تساءل الصحافي روبنسون ماير عما إذا كان ارتفاع درجة حرارة الأرض هو أحد أسباب تزايد الصراعات المسلحة في العالم. وأوضح ماير في مقال له أن بحثًا جديدًا أظهر أدلة على أن تقلبات الطقس قد تشعل المزيد من الحروب، لكن بعض الباحثين شككوا في نتائجه.

وأشار ماير في تقريره لمجلة «ذي أتلانتك» إلى أن بعض المؤرخين ربطوا بين السيول وسقوط روما والحروب العديدة التي شهدها القرن السابع عشر، بل بلغ الأمر حد أن بعض خبراء الاقتصاديين يدّعون أن العلاقة بين تغير الطقس واشتعال الحروب ظهرت قبل آلاف السنين.

كيف أثر المناخ في حركة التاريخ والثورات والحروب؟

يزعم البعض أن الاحتباس الحراري ساهم في اشتعال الحرب السورية، لكن باراك أوباما نفى هذا الأمر في عام 2015، وأكد أن الحالة الاقتصادية الصعبة والقمع هما السبب في الحرب الطاحنة في سوريا. بينما رأى المرشح الرئاسي الأمريكي السابق بيرني ساندرز أن هناك علاقة مباشرة بين انتشار الإرهاب وتغير المناخ.

ويرى ماير أن هذه الفرضيات مثيرة للقلق؛ إذ ثمة توقعات بارتفاع كبير في درجات الحرارة والسيول خلال العقود المقبلة. لكن بحثًا نُشر في مجلة «نيتشر» بهذا الصدد شكك في صحة هذا الكلام؛ حيث إنه «ثمة مبالغة في العلاقة بين الظاهرتين».

بيد أن البحث المذكور لا يقدم أدلة قوية على ما يتناوله. تقول إليزابيث تشاليكي – الباحثة السياسية في جامعة نبراسكا – إنها «غير قادرة على معرفة الهدف من هذا البحث». يتناول البحث موضوعًا تنقسم حوله الآراء بشدة في مجتمع البحوث. فبالنسبة إلى من يدعمون فكرة وجود علاقة بين الظاهرتين، فإن البحث لم يأتِ بجديد أو يسرد أدلة مقنعة. وحتى الرافضون لوجود مثل هذه العلاقة، فإنهم يرون أن البحث تجاهل دراسات عديدة أجريت في هذا الشأن.

من حر خانق إلى برد قارس.. قفزات الطقس تعبر عمّا يفعله الاحتباس الحراري بحياتنا

ينقل ماير عن جان سيلبي – أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ساسكس – قوله إن «البعض سيرى البحث كدليل على وجود علاقة بين تغير الطقس والحروب، ولكن حدث خلاف شديد حول العلاقة بين الظاهرتين، لكنني أرى أن معظم البحوث في هذا الصدد لم تقدم أدلة قوية».

أجرى الباحثون تحليلًا واسع النطاق لمجال بحوث الصراع وبحوث تغير المناخ برمته. وفي سبيل القيام بذلك، نقبوا في قاعدة بيانات أكاديمية عن بعض الكلمات الرئيسة، مثل: المناخ، والحرب، والطقس، والاضطرابات، ثم اختاروا 124 مقالة من بين الآلاف التي تبحث في العلاقة بين الموضوعين. ثم قاموا بتحليل مجموعة الأوراق الناتجة عن أسماء بعض البلدان والمناطق.

مسيرة للتوعية بخطر التغير المناخي. ولاية أوتاوا-الولايات المتحدة. نوفمبر (تشرين الثاني) 2015

بعد ذلك – يضيف ماير – استنتج الباحثون أن المقالات المختارة متحيزة بطريقتين: نحو البلدان التي يسهل على الباحثين الناطقين باللغة الإنجليزية الوصول إليها، مثل كينيا ونيجيريا؛ والبلدان التي اندلعت فيها الصراعات بالفعل، مثل سوريا والسودان. كما أن المقالات تركز كثيرًا على أفريقيا، متجاهلة دولًا في آسيا وأمريكا الجنوبية.

كان من بين البلدان التي أشير إليها في المقالات كينيا والسودان ومصر والهند والعراق وإسرائيل والأراضي الفلسطينية. ولا تحتوي القائمة على أي من البلدان التي ينبغي أن تكون نظريًا الأكثر عرضة لتغير المناخ، مثل رواندا وهندوراس وهايتي وميانمار وجزيرة كيريباتي الصغيرة الواقعة في المحيط الهادئ، لكنها تتشابه تمامًا مع قائمة الدول التي عانت الحروب في آخر ربع قرن.

يتساءل توبياس إيد، وهو مؤلف مشارك في البحث وباحث في معهد جورج إيكرت للبحوث الدولية، قائلًا: «إذا نظرنا إلى الدول التي تعاني العنف، فهل يمكننا أن نتعلم شيئًا عن التكيف السلمي مع تغير المناخ؟ وهل نميل إلى رؤية رابط لأننا نركز فقط على الأماكن التي يوجد فيها عنف في المقام الأول؟».

خطر حقيقي.. هل تعلم كم ارتفعت درجة حرارة القطب الشمالي؟

ويعتقد إيد أن الدراسة تشكك في كل من البحث الكمي والنوعي. يعاني البحث النوعي من «تأثير ضوء الشارع»، وهو الاعتماد المفرط على المستعمرات السابقة الناطقة بالإنكليزية في أفريقيا حيث يسهل إجراء البحوث. (يشير مصطلح تأثير ضوء الشارع إلى البحث عن ظاهرة أو شيء ما فقط في الأماكن الأسهل لملاحظة ودراسة الظاهرة)، ويضيف أن البحث الكمي هو «أخذ العينات من المتغير التابع»، أي أنه يدرس فقط الحرب في الأماكن التي توجد فيها حروب بالفعل.

لكن إيد والعديد من الباحثين الآخرين يعتقدون أن هذه البحوث ستضر في نهاية المطاف بالناس الذين يعيشون في الأماكن التي تجري دراستها. يقول إيد: «يعتقد الناس في السودان وكينيا وسوريا أن تغير المناخ يسبب نزاعًا، وأنه سيسبب مزيدًا من النزاعات في المستقبل بسبب الجفاف والفقر. وهذا سيبعد المستثمرين. إذ لا يريد أحد الاستثمار هناك؛ لأنهم خائفون من هذه الأماكن».

كما أعرب إيد عن قلقه من أن هذا سيشجع الغرب على التدخل في هذه الدول قائلًا: «لا يمكنكم تكفل أموركم بأنفسكم، لذلك علينا التدخل في إدارة مواردكم». وأضاف: «أنا لا أقول إن كل من يركز على تغير المناخ في سوريا أو كينيا يعزز تلقائيًا السلوك الاستعماري، ولكن إذا كان هناك إطار ضام فإنه قد يسهل هذا النوع من التفكير».

يقول ماير إنه سأل إيد عن أماكن هذا النوع من الاستعمار القائم على المناخ؛ فقال: «إذا كان الأمر يتعلق بإثبات أن تأطيرًا أكاديميًا معينًا كان له تأثير على عقلية الناس، أو حتى الإجراءات أو السياسات، فمن الصعب حقًا إثبات هذا تجريبيًا. الناس لا يكتفون بقراءة الدراسات الأكاديمية، بل يشاهدون التلفزيون، ويستمعون إلى أقرانهم»، لكنه قال أيضًا: «إن مكافحة أوروبا للهجرة غير الشرعية كانت مدفوعة جزئيًا بأبحاث المناخ».

وأضاف: «إن فكرة أن تغير المناخ تؤدي إلى الصراع والهجرة في الشرق الأوسط – التي يستخدمها بعض المحافظين وجماعات الضغط والسياسيين في بروكسل لتطبيق ضوابط حدودية أكثر صرامة، مثل عدم إنقاذ [اللاجئين] في البحر الأبيض المتوسط – ما تزال أدلة نظرية، ولكنها قائمة».

يتفق إيد مع مجموعة من الباحثين الذين يرفضون الربط بين الاحتباس الحراري والحرب. قام سيلبي، أستاذ ساسكس، وعدد من زملائه بنشر مقال في العام الماضي هاجموا فيه فكرة أن الجفاف والمناخ هما السبب في الحرب السورية. وقالوا «إن الجفاف الذي سبق الحرب هو من أجج الفوضى الاقتصادية في البلد، وأن المزارعين الذين فروا من الجفاف لم يشاركوا إلا قليلًا في الحرب». وأشار إلى المقال الجديد بأنه ورقة لائقة بدون عيوب واضحة.

«لاجئو المناخ».. أجزاءٌ من الشرق الأوسط تتحول لمناطق غير قابلة للحياة

وأضاف: «لكنني أعتقد أن ذلك ربما يؤكد الشكوك التي لدي». وقال سيلبي لماير إنه لم يكن هناك توافق في الآراء في الأبحاث الكمية حول ما إذا كان تغير المناخ يؤدي إلى الحروب. «يدعي البعض أن هناك إجماعًا، ولكنهم يتجاهلون عددًا كبيرًا من البحوث ويتمسكون بأسس منهجية زائفة». وقال: إن على المروجين للعلاقة بين تغير المناخ والحروب أن يدرسوا المناطق التي يتغير فيها المناخ ولا تشهد نزاعات بعد. «إذا تمعنا في حال كوستاريكا أو جرينلاند، سنجد علاقة مغايرة؛ مما سيأتي بنتائج مختلفة».

لكن سيمون دالبي، أستاذ السياسة وتغير المناخ في كلية بالسيلي للشؤون الدولية يرى أنه «ليس هناك أي شيء جديد أو غير عادي بشكل خاص في البحث الجديد. إن التركيز ينصب على أفريقيا منذ سنوات من قبل الباحثين. إذ إن الوصول إلى كينيا أسهل بالنسبة إلى من يقومون بالبحث».

يمسك دالبي العصا من المنتصف – يستدرك ماير. إذ يقول: «إن مجموعة من البحوث التي ترجع إلى التسعينات أشارت إلى أن التغير البيئي قد يؤدي إلى نشوب نزاع، ولكن الظروف المتداخلة هي التي كانت ذات أهمية حقيقية».

كان سولومون شيانج، وهو خبير اقتصادي وأستاذ للسياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، واحدًا ممن درسوا حالة أفريقيا. ففي عام 2013، أشار هو وزملاؤه إلى أن معظم الأبحاث تركز على أفريقيا وتظهر أن هناك صلة تجريبية بين الحروب وتغير المناخ. وقد وجد هو وزملاؤه أن فرصة اندلاع حرب ارتفعت بنسبة 14% في مقابل كل تغير في الانحراف المعياري في درجة الحرارة أو الأمطار.

صرح شيانج لماير بالقول: «لا يوجد شيء جديد في هذه الدراسة. إن دراسة المناطق المعرضة للنزاع ليست مشكلة، فهذا ما يتوقعه أي أحد، لكن لا أحد يدرس تفشي الإيبولا من خلال دراسة سبب عدم انتشار الإيبولا في المقاهي في سيدني اليوم، بل ندرسها حيثما وقع الوباء بالفعل».

قام شيانج بتبسيط طريقة تحليل البحوث ككل للادعاء بأن الباحثين: «يبالغون في الربط بين الصراع وتغير المناخ». وأوضح «أن مشكلة الدراسة هي أنها تلمح بشدة إلى أن هناك نوعًا من التحيز في مجال البحث دون أن يظهر في الواقع أن أي شخص آخر قد أخطأ، أو تظهر كيف لفكرتها أن تؤثر على النتائج في هذا المجال. إنها غامضة وغير دقيقة بشأن نقدها للأعمال السابقة، دون تحديد النتائج الفعلية التي تحرف أو تكرر عمل أي شخص. وبدلًا عن ذلك، فإنهم ببساطة يلمحون إلى وجود مشكلة في مجال البحث؛ مما يزرع الشك دون تقديم أدلة فعلية».

التغيرات المناخية للاحتباس الحراري تؤثر سلبًا على هجرة الطيور

لكن البحث نفسه يتراجع عن ادعاءاته، قائلًا: إن نتائجه لا تهدف إلى تشويه سمعة أي باحث أو دراسة. قال إيد: «لا نقول إن النتائج غير صالحة أو بلا قيمة، ولا نتهم أي دراسات أو باحثين بتجاهل مناطق كثيرة في العالم». غير أن البحث يصر على أن الصلة بين الحروب والمناخ مبالغ فيها.

كما ترى تشاليكي، الباحثة السياسية بجامعة نبراسكا، أن موضوع البحث غريب. إن من المنطقي دراسة الأماكن التي توجد فيها حرب، وتقول: «العنف ليس شرطًا متأصلًا في السياسة المحلية أو الدولية. نحن لسنا بحاجة إلى شرح السلام. بل إننا بحاجة إلى شرح سبب الحرب».

وتتساءل تشاليكي أيضًا عما إذا كان الاستسهال هو نهج أكاديمي، بما أن المؤلفين يميلون إلى الاستشهاد بعمل سابق حول موضوع ما. ينصب تركيز الدراسات على مناطق الحرب لأنها تشتمل على أسباب اندلاعها – يشدد ماير. تقول تشاليكي: «لا أعتقد أن هناك أي شيء في هذا البحث قد يساعد بلدًا على الحد من تغير المناخ. إذا اطلع وكيل وزارة الدفاع، أو صانع السياسة على البحث، سيتساءل في حيرة ماذا يعني هذا؟».

كما عبر جريج بيترو، باحث سياسي آخر في جامعة نبراسكا متخصص في الأساليب الكمية، عن اندهاشه من محتوى البحث. قائلًا: إنه اتسم بالتحيز في اختيار المناطق محل الدراسة. وأضاف: «إنهم لا يقيمون بشكل مباشر ما يريدون تقييمه، بل يحاولون تقييم التحيز الذي يميز العينة، لكنهم ينظرون إلى العينة كمتغير تابع. إنهم ينظرون بالفعل إلى التحيز المنشور كمتغير مستقل».

فند إيد بعض هذه الانتقادات، قائلًا إن إجراء دراسة عن الإيبولا في دولة أفريقية مسالمة أفضل من إجرائها في مقاهي سيدني. ويقول: «إن معظم الدراسات المتعلقة بالسرطان تشمل عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين لا يعانون من السرطان كحالات يتم التحكم فيها لتجنب الاستنتاجات المبكرة، ولتحديد العوامل التى تجعل الناس قادرين على مقاومة السرطان. أعتقد أن المنطق نفسه ينبغي أن ينطبق على بحوث علاقة تغير الطقس بالحروب».

«ميدل إيست آي»: انسحاب ترامب من اتفاقية المناخ قد يكون كارثيًا على الشرق الأوسط

وقال إيد: إن ورقته البحثية تبين كيف يمكن إجراء المزيد من البحوث حول هذا الموضوع، «لقد فوجئت أنه حتى داخل الدراسات الأمريكية، ليس هناك تركيز على أمريكا اللاتينية، في الأساس. قد نقلق بشأن العراق أو سوريا أو الهند بسبب الأهمية الجيوسياسية، ولكن لماذا لا ننظر إلى المكسيك، أو هندوراس، أو البرازيل؟ لأن ذلك سيكون له عواقب أكثر حدة بالنسبة للولايات المتحدة».

وقد تكون لهذه الثغرات آثار سياسية – يشير ماير: «فإذا كان صانع القرار في واشنطن يشعر بالقلق إزاء تغير المناخ وعلاقته بالحروب، سيود أن يعرف ما إذا كانت معرفتنا حول هذه القضية تستند على أساس متين، وسيكون راغبًا في معرفة الكثير عن كينيا في هذا السياق، ولن يهتم بشدة بأمريكا اللاتينية».

حاول دالبي، الباحث السياسي، أن يأخذ نظرة أوسع للجدال القائم، والاضطرابات المناخية التي يمكن أن تأتي في وقت لاحق من هذا القرن. وقال لماير: «إن البحث في هذه العلاقة المفترضة هو أمر جيد، ولكن إذا كنت تبحث عن أسباب تغير المناخ، فإننا نكتفي بالإفراط في الاستهلاك والوقود الأحفوري. وإذا كنت ترغب في التحرك بجدية لمواجهة تغير المناخ، فإن القلق بشأن التفاصيل الصغيرة للصراعات في أفريقيا لا علاقة له بذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات