قال كوري روبين في تقرير له على موقع «جاكوبين» إنه على عكس ما يعتقد الجميع، فإن لجوء ترامب إلى إعلان حالة الطوارئ يدل على اليأس وليس استعراضًا للقوة.

وأوضح روبين أنه تحدث في مناسبات عديدة عن نظرية ستيف سكورونك الخاصة بممارسة الرئيس سلطاته. تؤكد النظرية أن سلطة الرئيس تعتمد على عنصرين؛ قوة ومرونة النظام القائم، وحجم التأييد أو المعارضة التي يحظى بها هذا النظام. ويعتبر الرئيس قويًا إذا وصل إلى الحكم بعد انتصاره على نظام ضعيف، وعند بنائه نظامًا جديدًا. ومن أمثال هؤلاء الرؤساء الأقوياء، لنكولن وروزيفلت وريجان. أما الرؤساء الضعفاء – من أمثال هيربرت هوفر وجيمي كارتر – فهم يترأسون أنظمة ضعيفة ومتداعية.

ويؤكد روبين أن هناك عنصرًا ثالثًا ثانويًا لهذه النظرية، وهو الموارد التنظيمية التي يملكها الرئيس. وبينما تعد نظرية سكورونك للأنظمة دورية – فالأنظمة تصعد وتسقط – فإن العنصر التنظيمي في نظريته خطي. تنمو الموارد التنظيمية للرئاسة بمرور الوقت. في وقت مبكر من تاريخ الدولة الأمريكية، كانت الموارد المادية التي تقع تحت تصرف الرؤساء قليلة؛ لكنها مع مرور الوقت، أصبحت وفيرة. كان لدى ريجان موارد أكثر بكثير مما كان لدى لينكولن أو من جيفرسون، فقط بسبب توسع جهاز الدولة نفسه.

أحد أكثر المفارقات المدهشة في حجة سكورونك هي أن التوسع المطرد في سلطة الدولة، ونمو الموارد المادية، يؤتي بنتائج مختلفة مع كل رئيس.

الرئيس الأمريكي فرانكلين روزيفلت

فبالنسبة للرؤساء الأقوياء – يشير روبين – تزداد الموارد تحت تصرفهم مع مرور الوقت. تمتع ريجان بمزيد من القوة المادية مقارنة بما كان لدى لينكولن. لكن هناك المزيد من الموارد المتاحة للجهات الفاعلة التابعة للدولة التي تعارض هؤلاء الرؤساء. لذا يقول سكورونك إنه إذا قارنت جيفرسون مع ريجان، فسترى أنه على الرغم من امتلاك الأخير لموارد مادية وتنظيمية أكبر، كان لدى جيفرسون قوة سياسية أكبر ومجال للمناورة أكثر. إن قيام جيفرسون بإعادة إعمار المجال السياسي كان أكثر شمولية بكثير من ريجان – الذي لم يكن قادرًا على التخلص من الضمان الاجتماعي أو الرعاية الطبية، فحاول إطلاق حرب باردة جديدة، لكنه انتهى إلى تمويل جماعات الكونترا بشكل غير قانوني لأن الكونجرس لم يسمح له بذلك. لم يكن جهاز الدولة تحت جيفرسون بنفس القوة تحت قيادة ريجان. وهذا يعني أن خصوم جيفرسون كان لديهم موارد أقل لمعارضته، فقد سيطروا على المحاكم فقط. ومع الوقت، والمزيد من التعيينات القضائية، خسروا ذلك أيضًا.

ولكن بالنسبة للرؤساء الضعفاء – يستدرك روبين – فإن توسيع جهاز الدولة له تأثير معاكس. وعلى الرغم من أن هؤلاء الرؤساء في أضعف موقف سياسي، فمع مرور الوقت، باتوا قادرين على فعل المزيد، على وجه التحديد بسبب وجود المزيد من القوة المادية والتنظيمية تحت تصرفهم. وقد تمتع خصومهم بالسلطة أيضًا، لكن لم تكن ذات فعالية، وهي القوة السياسية التي تأتي في ظل نظام متهور.

على الرغم من موقف كارتر الضعيف للغاية، فقد تمكن من إنجاز أشياء لا يمكن تصديقها؛ أشياء لم يكن بوسع جيفرسون «القوي» سوى أن يحلم بها فقط. وعلى الرغم من تعثر نظام الصفقة الجديدة (التي أُقرت لإنقاذ اقتصاد أمريكا بعد الكساد الكبير في الثلاثينيات)، ظل هناك إيمان بالحكومة تحت قيادة كارتر تجلى في قدرته على استحداث وزارتين جديدتين في الحكومة «الطاقة والتعليم». واستطاع إطلاق برنامج لتحديث الجيش. وتمكن من تحرير صناعات كاملة. وفوق كل ذلك، عيّن بول فولكر على رأس بنك الاحتياطي الفيدرالي. أما الرئيسان جون أدامز وجون كوينسي أدامز – اللذان تتشابه ظروف حكمهما – فلم ينجحا في فعل أي شيء. بيد أن كارتر – الذي مر بظروف مشابهة لهما – فقد تمكن من فعل الكثير.

الآن نأتي إلى ترامب وإعلان الطوارئ – يضيف روبين.

من وجهة نظر سياسية، فإن الوضع يبدو كما لو كانت رئاسة كلاسيكية ضعيفة. فعلى مدى عامين، بينما كان حزبه يتحكم في الكونجرس، لم يحصل ترامب على دولار واحد لبناء جداره. وفي خضم كارثة الإغلاق الحكومي، من السهل أن ننسى أنه في حين تمكن ترامب من انتزاع 1.375 مليار دولار من مجلس يسيطر عليه الديمقراطيون لبناء 55 ميلاً جديدًا من الجدار، هو ما عجز عنه عندما كان الجمهوريون يسيطرون على الكونجرس.

الرئيس رونالد ريجان

بعد أول عامين من توليه المنصب – ينوه روبين – لعب ترامب بما كان يعتقد أنها أقوى بطاقاته؛ فقد تسبب في أطول فترة إغلاق حكومي في التاريخ الأمريكي على أمل إجبار الكونجرس أخيرًا على فعل ما لم يكن قادرًا على فعله. وعلى الرغم من تلك الخطوة القوية، إلا أنه خرج خاسرًا من المعركة.

هذه هي علامات الضعف الرئاسي الكلاسيكية. ولنتذكر أن ترامب علق آماله الكاملة على الفوز في انتخابات التجديد النصفي على مسألة الهجرة والجدار. كانت رسالته واضحة: «إذا كنت لا تريد أن يتم اجتياح أمريكا من قبل أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين، فمن الأفضل لك أن تصوّت لصالح الجمهوريين». لكن الأمر أتى بنتائج عكسية؛ إذ استمع الناخبون إليه، وأدلوا بأصواتهم، مما أدى إلى تحقيق أكبر انتصار في انتخابات التجديد النصفي للديمقراطيين منذ فضيحة ووترجيت.

مني ترامب بثلاث هزائم في قضايا كبيرة وأساسية خلال العامين الأولين -عندما سيطر الجمهوريون على الكونجرس وخلال الانتخابات النصفية ومع الاغلاق الحكومي – وهي علامة كلاسيكية على ما يسميه سكورونك «انفصال رئاسي». إن ترامب في موقف ضعيف جدًا مثلما كان كارتر، لذا فقدرته على تغيير المجال السياسي ضئيلة للغاية. ومع ذلك، مثل كارتر، فإن ترامب هو المستفيد من الموارد المتزايدة المتاحة للرئيس.

أبراهام لنكولن

منح الكونجرس الرئيس صلاحية إعلان حالات الطوارئ الوطنية – يواصل روبين كلامه – على الرغم من أن قانون الطوارئ الوطني لعام 1976 كان يهدف إلى تقييد الرئيس، إلا أنه لم يعمل بهذه الطريقة. ومثلما كتبت إليزابيث جوتين من مركز برينان في العدد الحالي من مجلة «ذي أتلانتك»:

«بموجب هذا القانون، لا يزال الرئيس يتمتع بسلطة تقديرية كاملة لإصدار إعلان الطوارئ – لكنه يجب أن يحدد في الإعلان ما هي الصلاحيات التي ينوي استخدامها، وإصدار تحديثات عامة إذا قرر استخدام صلاحيات إضافية، وتقديم تقرير إلى الكونجرس عن النفقات ذات الصلة كل ستة أشهر. تنتهي حالة الطوارئ بعد عام ما لم يجددها الرئيس، ويجب أن يجتمع مجلس الشيوخ ومجلس النواب كل ستة أشهر، بينما ما تزال حالة الطوارئ فعالة، للنظر في تصويت على انتهائها.

لقد فشل القانون – يقول روبين – فهناك 30 حالة طوارئ سارية المفعول اليوم؛ أكثر بمرات عديدة من وقت صدور القانون. وقد تم تجديد معظمها لسنوات. خلال الأربعين عامًا التي تم فيها تطبيق القانون، لم يلتق الكونجرس ولو مرة واحدة، ناهيك عن كل ستة أشهر، للتصويت على ما إذا كان سينهيها. ونتيجة لذلك، يتمتع الرئيس بصلاحيات الطوارئ الواردة في 123 نصًا قانونيًا».

يدفع ترامب الآن بالموارد التنظيمية للرئيس، في شكل حالات طوارئ رئاسية، إلى الحد الأقصى. فمثل كارتر، لديه موارد تحت تصرفه لم تكن متاحة لجون آدامز. ولكن كما كان الحال مع كارتر أيضًا، فإن اعتماد ترامب على تلك الموارد ليس علامة على القوة وإنما هو دليل ضعف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد