كتب ماكس بيراك مدير مكتب «واشنطن بوست» في نيروبي تقريرًا حول التغلغل الصيني في أفريقيا، مستشهدًا بدولة جيبوتي باعتبارها نموذجًا مصغرًا يكشف المدى الذي وصلت إليه الاستثمارات الصينية في القارة السمراء، مقارنًا ذلك بحِزم المساعدات التي ضخها الغرب لتسهيل الصفقات التجارية والأمنية مع الدول الأفريقية، ولكنها لم تؤد إلى تطوير هذه البلدان حتى جاءت الصين. 

ووجه الكاتب تحذيرات إلى واشنطن من أن النفوذ الصيني الراسخ في أفريقيا يمكن أن يحول دون وصول الأمريكيين إلى أماكن كثيرة في القارة، وربما يحول دون دخولهم إلى قواعدهم العسكرية نفسها في دولة مثل جيبوتي. ويستهل الكاتب مقاله بقوله: «في هذا البلد صغير المساحة ذي الموقع الاستراتيجي، باتت علامات التواجد الصيني واضحة في كل مكان».

أكبر ميناء في أفريقيا وخط سكك حديد إثيوبيا

ويشير الكاتب إلى أن «الكيانات الصينية في جيبوتي قامت بتمويل وبناء أكبر ميناء في أفريقيا، وخط سكة حديد يصل إلى إثيوبيا، وأول قاعدة بحرية خارج الصين في تلك الدولة. وتحت سطح البحر، يقوم الصينيون أيضًا بتثبيت كابل لنقل البيانات عبر منطقة تمتد من كينيا إلى اليمن. سيتصل الكابل بمركز للإنترنت يضم خوادم يدار غالبيتها من قبل شركات الاتصالات المملوكة للدولة في الصين».

Embed from Getty Images

رئيس جيبوتي يقابل الرئيس الصيني – بكين

وتمثل استثمارات بكين الواسعة في جيبوتي نموذجًا مصغرًا للكيفية التي اكتسبت بها الصين بسرعة موطئ قدم استراتيجي عبر أنحاء القارة السمراء. وبينما استخدمت الدول الغربية، ومن بينها المستعمرون السابقون لأفريقيا، حزم المساعدات الضخمة لتعزيز الصفقات التجارية والأمنية لعقود من الزمن، فإن المشروعات التي تمولها الصين جلبت تنمية ضخمة للبنية التحتية في أقل من جيل واحد، حسبما يؤكد المقال.

يوضح الكاتب أن تمويل الجانب الأكبر لأعمال البناء يأتي عن طريق الإقراض من البنوك الحكومية في الصين. وبذلك انتشرت الطرق التي مهدتها الصين عبر القارة، إلى جانب الجسور الضخمة والمطارات الجديدة والسدود ومحطات الطاقة باعتبارها جزءًا من مبادرة الحزام والطريق التي وضعها الرئيس الصيني شي جين بينج والتي تشمل 152 دولة.

استثمارات الصين تبلغ ضعف الاستثمارات الأمريكية

إجمالًا، استثمرت الشركات الصينية من الأموال ما بين عامي 2014 و2018 في الدول الأفريقية ضعف ما استثمرته الشركات الأمريكية، إذ أنفقت 72.2 مليار دولار، وفقًا لتحليل أجرته شركة إرنست أند يونج Ernst & Young.

وقال ديفيد شين وهو سفير سابق للولايات المتحدة في إثيوبيا وكان أيضًا مسؤول مكتب جيبوتي في وزارة الخارجية منذ الستينيات: «يخطط الصينيون للاستثمار على المدى الطويل في جيبوتي وأفريقيا بصفة عامة. وتعد جيبوتي حلقة مهمة في سلسلة اقتصادية تمتد عبر الحافة الشمالية للمحيط الهندي، من موانئ كمبوديا إلى سريلانكا إلى باكستان. لديهم خطة استراتيجية كبرى. نحن ليس لدينا مثل هذه الخطة».  

في جيبوتي، أصبحت هذه الخطة الاستراتيجية أكثر وضوحًا بسبب موقع البلاد عند مدخل البحر الأحمر، حيث يمر حوالي 10 في المئة من صادرات النفط و20 في المئة من البضائع التجارية عبر المضيق الضيق قبالة ساحل جيبوتي في طريقها من وإلى قناة السويس.

جعل هذا الموقع جيبوتي نقطة انطلاق مهمة للكابلات الموجودة تحت سطح البحر، التي تنقل البيانات بين القارات. وتأتي هذه الاستثمارات الصينية في البنية التحتية للإنترنت في الوقت الذي بدأت فيه المنطقة المحيطة بجيبوتي في الدخول إلى عالم الإنترنت، بما في ذلك بعض الأماكن التي تعتمد كليًّا على جيبوتي باعتبارها نقطة عبور لنقل البيانات.

وقال حبيب داوود عمر وهو مهندس يدير الموقع: «أنت هنا (غرفة صغيرة بها ثلاثة خوادم) تنظر إلى كل الإنترنت الموجود في أرض الصومال»، في إشارة إلى منطقة الحكم الذاتي الواقعة في شمال الصومال. وفي غرفة أخرى، يمكنك أن تنظر إلى «كل الإنترنت في اليمن». بينما يمر 90 في المئة من إنترنت إثيوبيا القوية، والتي لا تطل على ساحل، عبر الغرفة الرئيسية.

وجود الصين يخفف اعتماد الدول الأفريقية على الغرب في التنمية

وجود الصين الذي يحدث تحولًا على العديد من الجبهات أدى إلى تخفيف اعتماد العديد من الدول الأفريقية على الحكومات الغربية في تحقيق التنمية.

ويلفت الكاتب إلى أن القروض الصينية التي تحصل عليها دول أفريقية تأتي دون اشتراطات بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، على النقيض من القيود التي تصاحب المساعدات الأمريكية في كثير من الأحيان. فيما ساعد تغلغل الصين في وصولها إلى الموارد المعدنية الحيوية، والسوق الواسع المتعطش لسلعها الرخيصة والذي يقع في قلب خريطة العالم، والدعم الموثوق به (من الدول الأفريقية) في مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة.

لكن منتقدي القروض الصينية يزعمون أنها تقود الدول الضعيفة النامية إلى «مصائد الديون»، التي تستنزف خزائن الحكومة وتلزم أجيالًا من دافعي الضرائب بفواتير ضخمة، أو تستحوذ البنوك الصينية على ملكية الأصول الاستراتيجية الرئيسية التي شيدتها. مثلما تستحوذ بكين الآن على أكثر من 70 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لجيبوتي.

غير أن الحكومات الأفريقية نفت بشدة إمكانية حدوث  عمليات استحواذ مثل هذه، على الرغم من سابقة حدثت مؤخرًا في سريلانكا، حيث سُلِّم ميناء يتمتع بموقع استراتيجي للشركة الصينية التي مولت بناءه.

مبادرة ازدهار أفريقيا الأمريكية

ويتابع الكاتب أن إدارة ترامب سعت إلى مواجهة نفوذ الصين المتنامي بدفع استثماراتها الخاصة، عن طريق مبادرة تحمل اسم «ازدهار أفريقيا» Prosper Africa، على الرغم من أن الاستثمارات المتوقعة ستكون ضئيلة للغاية مقارنة بالقروض الصينية. في جيبوتي، حتى قائد القوات المسلحة الأمريكية في أفريقيا طالب – وإن يكن بشكل غير مباشر – توخي قدر أكبر من الحذر في التعامل مع الصين.

وقال الجنرال ستيفن ج. تاونسند في زيارة لجيبوتي هذا الصيف: «نتطلع إلى بناء علاقات دائمة، وليس علاقات قصيرة الأجل، ولا علاقات خاصة بالمعاملات. نحن نقود بقيمنا، والعمل الجاد والرغبة في تعزيز شراكتنا في القارة الأفريقية».

القاعدة الرئيسية الأمريكية بأفريقيا موجودة في جيبوتي

ولفت الكاتب إلى أن القاعدة الرئيسية للجيش الأمريكي في أفريقيا، التي تضم أربعة آلاف جندي وأسطولًا من الطائرات بدون طيار، موجودة في جيبوتي منذ عقدين. ودفعت الولايات المتحدة بشكل أساسي مئات الملايين من الدولارات إيجارًا لقاعدتها، حيث تقوم بمحاولات غير منتظمة لإضعاف حركة الشباب في الصومال المجاورة، لكنها لم تفعل شيئًا آخر لتطوير البلد.

وفي حين أن العديد من الحكومات الأفريقية، من بينها جيبوتي، عبرت عن أملها في مزيد من الاستثمارات الأمريكية، فإن بكين تضع أموالها في مكانها الصحيح، وقد تحولت الحكومات الأفريقية التي تعاني من ضائقة مالية إلى الشرق في حالة شبه موحدة. يستضيف الزعيم الصيني الآن منتدى سنويًا حول التعاون الصيني الأفريقي، يحضره جميع رؤساء دول أفريقيا تقريبًا البالغ عددهم 54 رئيسًا. وعند إطلاق مبادرة ازدهار أفريقيا في موزمبيق هذا العام، فشلت الولايات المتحدة حتى في إرسال وزير من الحكومة.

مسؤول: جيبوتي كانت بحاجة إلى البنية التحتية

قال محمود علي يوسف، وزير الشؤون الخارجية في جيبوتي، في مقابلة عبر الهاتف على هامش اجتماع عقد في نيويورك في وقت سابق من هذا الشهر، حول دفع جيبوتي للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: «نعم، ديوننا للصين تبلغ 71 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، لكننا كنا بحاجة إلى تلك البنية التحتية».   

وأضاف: «كان من الطبيعي أن نرفع من مستوى شراكتنا مع الصين. إذ لم تكن أوروبا ولا أمريكا على استعداد لبناء البنية التحتية التي نحتاجها. نحن ندفع ببلادنا إلى المستقبل ونعتني برفاهية شعبنا. حتى الولايات المتحدة عليها ديون قيمتها تريليونات الدولارات للصين، كما تعلمون».

قرية علي صبيح جنوب جيبوتي

ميناء دوراليه الأكبر والأعمق في أفريقيا

ويلفت الكاتب إلى أن «أهم استثمار قامت به الصين في جيبوتي هو ميناء دوراليه، وهو الأكبر والأعمق في أفريقيا. كما هو الحال مع الإنترنت من خلال مركز البيانات، فإن 90 بالمئة من واردات إثيوبيا، البلد التي لا سواحل لها، تمر الآن بجيبوتي، مما يمنح البلد الصغير، الذي يبلغ عدد سكانه أقل من مليون نسمة، نفوذًا على جارته العملاقة التي يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة».

ولا يقتصر الأمر على سيطرة البنوك الصينية على أكبر ميناء في أفريقيا، بل إن الشركات الصينية هي أيضًا الجهات الرئيسية التي تستخدمه. وحول هذا الأمر، قال أبو بكر عمر هادي، رئيس هيئة الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي: «غالبية الشحن لدينا قادم من الصين».

المفارقة بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة هي أن النظام السياسي الصيني المستبد، الذي يتعرض للكثير من القدح في واشنطن، هو الذي يمنح بكين اليد العليا في المنافسة الاقتصادية. ومن المفارقات المحلية الإضافية لصانعي السياسة الأمريكيين أن الولايات المتحدة رحبت في البداية بوجود الصين في جيبوتي باعتبارها جزءًا من قوة دولية لهزيمة القرصنة المتفشية في المنطقة. وكل استثمارات الصين تقريبًا في جيبوتي جاءت بعد انتهاء تلك المهمة.

وقال جوشوا أيزنمان، الخبير في شؤون الصين بجامعة نوتردام: «ترتبط التجارة والاستثمار والسياسة والجيش ارتباطًا وثيقًا بسياسة الصين الخارجية، هذا هو الحال في ظل الحزب الشيوعي».

البنوك الأمريكية تتحاشى المخاطرة في أفريقيا

وأضاف أيزنمان أن البنوك الأمريكية تتحاشى المخاطرة بدرجة لا تسمح لها بتقديم القروض الكبيرة التي تقدمها البنوك الصينية المملوكة للدولة في أفريقيا. وعلى نحو خاص، في ظل إدارة متشددة تجاه مواجهة الصين على الساحة العالمية، هناك خوف من أن الصين قد تستخدم يومًا ما نفوذها لعرقلة وصول الأمريكيين، في أماكن مثل جيبوتي، إلى قواعدهم الخاصة بهم، حسبما يحذر المقال.

وقال شين، السفير الأمريكي السابق: «لدى الصين أدوات لا تملكها الحكومة الأمريكية؛ أي: التمويل المدعوم من الحكومة للقروض. لا يهمني ما يقوله ترامب. التجارة الأمريكية في أفريقيا تتهاوى. السياسة الخاصة بأفريقيا برمتها يعتريها هذا العيب المحوري».

تعليم

منذ سنة واحدة
هل تصبح اللغة المندرينية الصينية لغة المستقبل في أفريقيا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد