قال ستيفن جراند، مدير الفريق المتخصص في الاستراتيجيات في المجلس الأطلسي (مؤسسة بحثية أمريكية)، في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إنّ المسرح العالمي يشهد محاولات من طرف الرئيس الأمريكي ترامب لخلق نظام سياسي عالمي جديد.

وقال جراند إنّ الجنرال هيربرت رايموند ماكماستر – مستشار الأمن القومي الجديد لترامب – يرث عالمًا تنحسر فيه سلطة الولايات المتحدة لصالح قوى أخرى هي روسيا والصين والهند وإيران. وأنّ المؤسسات والقوانين الدولية التي ظلت طوال سبعة عقود تكافح للحفاظ على الاستقرار العالمي بدأت تقع تحت ضغوط. وعليه، ستتحمل إدارة ترامب عبء استعادة الاستقرار المفقود.

ولعلّ المشهد في الشرق الأوسط هو الأكثر اضطرابًا – يقول جراند – فقد ضربت الحرب الأهلية أربع دول (سوريا والعراق وليبيا واليمن)، وثمّة دول أخرى على شفا السقوط في هذا الجرف. وأصبحت روسيا الممسكة بزمام الأمور في سوريا وليس أمريكا، فقامت هي وحلفاؤها الشيعة بإنقاذ بشار الأسد من الهزيمة. وفي المناطق الساخنة الأخرى، وقعت فوضى لا يمكن السيطرة عليها، فقد لقي حوالي نصف مليون سوري مصرعه وشُرد نحو 11 مليونًا آخرين. وتمدد تنظيما القاعدة والدولة وارتكبا فظائع لا توصف.

يضيف الكاتب بالقول إنّ أوروبا لم تسلم من الفوضى هي الأخرى. فثمة أزمات سياسية تهدد شرعية بعض الحكومات – مثل اليونان وبلغاريا – بسبب معاناتها من أزمة مالية طاحنة وعجزها عن تلبية احتياجات مواطنيها. وقد ابتُليت الدول الأوروبية بأزمة لاجئين وعمليات إرهابية بسبب حروب الشرق الأوسط. وقد استغلّ اليمين المتطرف الهلع الذي يتملك الشعوب الأوروبية ليحقق انتصارًا تاريخيًا بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتقويض وحدته.

وقد أبدى الرئيس الروسي بوتين سعادته بصعود اليمينيين. حيث يرى جراند أنّ بوتين يحاول تغيير النظام العالمي القائم منذ القرن التاسع عشر، وأن يستبدل به نظامًا عالميًّا متعدد الأقطاب التي تقوم معًا بحفظ الاستقرار العالمي وتعيين دمى تحكم الدول الحليفة لها.

ويشير الكاتب إلى أنّ هناك من مساعدي ترامب ممن لا يعارضون هذا التغيير. لكن المصالح الأمريكية العليا ستجبرهم على محاولة الحفاظ على النظام الدولي الذي دُشن في أعقاب الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت، حاولت أمريكا منع اشتعال حروب داخل أوروبا والتصدي لانتشار الشيوعية، وساهمت في إنشاء مؤسسات دولية لدعم حلفائها الأوروبيين وشجعت التعاون فيما بينها.

تواجه الولايات المتحدة تحديًا مشابهًا في الشرق الأوسط اليوم. فعلى الأرجح سيكون الشرق الأوسط إما أداة الترميم للنظام العالمي أو القشة التي ستقسم ظهره. يتمنى الروس بقاء الأسد على رأس دولة مدمرة في مقابل مشاركته في قتال تنظيمي القاعدة والدولة. لكن الكاتب يرى أن الاستقرار في المنطقة لن يتحقق بهذا الشكل، إذ أنّ أعداء الأسد من السوريين باتوا بالملايين. وفي عدم وجود دولة قوية في سوريا، فإنّ أي انتصارات ضد القاعدة والدولة الإسلامية ستزول سريعًا.

يتعين على الولايات المتحدة حل الصراع في سوريا بما يضمن مصالح كافة الأطراف ويمنح نوعًا من الحكم الذاتي للمناطق المختلفة، وفق رأي الكاتب. ولن يتأتى ذلك دون إقناع روسيا بأنّ الحرب لا يمكن الانتصار فيها وبضرورة التخلي عن الأسد. وإذا فشلت محاولات إقناع الروس بما سلف ذكره، يتعين على واشنطن فعل المزيد لكبح جماح الأزمة الإنسانية هناك، والعمل مع الأطراف الإقليمية على القضاء على الدولة الإسلامية، بما يمنحها نفوذًا لفرض تسوية سياسية.

ويشدد الكاتب على أنّه يجب اتباع نفس النهج الذي طُبق على أوروبا قبل 70 سنة في الشرق الأوسط: إذ يجب وقف القتال والتفاوض على تسويات سياسية عادلة، ودعم الدول المهددة بالانهيار، وحث القادة على انتهاج أسلوب حكم رشيد يعزز شرعيتهم ويطلق طاقات شعوبهم، وتطوير كيانات إقليمية لدعم الاستقرار وتحسين آفاق التعاون. وفي سبيل ذلك، لا بدّ أن تتعاون واشنطن مع كافة الدول المهتمة باستقرار الشرق الأوسط. ولا يجب أن نغفل أنّ على دول المنطقة تولّي زمام المبادرة مع دعم من الدول الكبرى التي لها مصلحة في استقرار المنطقة.

لعلّ البعض قد يرى أن الأمر صعب – يقول جراند – لكن الفوائد ستكون جوهرية. فاستقرار الشرق الأوسط يعني وأد الأفكار الإسلامية المتطرفة، وجلب الاستقرار لمنطقة جنوب أوروبا، وتدشين سوق واعدة من 300 مليون مستهلك. إنّ مشروعًا كهذا سيدعم العلاقة بين ضفّتي الأطلنطي وإطالة عمر النظام العالمي القائم أكثر.

لم يعد أمام إدارة ترامب سوى المفاضلة بين بديلين، فإمّا أن تساند الرجال الأقوياء الذين يقدمون مظاهر النظام دون توفير استقرار دائم، وإمّا التمسك بنظام عالمي يستند على القوانين وفّر 70 عامًا من السلام والازدهار. ولا بديل ثالثًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد