نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا أعدَّته سابينا نيكسك لوكالة «أسوشيتد برس» تسلِّط فيه الضوء على التحول في الأفكار والسياسات الخاصة بالزعيم السياسي لصرب البوسنة والعضو الصربي في الفريق الرئاسي للبوسنة، والذي تحوَّل من زعيم معتدل إلى انفصالي ينكر الإبادة الجماعية وتلاحقه اتهامات بالفساد، بحسب وصف التقرير

تلفت الكاتبة في مستهل تقريرها إلى أن ميلوراد دوديك كان يُوصَف ذات يوم في واشنطن بأنه «نسمة هواء عليل» مناهض للقومية في مستنقع البلقان الدموي الذي ينضح بندوب الإبادة الجماعية في البوسنة المنقسمة عرقيًّا.

كيف تغير الزمن؟

وأشارت الوكالة إلى أن الزعيم السياسي لصرب البوسنة ميلوراد دوديك، وهو الآن انفصالي ينكر الإبادة الجماعية (التي حدثت في البوسنة عام 1995 وراح ضحيتها  7 آلاف إلى 8 آلاف مسلم بوسني)، تعرض هذا الأسبوع لعقوبات أمريكية جديدة بسبب الفساد المزعوم، ورد دوديك بطريقة نمطية، قائلًا إن الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الغربية «تُشكِّل البوسنة على ذوقها» قد ولَّت منذ أمد بعيد.

وزعم دوديك أن الاتهامات التي تشير إلى أنه جمع ثروة هائلة لنفسه وأقاربه وشركائه عن طريق الفساد هي «أكاذيب صارخة»، كما صرح سابقًا بأن: «الولايات المتحدة قوة عظمى، لكنهم كاذبون كبار أيضًا».

ويؤكد دوديك أن الغرب يعاقبه على مناصرته لحقوق الصرب العِرقية في البوسنة، وهي دولة مختلَّة وظيفيًّا ويبلغ تعداد سكانها 3.3 ملايين نسمة ولم تسترد عافيتها بعد حرب دارت رحاها بين أبناء البلد الواحد في التسعينيات، والتي أصبحت مرادفًا للتطهير العِرقي والإبادة الجماعية.

وبحسب التقرير يتفاخر دوديك بأن العقوبات سوف تساعد الصرب على التحرر من البوسنة والاتجاه إلى مصالحهم مع «أصدقائهم الحقيقيين»؛ روسيا والصين، وأبطال الديمقراطية غير الليبرالية – بحسب وصفه- داخل الاتحاد الأوروبي وصربيا المجاورة.

رئيس البوسنة: من إصلاحي إلى قومي متشدد

وأوضحت الكاتبة أن خريج العلوم السياسية البالغ من العمر 63 عامًا برز لأول مرة في عام 1998 بوصفه إصلاحيًّا معتدلًا، انتُخِب بفارق ضئيل رئيسًا للوزراء لجمهورية صربسكا، وهي إحدى الوحدتين الإداريتين في البوسنة بعد الحرب، وقد حاصرت قوات حفظ السلام بقيادة الناتو المباني الرئيسة التي كانت تحتلها الشرطة الموالية لزعيم صرب البوسنة آنذاك رادوفان كاراديتش، الذي أُدِين في وقت لاحق بارتكائب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في زمن الحرب، وذلك بهدف ضمان تمكين دوديك من السيطرة عليها.

Embed from Getty Images

وبعد فترة وجيزة، التقت به وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، و«شعرت وكأنه نسمة هواء عليل تتطاير في الغرفة»، بحسب المتحدث باسمها في ذلك الوقت، لكن في عام 2001، وبعد خسارته في الانتخابات الرئاسية في جمهورية صربسكا، غيَّر دوديك مساره، وأعاد تقديم نفسه على أنه قومي متشدد وانفصالي، وقد سيطر تدريجيًّا على مستويات حكومة جمهورية صربسكا كافة، وتمكَّن في عام 2009 من طرد القضاة والمدَّعين العامِّين الأجانب من نظام المحاكم في البوسنة، وسط تقارير تفيد بأنه كان يخضع للتحقيق بسبب الفساد وتآكل الديمقراطية.

وقد أنشأت اتفاقات دايتون للسلام المبرمة عام 1995، والتي توسطت فيها الولايات المتحدة وأنهت حربًا سُفِك فيها كثير من الدماء لأكثر من ثلاث سنوات ونصف في البوسنة، كيانين حكوميين منفصلين، وهما جمهورية صربسكا، والأخرى جمهورية فيدرالية هيمن عليها المسلمون البوشناق في الغالب، أكثر من نصف سكان البوسنة، والكروات الكاثوليك، ويرتبط الكيانان بمؤسسات مشتركة على مستوى الدولة، وتتطلب جميع الإجراءات على المستوى الوطني إجماعًا من المجموعات العِرقية الثلاث.

وفي السنوات التي أعقبت الحرب مباشرةً، أبقى المجتمع الدولي البوسنة على مسار الإصلاح، وضغط على قادتها للتخلي عن خطاب الكراهية وقبول التنازلات  مقابل الدعم المالي وغيره من أشكال الدعم، لكن منذ أكثر من عقد مضى، تحول التركيز الدولي إلى أزمات عالمية أخرى. ولم يتبقَّ الآن سوى 600 جندي من أصل 60 ألف جندي من قوات حفظ السلام الدولي التي نُشرت في عام 1995، وقد تُركت البوسنة في الغالب لتواجه مصيرها بمفردها، وباتت عرضة لتزايد نفوذ روسيا والصين وتركيا، وانتشار الفساد والتدهور الاقتصادي.

اتهامات بالفساد

ونوَّهت الكاتبة إلى أن دوديك تصدى على مر السنين لعدد لا يحصى من الاتهامات من جماعات حقوقية وطنية ودولية وجماعات حرية الإعلام، والتي تتهمه بتقييد استقلال وسائل الإعلام وإشاعة خطاب كراهية ضد المعارضين السياسيين من جميع الأطياف العِرقية، ومن المعروف أنه دافع عن موافقة بنك التنمية الإقليمية في عام 2008 على قرض مواتٍ بقيمة مليوني دولار لشركة مملوكة لابنه، قائلًا إن ذلك «كان أفضل من ترك (الشاب) يدمن المخدرات».

ويصعب تقدير صافي ثروة عائلته، لكن دوديك أعلن في عام 2019 عن دخل سنوي وأصول تزيد قيمتها على 1.2 مليون يورو (1.36 مليون دولار)، بما في ذلك فيلا تبلغ قيمتها 800 ألف يورو في العاصمة الصربية بلجراد. ويقول دوديك إن خصومه السياسيين بالغوا في الادعاءات المتعلقة بثروة أبنائه على نحو كبير.

Embed from Getty Images

ورد عليه أحد أعنف هؤلاء الخصوم، دراسكو ستانيفوكوفيتش، عمدة بانيا لوكا، أكبر مدينة في جمهورية صربسكا، بقوله إن العائلة تملك حصصًا في 70 شركة على الأقل، بما في ذلك الشركات التي يملكها «أقاربهم وأصدقائهم وشركائهم التجاريين»، كما يقلل دوديك بانتظام من مذبحة عام 1995 التي ارتكبها صرب البوسنة، والتي راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف رجل وصبي من البوشناق في الجزء الشرقي من سريبرينيتشا، حتى إنه وصفها بأنها «أسطورة ملفقة».

وقد أعرب مرارًا في الشهور الماضية عن أمله في أن يكون الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء المجري الشعبوي، فيكتور أوربان، بمثابة حصن ضد «استبداد» الديمقراطيات الغربية، ورحَّب بحرارة بزعم أوربان في ديسمبر (كانون الأول) أن التحدي الرئيس الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي بشأن البوسنة يتمثل في «كيفية إدارة أمن دولة يعيش فيها مليونا مسلم»، وبعد أن خدم لمدة 15 عامًا بوصفه رئيسًا أو رئيسًا للوزراء لجمهورية صربسكا، انتُخِب دوديك في خريف عام 2019 لرئاسة البوسنة المتعددة الأعراق التي تضم أيضًا مسؤولًا بوسنيًّا وكرواتيًّا.

وأفاد التقرير أيضًا بأن دوديك قاد الصيف الماضي، (بدعم ضمني من موسكو وبلجراد) انسحاب الصرب من المؤسسات الفيدرالية المشتركة المتعددة الأعراق في البوسنة، ومن ثم منع اتخاذ القرار، للاحتجاج على تحرك الممثل السامي الدولي في البوسنة لحظر إنكار الإبادة الجماعية.

ويقول مسؤولو دوديك والصرب الخاضعون لسيطرته إنهم لن يحترموا بعد الآن قرارات الممثل السامي، وهو منصب أنشئ بموجب اتفاق دايتون بصلاحيات واسعة، والتي تشمل فرض قوانين أو إقالة المسؤولين الذين يقوضون التوازن العِرقي الهش في فترة ما بعد الحرب.

وفي هذا الشتاء – بحسب وصف التقرير- كثَّف دوديك حملته الانفصالية، متعهدًا بتشكيل جيش وقضاء ونظام ضريبي حصرًا على الصرب، ووصف البوشناق بأنهم «شعب من الدرجة الثانية» و«متحولون خونة» باعوا «ديانتهم الأصلية (المسيحية الأرثوذكسية) من أجل وجبة عشاء، وختمت الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين والألمان وغيرهم من المسؤولين الغربيين بدأوا في الآونة الأخيرة في اتهام دوديك بإثارة التوترات العِرقية لصرف الانتباه عن ممارساته الفاسدة هو وزمرته، بحسب ما وصف كاتب التقرير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد