يتحدَّث المُرشَّح الرئاسي بيرني ساندرز عن عدم المساواة الاقتصادية طوال الوقت، وهي رسالة رنَّانة ذات صدى، فليس عليك أن تكون اشتراكيًا لكي تقلق بشأن الانقسام بين الأغنياء والفقراء؛ إذ يدَّعي العديد من الأمريكيين ذوي الانتماءات السياسية المختلفة انزعاجهم الشديد من عدم المساواة الاقتصادية، ويقول العديدون: إنَّهم يدعمون التغييرات التي قد تُحقِّق المزيد من التوزيع المتساوي للدخل والثروة.

ولكنَّ الفيلسوف هاري فرانكفورت في كتابه المنشور حديثًا: «عن عدم المساواة»، يقول: إنَّ المساواة الاقتصادية ليست لها قيمة جوهرية في ذاتها. هذا ادِّعاء أخلاقي، ولكنَّه ادِّعاء فلسفي أيضًا، يقول فرانكفورت: إنَّ الناس إذا أخذوا وقتهم في التأمُّل، سيُدرِكون أنَّ عدم المساواة، ليس هو ما يزعجهم حقًّا.

قد ينزعج الناس ممَّا يرون أنَّه أسباب ظالمة لعدم المساواة الاقتصادية، وهي مسألة منطقية تمامًا بالنظر إلى مدى تحدُّد دخلك وثروتك بظروف الميلاد، بما فيها مقدار ما كان يمتلكه أبواك من مال، وجنسك، ولون بشرتك. كما تزعجنا أيضًا العواقب المُحتمَلة لعدم المساواة الاقتصادية، ربما نعتقد أنَّه يُفسِد الديمقراطية أو يُزيد الجرائم أو يُقلِّل السعادة العامة. ويقلق الناس أكثر بشأن الفقر، ليس لأنَّ البعض يمتلكون أقل منهم، ولكن لأنَّ «أولئك الذين يمتلكون أقل يمتلكون القليل جدًا».

يقول فرانكفورت إنَّ عدم المساواة في ذاته لا يزعجنا، ويشير إلى أنَّ القليلين يقلقون بشأن عدم المساواة بين الأغنياء جدًا والموسرين جدًا، برغم أنَّ الاختلافات المطلقة والنسبية بينهما قد تكون أكبر من تلك التي بين الموسرين إلى حدٍ ما والفقراء. فالعالم الذي يعاني فيه الجميع من فقر مدقع سيكون عالمًا يتحلَّى بالمساواة التامة، ولكن لن يُفضِّل هذا العالم على العالم الذي نعيش فيه الآن سوى قليلين، ومن ثم فإنَّ «المساواة» لا يمكن أن تكون هي ما نُقدِّره حقًّا.

قد تكون بعض حُجج فرانكفورت متخصِّصة، ولكن ليس من الصعب التفكير في حالات يُزيد فيها التركيز الخاطئ على المساواة من سوء العالم، ومثالي المُفضَّل هو وصف الكوميدي لويس سيكيلي لما حدث عندما انكسرت لعبة طفلته ذات الأعوام الخمس وطالبته بكسر لعبة أختها، وهو ما سيُساوي بينهما، فيقول: «وقد فعلتُ ذلك، كنت أوشك على البكاء، ونظرتُ إليها، ووجدتُ على وجهها ابتسامة مخيفة».

هل يمكن أن يكون فرانكفورت مُحقًّا فعلًا في أنَّ الناس لا يُقدِّرون المساواة الاقتصادية في ذاتها؟ يؤمن العديد من الباحثين بالعكس، فيُلخِّص عالِم الرئيسيَّات فرانس دي وال رؤية شائعة ويقول: «كان روبن هود مُحِقًّا، فأعمق أمنيات البشرية هي نشر الثروة».

وممَّا يدعم رأي دي وال أنَّ الباحثين قد وجدوا أنَّك إذا طلبت من أطفال توزيع بعض الأشياء على أشخاص غرباء، يتحيَّزون بشدَّة إلى القسمة المتساوية، حتى في المواقف القصوى. قال عالما النفس آليكس شو وكريستينا أولسن، لأطفالٍ تتراوح أعمارهم بين السادسة والثامنة: أنَّ هناك طفلين؛ دان ومارك، قد نظَّفا غرفتيهما وسيُكافآن بمماحٍ، ولكن كانت هناك خمس مماحٍ فكان من المستحيل القسمة بينهما بالتساوي. قال الأطفال إنَّه على المُختبِر إلقاء الممحاة الخامسة بدلًا من القسمة بغير تساوٍ، وقالوا ذلك حتى في حالة إمكانية إعطاء الممحاة إلى دان أو إلى مارك دون معرفة الآخر، فلم يكُن ذلك حتى خوفًا من إثارة الغضب أو الحقد.

قد يبدو أنَّ هذه الاستجابة تعكس رغبةً متأجِّجة في المساواة، ولكنَّها على الأرجح تعكس تمنِّيًا بالعدالة. فيجب مكافأة دان ومارك بنفس القدر فقط؛ لأنَّهما قاما بنفس العمل، ولذا عندما قال شو وأولسن للأطفال «لقد قام دان بعملٍ أكثر من مارك»، كانوا مرتاحين إلى حدٍ ما إلى إعطاء دان ثلاث مماحٍ وإعطاء مارك اثنتين. بمعنى آخر، لم يضايقهم عدم المساواة، طالما كان الأمر عادلًا.

وفي بحثٍ تحت إشراف مارك شيشكين شاركتُ فيه بجامعة ييل، وجدنا أنَّ الأطفال الأصغر سنًّا في الحقيقة لديهم انحيازًا ضد المساواة، فيُفضِّلون القسمة التي يحصلون فيها على ميزة نسبية على تلك التي يحصل فيها الجميع على نفس الحصة. فالأطفال يُفضِّلون على سبيل المثال أن يحصلوا على شيءٍ واحد ولا يحصل طفلٌ آخر على أي شيء على تسويةٍ يحصل فيها كلٌ منهم على شيئين.

تتداخل هذه النتيجة تمامًا مع ما قد وجده علماء النفس الآخرون، وما قد لاحظه العديد من الآباء؛ فعندما توزَّع الحلوى، يشكو الأطفال بشدَّة إذا حصلوا على أقل من الآخرين، بينما يكونون مرحين للغاية إذا حصلوا على أكثر منهم. تتصرَّف الرئيسيات الأخرى على نفس النحو، فالقرود يستمتعون بالخيار ويكونون سعداء إذا حصلوا على واحدة، ولكن إذا حصلوا على واحدة بعد أن رأوا قردًا آخر يحصل على العنب – الذي تحبه القرود – يصابون بالجنون، أمَّا القرد الذي حصل على العنب على الجانب الآخر، فيكون مرتاحًا تمامًا بالميزة النسبية التي حصل عليها.

يأتي نوعٌ آخر من الحُجج الداعمة للانحياز الطبيعي إلى المساواة من ملاحظات المجموعات صغيرة الحجم، والتي تبدو مساواتية حقًّا. في المجموعات الصغيرة تُوزَّع البضائع بالتساوي تقريبًا، ويُعتنَى بالضعفاء، وتكون سلطة القادة محدودة، فهي تشبه كثيرًا حركة «احتلوا وول ستريت».

من المغري رؤية سلوكيات الجماعات الصغيرة بأنَّها تعكس تفضيلًا طبيعيًّا ما للمعاملة المتساوية، ولكن عالم الأنثروبولوجيا كريستوفر بويم؛ الذي درس هذه المجموعات على نطاقٍ واسع، يحكي قصةً مختلفة. فيقول: إنَّ هذه البنى المساواتية تظهر لأنَّه ليس هناك من يرغب في أن يتضرَّر، فالأفراد ينتهون في هذه المجتمعات إلى المساواة التقريبية؛ لأنَّ الجميع يكافح من أجل ضمان عدم حصول شخص آخر على سُلطة أكبر عليه. فكما ناقشتُ في كتابي الأخير «Just Babies»، هناك مساواتية خفية تعمل نوعًا ما في هذه المجموعات،

وكتب بويم: «الأفراد الذين سيُطوَّعون في أي ظروفٍ أخرى يكونون أذكياء بما يكفي لتشكيل تحالف سياسي كبير ومتَّحد، لأنَّ التابعين المُتَّحدين يثبِّطون باستمرار من الأفراد الألفا الأكثر حزمًا بينهم، المساواتية هي في الحقيقة نوع غريب من الهيراركية السياسية، فالضعفاء يجمعون بين قواهم لكي يُهيمنوا بفعالية على الأقوياء».

يساعدنا هذا التحليل على فهم سبب وجود مثل هذه الاختلافات الهائلة في القوة في العالم حاليًا، بينما من الأصعب الآن على الضعفاء الاتِّحاد من أجل الهيمنة على الأقوياء. كما يقول بويم، ففي مجتمعٍ صغير يمكن تجاهل مَن يتمنَّى أن يكون ديكتاتورًا أو الاستهزاء به من قبل الجميع، وإن لم يفهم الرسالة، يمكن ضربه أو طرده من المجموعة أو قتله. ولكن هذا الحل من الأصعب تطبيقه في مجتمع من الملايين لم تعُد التفاعلات فيه وجهًا لوجه ويمتلك فيه الأقوياء بنادق ومعسكرات احتجاز.

ما نراه في الدراسات على الأطفال وعلى المجتمعات صغيرة الحجم هو رغبة في العدالة تظهر مُبكِّرًا، وهو بالأخص حافز قوي لعدم الحصول على أقل من أي شخص آخر، ولكنَّنا لا نجد دليلًا واحدًا على أنَّ البشر أو أي نوع آخر يُقدِّر المساواة في ذاتها بصورة فطرية.

عرض الاقتصاديان السلوكيَّان مايكل نورتون ودان آريلي عيِّنات لتوزيعات الثروة على مواطنين أمريكيين، وكان الأشخاص في الخُمس الأسفل قد حصلوا على نسبة «س» من الثروة، وأولئك الذين في الخُمس الذي يعلوه قد حصلوا على نسبة «ص» من الثروة، وهكذا. وجدوا أنَّ الأمريكيين مُخطئين جدًا بشأن مدى عدم المساواة في بلدهم، فهم يعتقدون أنَّ المجموعة السُفلى التي نسبتها 40 بالمئة تمتلك 9 بالمائة من الثروة، والمجموعة العُليا التي نسبتها 20 بالمائة تمتلك 59 بالمئة من الثروة، بينما النسب الحقيقية هي 0,3 بالمائة و84 بالمائة.

كما وجدا أنَّه عندما سُئِل الأمريكيون عن التوزيع المثالي، أرادوا – بغض النظر عن حزبهم السياسي- مجتمعًا أكثر تساويًا بكثيرٍ من الذي يعيشون فيه حقًّا أو يعتقدون أنَّهم يعيشون فيه. في مقال نُشِر في موقع The Atlantic كتب آريلي: «تُفضِّل الأغلبية العُظمى من الأمريكيين توزيعًا أكثر تساويًا للثروة من ذلك الموجود في السويد، والتي تُصنَّف غالبًا بأنَّها تقع إلى أقصى اليسار من حيث الأيديولوجية السياسية، فيعتبرها الليبراليون مجتمعًا مثاليًّا، ويذمّها المُحافِظون بوصفها دولة اشتراكية متجاوزة».

هذه نتائج هامة ولكن تحليل فرانكفورت يدفعنا للتساؤل عمَّا تعنيه حقًّا، يؤكِّد آريلي على أنَّ الأمريكيين يريدون مجتمعًا أكثر تساويًا بكثيرٍ ممَّا يعيشون فيه، ولكن ينبغي الإشارة إلى أنَّهم لا يريدون المساواة فعلًا. وجدت الدراسة أنَّ المبحوثين عندما طُلِب منهم صنع مجتمع مثالي، اختاروا مجتمعًا يمتلك فيه الخُمس الأعلى ثروة تصل إلى حوالي ثلاثة أضعاف ما يمتلكه الخُمس الأسفل.

بالكاد يحلّ هذا الأمر المسألة، ولكنَّه يُحفِّزنا لأخذ شكّ فرانكفورت فيما نريد حقًّا على محمل الجد، وشكّه في أنَّنا نقلق كثيرًا جدًا بشأن الاختلافات النسبية ولا نقلق بما يكفي بشأن العدالة، وفوق ذلك كله، بشأن معاناة الفقراء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد