في تقرير مطول أعده شيباني ماهتاني وتيموثي ماك لوفلين، رصدت صحيفة «واشنطن بوست» اللهجة العدائية التي باتت سمة مميزة للاحتجاجات في هونج كونج، وما تنطوي عليه من إهانات متبادلة بين قوات الشرطة والمتظاهرين.

في مستهل التقرير الذي جاء تحت عنوان «الكلاب في مواجهة الصراصير: في شوارع هونج كونج، لهجة الإبادة الجماعية تطِل برأسها»، يرسم المراسلان صورة لأحد الاحتجاجات: «يتقدم عناصر من شرطة مكافحة الشغب، مرتدين بزات خضراء اللون، نحو شارع في وسط المدينة، يرتدي بعضهم أقنعة سوداء، في حين يحمل آخرون دروعًا أو بنادق لإطلاق الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع».

«واشنطن بوست»: كيف تنجح الاحتجاجات بدون قائد؟ هونج كونج مثالًا

سخرية متبادلة ولهجة مهينة

بينما يسخر عشرات المحتجين من الشرطة، ترد القوات إهاناتهم فيصيح شرطي قائلًا «تذكروا، أنتم لستم بشرًا، أنتم لا تستحقون حتى أن تكونوا حيوانات، أنتم صراصير!» وسرعان ما تطلق الشرطة الغاز المسيل للدموع من مسافة قريبة على حشد المتظاهرين، وهي واحدة من بين قرابة 400 قنبلة غاز أطلقت السبت الماضي.

يقول التقرير إن تلك «اللهجة المهينة»، التي يصف فيها المحتجون الضباط بالكلاب وأفراد العصابات، وتصف الشرطة المتظاهرين بأنهم دون البشر وأنهم صراصير، أصبحت علامة مميزة لاحتجاجات هونج كونج في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الاشتباكات.

ويوضح أيضًا أن نهاية الأسبوع الحالي اتسمت باستعراض ضخم لقوة الشرطة حتى تجاه المحتجين السلميين، فقد غدت السلطات أكثر إصرارًا على إنهاء الاضطرابات، وما بين يومي الجمعة الماضي وأمس الأحد، اعتُقِل أكثر من 300 شخص بحسب الشرطة.

وشهد يوم الأحد الماضي هجوم شخص مسلح بسكين على متظاهرين مؤيدين للديمقراطية، مما أدى لإصابة ثلاثة أشخاص، وهم في حالة حرجة، بينهم شخص قضم جزء من أذنه، بحسب التقرير.

إهانات تمّهِد لمزيد من العنف

يرى التقرير أنه في ظل تلك الأجواء المتردية، فإن تلك اللهجة المهينة للكرامة الإنسانية، التي تستخدمها الشرطة، مثيرة للقلق بشكل خاص بحسب خبراء؛ لأنها قد تكون تمهيدًا للعنف العشوائي ضد المدنيين.

Embed from Getty Images

ويضيف المراسلان: إن استخدام كلمة «صرصور» التي كان يستخدمها النازيون ضد اليهود، والهوتو ضد التوتسي في الإبادة الجماعية نوعًا من الإهانة، غالبًا ما تؤسس للمعاملة القاسية والوحشية ضد مجموعة من الأشخاص، وتتسبب في مزيد من الاستقطاب للمجتمع، بحسب هؤلاء الخبراء، لاسيما عندما يستخدمها أطراف فاعلة في الدولة.

وينقل التقرير عن أليسون سكينر، الأستاذ المساعد للعلوم السلوكية وعلم النفس الاجتماعي في جامعة جورجيا القول: «هناك فكرة التفشي (الغزو)، بمعنى أن هناك شيء ينتشر ينبغي سحقه قبل أن يسيطر، (الصراصير) ضئيلة للغاية، إنها تشجع أي شخص يستخدم هذه اللغة أو يسمعها بأن عليه الرد عليها بقوة وعنف».

في يوليو (تموز) الماضي، بدأت جمعية ضباط الشرطة المبتدئين في هونج الإشارة للمحتجين في بياناتها الرسمية بالصراصير، وفي بيان صدر في 4 أغسطس  (آب) الماضي، كتبت الجمعية: «على الرغم من أن مثيري الشغب لا يحبون أن يطلق عليهم صراصير، فإن الطريقة التي يتصرفون بها تشبه الصراصير، أيها الصراصير، رجاءً توقفوا».

وعندما أجْلت الشرطة مجموعة من المتظاهرين في وقت سابق الصيف الماضي، قالوا إن: «الصراصير غادرت من مخرج بمترو الأنفاق، وكانت قوات الشرطة تصرخ الصراصير، هربوا!» بينما كانت تطلق الغاز المسيل للدموع والقذائف على المحتجين الفارين.

لهجة مذابح رواندا والحقبة النازية

ويرى ديفيد ليفينجستون سميث، أستاذ الفلسفة بجامعة نيو إنجلاند، أن هذه اللهجة المهينة قد تؤول إلى تجرد حقيقي من الإنسانية؛ فعندما تنادي الناس بأنهم صراصير، فإنك تبدأ في التفكير أنهم أقل من البشر.

ويضيف أن مثل هذه اللهجة ينبغي أن يُنظر إليها على أنها عرض من أعراض موقف متزايد الخطورة، لافتًا إلى أن تلك المصطلحات كان يستخدمها النازيون، وفي رواندا لفترة طويلة، قبل أن تصل الفظائع المرتبطة بها إلى ذروتها.

ينتقل التقرير لرصد وجهة نظر الشرطة في ذلك الأمر، إذ قال كيلفين كونج، وهو مفتش أول في إدارة العلاقات العامة للشرطة في أغسطس الماضي: «إن مثل تلك اللهجة التي تصدر من ضباط خطوط المواجهة ليست مفهومة»، لكنه أضاف أن جميع الأطراف تتعرض لضغوط عديدة.

في الشهر ذاته، خلال رسالة بريد إلكتروني حصل عليها موقع «هونج كونج فري برس» المستقل، حذر فيها مساعد قائد الشرطة في إحدى المناطق الضباط من أنه ينبغي عليهم ألا يشيروا إلى المحتجين بـ«الصراصير» حتى لا يمنحوهم (المحتجين) ميزة في أيديهم. ولم ترد الشرطة على الفور على طلب بمزيد من التعليق يوم الاثنين.

انهيار الثقة في الشرطة ومطالبات بالتحقيق في ممارساتها

انهارت الثقة في الشرطة بهونج كونج، والتي كانت توصف بأنها «الأروع في آسيا»، في الأشهر الأخيرة، حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز استطلاعات الرأي العام والاتصال بجامعة هونج كونج الصينية الشهر الماضي، أن 51.5% من المشاركين قالوا إنه لم تعد لديهم أي ثقة في الشرطة، بارتفاع عن نسبة 6.5% في مايو (أيار) ويونيو (حزيران) من العام نفسه.

Embed from Getty Images

تقول لاو (24 عامًا)، التي شاركت أمس الأحد في مسيرة غير مُرخصة في فيكتوريا بارك مع عمتها وصديقتها: إنهن غادرن قبل أن تقتحم الشرطة، مضيفة أن ستة من ضباط الشرطة أوقفوهن في أثناء مغادرتهن، وطُلب منهن السير في اتجاه آخر.

حاولت النساء الثلاثة إقناع ضباط الشرطة بأنهن يقطنّ على بعد بناء واحد، في الاتجاه الذي كن يقصدنه، غير أن الضباط فتشوا حقائبهن، وتقول لاو إنه مع انتهاء عملية التفتيش قال لهم أحد الضباط «حسنًا، دعوني أنصحكم بالعودة إلى المنزل والتوقف عن التصرف كصراصير، وأن تصبحوا آدميين».

تضيف لاو أنها صُعِقت مما قيل لهن، وتقول إنها سمعتهم يقولون ذلك على شاشة التلفاز، وسمعت الناس يقولون إنهم يوصفون بالصراصير.

الديمقراطية الحقيقية تؤسس للمحاسبة

يتابع التقرير: «مع تزايد المخاوف من تصرف الشرطة دون عقاب، فحتى السياسيين المعتدلين والمشرعين المؤيدين لبكين طالبوا زعيمة هونج كونج كاري لام بفتح تحقيق مستقل، وهو أحد مطالب المحتجين، لكنها رفضت».

وينقل التقرير عن وليام دونوهيو، أستاذ الاتصال في جامعة ميتشيجان، والذي سبق له دراسة دور تلك اللهجة في الإبادة الجماعية الرواندية، قوله: «إن اللهجة التي تستخدمها الشرطة تؤكد الافتقار للمحاسبة في ظل نظام هونج كونج غير الديمقراطي».

ويضيف أنه في حال كانت العناصر الفاعلة في الدولة تأتي من نظام منتخب ديمقراطيًّا، فلن تظهر مثل تلك اللهجة؛ على افتراض أن الحكومة مسؤولة أمام الشعب، لكن عندما لا تكون الحكومة منتخبة وتحكم من خلال وسائل أخرى، تشعر العناصر بأنها أقل تقيدًا، وليست مسؤولة أمام أي شخص.

«واشنطن بوست»: رغم اختلافها.. هذا ما يجمع المظاهرات في هونج كونج والعراق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد