أماكن مثل ويلن هول».

عالقون في المنتصف.. لماذا لم تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رغم «بريكست»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد