الصراعات المتصاعدة في الشرق الأوسط وأفريقيا، والتهديد الروسي المستمر لاستقرار أوكرانيا هي آخر الصراعات التي تختبر السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وبينما يحتج البعض على الانخراط الأمريكي في الحروب الخارجية لأسباب مختلفة، يعتقد البعض الآخر بأن البلاد ملزمة أخلاقيًا بتحرير المظلومين وإطعام الجياع أينما كانوا.

للوهلة الأولى، يبدو أن الشعور يتجه نحو الثناء. ففي الوقت الذي تخوض فيه العديد من المناطق في العالم حروبًا وحشية تُرتكب فيها أفظع الانتهاكات بحق الإنسان، حريّ بدولة قوية كالولايات المتحدة أن تستخدم جيشها القوي ومواردها اللازمة لإنقاذ الضحايا العاجزين الذين علقوا في منتصف هذه الصراعات.

بعض الدول على استعداد لإرسال المواد الغذائية إلى البلدان التي تتضور جوعًا، ولكن فقط يبدو أن الولايات المتحدة تتحمل وحدها مسألة ما إذا كان ينبغي عليها أن تنقذ هؤلاء الناس من الأشرار. ومع ذلك، من الذي جعل الولايات المتحدة حارسًا على العالم؟ هل باتت واشنطن حقًا ملزمة أخلاقيًا بالتدخل في نزاعات الآخرين، أو بخوض حروبهم، عندما يكون الجانب الجيد على مشارف الهزيمة؟

قد يبدو ذلك صحيحًا.

إن المفهوم القائل بأن الدول القوية ملزمة أخلاقيًا بمساعدة الدول الأضعف هو في الواقع مفهوم جديد. قبل الحرب العالمية الأولى، كان من المسّلم به أن الحكام لديهم تفويض من شعوبهم لجعل بلادهم أكثر قوة عن طريق قهر الدول الأضعف.

على الرغم من وخز الضمير الذي يأتي من حين لآخر، على سبيل المثال، لم يتورع المستوطنون الأمريكيون الأوائل عن ذبح الهنود الحمر وسرقة أراضيهم، وكذلك فعل أقرانهم في أوروبا. إن الحماسة الإمبريالية في أوروبا التي غزت الهند وأفريقيا استندت على تقليد طويل ومشرف، مثل الإنكا، الأزتيك، والرومان، والصينيين، والمصريين لعدة قرون من قبل. كما أن تشكيل التحالفات كان مرهونًا برغبة الدول في تجميع مواردها، وحماية أنفسها، أو إخضاع الدول الأخرى الأضعف.

بعد الحرب العالمية الأولى، تعرضت الولايات المتحدة لإغراء عن طريق دعايتها الخاصة باعتبارها حامية الضعفاء في جميع أنحاء العالم. لسوء الحظ، تم تشويه هذا المفهوم النبيل في السنوات اللاحقة، حيث كان الأمريكيون يعتقدون بتفوق الديمقراطية على أي شكل آخر من أشكال الحكومة. حتى يومنا هذا، ما زال الأمريكيون يعتقدون بأنه إذا كان النظام السياسي في بلد أجنبي لا يعكس النظام السياسي الأمريكي، فإنه يجب أن يكون معيبًا.

كان ذلك هو المبدأ الموجه للولايات المتحدة وهي تطارد شبح الشيوعية في جميع أنحاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية. رأت أمريكا في الشيوعية مرضًا خبيثًا، مثل الإيبولا، يجب أن يتم القضاء عليه في المنبع لمنع انتشاره إلى دول صحية وديمقراطية. أدى ذلك إلى كارثة في كوريا وفيتنام، ناهيك عن الفوضى في أمريكا الجنوبية، حيث دعمت الولايات المتحدة الحكومات الديكتاتورية واحدة تلو الأخرى، معتقدة بأن الغاية (وقف الشيوعية) تبرر الوسيلة (جلب الديمقراطية للمظلومين).

اليوم، تطارد الولايات المتحدة شبح التطرف الإسلامي في جميع أنحاء العالم، وترى فيه خطرًا على استقرار الحضارة الغربية. ومع ذلك، تنخرط الولايات المتحدة في ذات النوع من التلاعب السياسي للبلدان “المصابة” كما فعلت عند محاربة الشيوعية.

 حتى أنها في كثير من الأحيان كانت تقوم بتسليح المتمردين الذين لم تكن دوافعهم أفضل من دوافع من يحاربونهم. قد يجادل البعض حتى أن عدد المدنيين الأبرياء الذين قتلتهم الضربات الجوية الأمريكية ضد مواقع للمتشددين المشتبه بهم هو في الواقع أعلى من أعداد المدنيين الذين قُتلوا على يد المسلحين أنفسهم.

منذ أكثر من 13 عامًا، كانت لدى الولايات المتحدة الحماسة لمعاقبة الأطراف المسئولة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل وساهمت في عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط. الآن، تحاول الولايات المتحدة يائسة إعادة تجميع نظام كُسر وليس هناك من سبيل لإصلاحه.

هل حان الوقت للولايات المتحدة لتبتلع كبرياءها، ولتقطع خسائرها في الشرق الأوسط، ولتبتعد ببساطة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد