من فيتنام إلى كمبوديا، ومن بيروت إلى إيرلندا الشمالية، حرب تعقبها حرب أخرى، وبين ساحاتها يتنقل المصور الفوتوغرافي البريطاني دون ماكلين؛ ليوثق لحظات بدت فيها البشرية في ذروة صراحتها متوحشةً وأليمة. يسترجع المصور البريطاني ذكرياته مع أقرب الصور إلى قلبه وأدمغها أثرًا مع مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» ليروي حكايته التي تنعكس مرآةً لشعوب متعددة مرت على هذا الكوكب.

أنا لستُ فنانًا

على عكسِ أغلب العاملين في مجال الفنّ والتصوير الفوتوغرافي يأبى دون ماكلين تسميته بالفنان، رغم جميع ما قدمه من إنتاجٍ فريدٍ على الصعيدين المعنويّ والجماليّ على حد سواء. يأتي هذا التصريح غريبًا على وجه الخصوص حين يجيء من شخصٍ يقفُ في معرض تيت للفنون في لندن، في منتصف عرضٍ هائل استذكاريّ لأعماله والذي يبدأ يوم 5 فبراير (شباط) 2019 ويمتد حتى 6 مايو (أيار) من العام نفسه.

يقول السيد ماكلين البالغ من العمر 83 سنة: «كافحتً ضد هذه الكلمة طوال حياتي. يريد جميع المصورين الأمريكيين أن يُدعوا فنانين. أنا مصور وأتشبث بذلك».

Embed from Getty Images

تنتهي حربٌ لتبدأ أخرى

يعود التقرير لبداية رحلة السيد ماكلين في التقاط الصور إلى خمسينات القرن الماضي وتحديدًا في منطقة للطبقة العاملة في شمال لندن. صوّر بالبداية رفاقه الذين كانوا أعضاء في عصابةٍ محلية تُدعى «غوڤنرز» وكان لها سمعة ساعدت بوصولِ صور السيد ماكلين إلى صحيفة الأوبزرفر. وفي غضون عقدٍ من الزمان، أُرسل لتغطية الصراع العنيف في قبرص ومن بعدها أصبح عاجزًا عن الابتعاد عن ساحات المعارك. في 2017، ذهب إلى سوريا لتصوير معابد قديمة دمّرها «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)».

يوضح السيد ماكلين أنه لم يكن لديه أيّ رغبة في تجميل أو تمجيد الحرب، لكنه لم يستطع التملّص مما شاهده، مضيفا: «أشعر بالحزن لأن صوري لم تغير أي شيء. بمجرد أن تنتهي حربٌ، تشتعل أخرى».

يقر ماكلين بأن لديه شيئا مشتركًا مع الفنانين العظماء، ألا وهو العاطفة، إذ «لا يمكنك القيام بهذه الصور دونها». يتجول ماكلين في المعرض ويُري مراسل «نيويورك تايمز»، الصور الأكثر أهمية وعاطفية بالنسبة له. فيما يلي بعض المقتطفات من حديثه عن تلك الصور كما أوردها التقرير.

«أشعر بالحزن لأن صوري لم تغير أي شيء. بمجرد أن تنتهي حربٌ، تشتعل أخرى».

«الغوڤنرز» ببدلاتهم ليوم الأحد – فينسباري بارك – لندن 1985

هذه الصورة عندما كنت أتلمّس طريقي نحو عالم التصوير الفوتوغرافي. إنها صورتي الأولى المنشورة. لم أكن أفكر في أي شيء حين التقطتها. قالوا لي: «أحضر كاميرتك والتقط بعض الصور»، لكنها الصورة التي وضعتني في طريق التصوير الفوتوغرافي. حمدًا للرب، وإلا كنت سأظل أتسكع معهم. البيئة القاسية التي نشأت فيها أعطتني التعاطف، جعلتني أعرف العنف والفقر والتعصب. تلك كانت جامعتي.

«البيئة القاسية التي نشأت فيها أعطتني التعاطف، جعلتني أعرف العنف والفقر والتعصب. تلك كانت جامعتي»

«الألمان الشرقيون ينظرون إلى برلين الغربية» – 1961

يحكي ماكلين قصة هذه الصورة: كنت مع زوجتي في باريس وأنظر عبر كتف أحد الأشخاص لأرى في الصحيفة صورة لجنديّ ألماني شرقيّ يقفز إلى برلين الغربية بخوذته وكلاشينكوفه. قلت لزوجتي: «هل تمانعين لو ذهبت إلى برلين؟».

ذهبت إلى برلين الشرقية وطُردّت فورًا. أربع صور من هناك هو كل ما لديّ.

هؤلاء الناس ألمانٌ شرقيون ينظرون إلى الغرب بحثًا عن أقاربهم. انظر إلى وجوههم: امرأة واحدة تضحك؛ بالكاد. لقد فهموا ما يجري – أكثر مني على ما أعتقد – ومع ذلك يحاولون إدامة عادتهم باللقاء يوم الأحد.

«الحرب الأهلية القبرصية، ليماسول، قبرص» – 1964

ينقل التقرير كلام المصور: ذهبت إلى صحيفة الأوبزرفر في أحد الأيام، وقالوا لي: «هل تفكر في الذهاب لتغطية الحرب في قبرص» وكان هذا ما أنتظره. كنت أعلم أنها فرصتي، كان الحال يشابه لو أنني مقاتل باحث عن الجائزة، وقُدّم لي فرصة التنافس على اللقب العالمي.

تبدو هذه الصورة مثل مشهدِ هوليودي من فلم عصابات. يرتدي هذا الرجل ملابس أكثر مما يلائم ساحات القتال، حتى أنه يرتدي ربطة عنق. كما لو أنه فرّ للتو من عالم السينما، وأنا ضغطت زرّ التصوير.

بدا الأمر كله غير واقعي، كان هنالك الآلاف من الرصاصات تخترق الهواء وكنت أركض في كل مكان كما يفعل هو. كنت متحمسًا للغاية بسبب إطلاق النار.

«أم جوعى بعمر 24 مع طفلها، بيافرا» – 1968

يتابع المصور حكاياته لمراسل نيويورك تايمز: بيافرا غيرت من طريقتي في التصوير الفوتوغرافي. ذوى الاندفاع، والأمر يعود للأطفال. لا يمكن ألا تعي المعاناة هناك. كان بإمكاني الذهاب إلى هناك والتقاط الصور وعيناي مغلقتان لأن المشاهد كانت تحيط بي من كل جانب.

المرأة في الصورة هنا، في الرابعة والعشرين من عمرها وهي على وشك الموت. يشبه الأمر صورة مريم العذراء مع طفلها، لكن بالشكل الخاطئ.

«قوات المارينز الأمريكية، القلعة، هوي فيتنام» – 1968

لا يمكنك التقاط مثل هذه الصور الآن – يقول ماكلين – اليوم تعمل مع هؤلاء الأشخاص وهذه نهاية الأمر، أي يوجد رقابة من وجهي نظري فهم لن يسمحوا لك بالذهاب إلى الجبهة، ولم يعودوا يقبلون بتصوير الجنود الجرحى أبدًا.

بعد التقاطي لهذه الصورة، أحضروا الجندي المجروح إليّ وحملته على كتفي بعيدًا عن المعركة. كتب رسالة إلى والدته حول الأمر، وأرسل نسخة لي وهي محفوظة لديّ في المنزل.

«لم يعد بإمكانك التقاط مثل هذه الصور الآن. هنالك رقابة فهم لن يسمحوا لك بالذهاب إلى الجبهة، ولم يعودوا يقبلون بتصوير الجنود الجرحى أيضًا»

«احتضار مظليّ كومبديّ جراء إصابته بنفس قذيفة الهاون التي أصابت ماكلين» -1970

يحكي المصوّر قصة إصابته قبل التقاط هذه الصورة: كنت في بلدةٍ صغيرة قرب بنوم بنه (عاصمة كمبوديا) وفي المساء دخلنا إلى كمين. سقطت قذيفة هاون أمام سيارة الجيب، وتلقيت كل المعدن الذي جاء من الأسفل، أصاب رجليّ وبين رجلي. وقتل الرجل الذي كان أمامي؛ إذ أصيب بكمية كبيرة منه في معدته.

وضعوني في الشاحنة التي في الصورة لنقلي إلى المشفى وخطر لي «لم أجلس هنا دون فعل أي شيء؟ لِمَ لا ألتقط الصور وأبعد عقلي عن التفكير في الأمر؟» توفي المظليّ بعد التقاطي لهذه الصورة.

«رجالٌ بلا مأوى ينامون وهم وقوف، وايت تشابل، لندن»، حوالي 1970

يتابع التقرير نقل حكايات المصور: تعود هذه الصورة لأفضل قصةٍ قمت بها، عن المشردين في البلد. كانوا يغفون لمدة خمس دقائق قبل أن يثبوا مستيقظين حين يُهيّؤ لهم أنهم على وشك السقوط. أردتُ أن أظهر أنه لا ينبغي على أيّ إنسان أن يمر بهذا.

يكتب لي الكثير من الناس: «أريد أن أكون مصور حرب»، ويُضايقني هذا بطريقةٍ ما. إذا توفرت لي فرصة إجابتهم أكتب لهم: «حسنًا! إذا كنت تريد أن تصير مصور حرب، فلن تحتاج إلى ركوب طائرةٍ والذهاب إلى بلدِ الأناس الآخرين. هناك الكثير من الفقر والبؤس والمعاناة في بلدك».

«إذا أردت أن تصير مصور حرب، فلا تحتاج إلى ركوب طائرةٍ والذهاب إلى بلدِ الأناس الآخرين. هناك الكثير من الفقر والبؤس والمعاناة في بلدك».

«فتيةٌ يهربون من غاز سي إس أطلقه الجنود البريطانيون، لندندري – أيرلندا الشمالية» – 1971

يروي المصور حكاية هذه الصورة: التقطتها بعد ظهيرة يوم الأحد، وكان الجيش البريطاني يطلق الغاز المسيل للدموع في الحيّ يطلقه على الناس وهم في بيوتهم. في ذلك اليوم، تعرضت للغاز وأصبت في الظهر برصاصةٍ مطاطية.

هل كنتُ محظوظًا بالتقاطي هذه الصورة؟ نعم ولا. الحظ يتجلى بين الحين والآخر ويبقيك حيًا، لكن في الأمر ما هو أبعد من الحظ. ينبغي التقاط هذه الصور في وقتٍ مقداره جزء من 50 من الثانية أو جزء من 100 من الثانية.

«شبابٌ مسيحيون صغار يحتفلون بوفاة فتاةٍ فلسطينية شابة – بيروت» – 1976

ينقل التقرير قصة هذه الصورة من فمِ مصورها: إنهم يحتفلون تحت المطر بوفاة شابة فلسطينية كانت تبلغ من العمر 16 عامًا. قالوا لي: «إذا لم تذهب، سنقتلك».. لكن وأنا على وشك الذهاب، سمعت صوت الموسيقى والصبية يصرخون: «أيها السيد! أيها السيد! التقط صورة!». فكّرت في نفسي: «يا للمسيح! عليّ أن أفعلها». لم يتسنّ لي حتى ضبط التعريض.

هل تطاردني كل هذه الذكريات؟ أفكر بها في كل وقت. ليس لدي أي حرية منها.

«ساحات معارك سوم – فرنسا» – 2000

يختتم المصور انتقاءاته بالصورة هذه شارحًا: بدأت في تصوير المناظر الطبيعية في عام 1991، أردت فقط فعل شيءٍ مختلف تمامًا. قال لي أحدهم: «أنت تجعل حتى المناظر الطبيعية تبدو كما لو أنها مشاهد حرب»، وهذا يعني غالبًا أن هنالك ظلام في مكانٍ ما داخلي. هناك دائمًا بعض المرارة في نفسي فعلًا، لأني فقدتً والدي حينما كنت في الثالثة عشرة من عمري. هذا لم يبهجني. وكان هنالك دائمًا همّ على عاتقي فيما يخصّ المال والحظوة في الحياة. هذه هي أموالي: حبّ التصوير الفوتوغرافي. هو مكافأتي.

ملاحظة: جميع الصور الواردة أعلاه تعود حقوقها للمصور الفوتوغرافي البريطاني دون ماكلين ويمكن رؤية المزيد عن معرضه من هنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد