في مقال مطوَّل لهما في مجلة «فورين بوليسي»، قال كل من «ستيفن كوك» و«عمر ليهيتا» إن إلقاء اللائمة على «سايكس- بيكو» فيما يخص فوضى «الشرق الأوسط»، ليس دقيقًا، وأنه يرجع إلى السرد الخاطئ للتاريخ والعلوم الاجتماعية الزائفة.

إذا ما أجرينا بحثًا على محرك البحث «جوجل» حول العبارة «نهاية اتفاقية سايكس- بيكو»، التي مثلت المحاولة الأولى لإعادة تنظيم المنطقة، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، لعثرنا على حوالي 8600 ذكر لها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. انتشرت العبارة كالنار في الهشيم؛ بعد أن أطلقها «باتريك كوك بيرن» في يونيو (حزيران) 2013. وباتت هذه الفكرة محل اهتمام الصحفيين والمحللين في المنطقة، بالرغم من أنها كانت تبدو سخيفة وقتئذٍ.

يقول الكاتبان «إن فكرة فشل الاتفاقية بات يُنظر لها الآن على أنها أمر واقعي. ولا أدل على ذلك من كل من (سوريا والعراق واليمن وليبيا). ومثلما يتبين الآن، فإن التسويات السياسية التي قسمت الشام مثلًا تنهار».

وفقًا لهذا المنطق، فإن حدود تلك الدول أصبحت غير منطقية؛ وذلك لأن تلك الدول تضم طوائف وأعراق وجماعات مختلفة داخلها. وما يجري الآن في المنطقة هو نتيجة للكراهية والصراعات التي تعود جذورها إلى آلاف السنين بين تلك الجماعات، حسبما يرى رئيس الولايات المتحدة «أوباما»، والتي أطلقها دون قصد كل من «مارك سايكس وفرانسوا بيكو». ولن تحل تلك الصراعات، إلا برسم حدود جديدة.

يقول الكاتبان «إن المنطق السابق، ليس دقيقًا؛ لأنه استند إلى السرد الخاطئ للتاريخ والعلوم الاجتماعية الزائفة». ويلقي باللائمة على الولايات المتحدة فيما يخص هذا الفشل.

يفند الكاتبان تلك المزاعم؛ بالإشارة إلى أنه يستحيل القول «إن الوضع المتفجر الحالي في المنطقة قتل (سايكس- بيكو)؛ لأنها وُلدت ميتة أساسًا. لم تضع اتفاقية سايكس- بيكو أية حدود، وإنما حددت مناطق للنفوذ، ولم تجد تلك المناطق ـ التي حددها الدبلوماسيان الشهيران ـ طريقها إلى النور».

وعلى عكس ما فعله الفرنسيون، يشير الكاتبان، فقد بدأ البريطانيون تقويض الاتفاقية بمجرد التوقيع عليها. يصعب سرد كافة التفاصيل، لكن «مارغريت ماكميلان» أشارت في كتابها «باريس 1919» إلى أن التنافس بين كل من بريطانيا وفرنسا الاستعماريتين ظل قائمًا، مع تحالفهما في قتال القوى العظمى. اضطرت روسيا للخروج من الحرب، بعد اندلاع «الثورة البلشفية» عام 1917، فأدرك رئيس وزراء بريطانيا «ديفيد لويد جورج» أنه لم تعد هناك حاجة إلى منطقة النفوذ الفرنسية التي حددتها الاتفاقية، والتي تشمل «جنوب شرق تركيا والجانب الغربي من سوريا ودولة لبنان ومدينة الموصل».

إن الحدود التي أقرتها اتفاقية سايكس- بيكو لم يجر تحديدها بشكل عشوائي، وإنما وُضعت على أساس الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة. لكن الكاتبين يقولان إن «المصدر الحقيقي للحدود الحالية يعود إلى معاهدة (سيفر) المبرمة في العام 1920، والانتداب الفرنسي على سوريا في العام 1923. ووضعت الحدود النهائية في العام 1926 بضم ولاية (الموصل) لما سُمي حينها بالمملكة الهاشمية العراقية».

ثمة اعتقاد خاطئ سائد بأن الحدود القائمة حاليًا يجب رسمها على أساس الطبيعة أو الهويات العرقية؛ حتى تظل قائمة. ولكن هذا ينافي تمامًا الطريقة التي جرى رسم الحدود بها حول العالم والتي اعتمدت أساسًا على الترتيبات السياسية والمفاوضات بين الدول.

وهذا ما حدث في الشرق الأوسط، يقول الكاتبان؛ إذ وُضعت الحدود بناءً على توازن المصالح بين القوى الاستعمارية وحركات المقاومة داخل تلك الدول. وقد شكلت تلك الحدود أراضي كانت موطنًا لهويات ثقافية متجانسة منذ زمن طويل.

يؤكد الكاتبان أن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من صراعات قائم على من له الحق في الحكم، وليس على شرعية الحدود. فلو أخذنا الحالة «السورية» كمثال، لوجدنا أن الكارثة الحالية بدأت بخروج كافة أطياف السوريين، بمن فيهم بعض «العلويين»، ضد حكم استبدادي فاسد. والسبب في كافة أزمات الشرق الأوسط الحالية، بما فيها الصراعات الطائفية والعرقية، يعود إلى ضعف وتناقض الأنظمة السلطوية فيها، وتأجيجها تلك الصراعات؛ حتى تضمن البقاء في السلطة.

لننظر إلى «العراق» على سبيل المثال أيضًا: أقام «صدام حسين» نظام حكم، عبر حزب البعث، مكن فيه «الطائفة السنية» من الحكم على حساب «الشيعة والأكراد». وفي سوريا، سيطرت الطائفة العلوية الأقلية على مقاليد الأمور منذ عشرات السنين. ويتسم التنافس «السعودي / الإيراني» على السيادة في المنطقة بالطائفية.

يشير الكاتبان إلى أن الحكام الطائفيين هم من قاموا بتأليب الطوائف والجماعات في المنطقة على بعضها البعض.

بات مقدرًا للشرق الأوسط أن يشهد انقسام بعض الدول خلال السنوات القادمة. لكن الحدود الجديدة لن تكون طبيعية، مثل تلك القائمة منذ قرون، بل إن ثمة افتراضًا أسوأ يشير إلى أنه ـ من أجل تحقيق الاستقرار ـ لا بد من إعادة رسم خريطة «الشرق الأوسط»، من جديد، ونسيان اتفاقية سايكس- بيكو، التي لم يعد بوسعها شرح المعضلات التي تعاني منها المنطقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد