كتب وضاح خنفر المدير العام السابق لشبكة الجزيرة الإعلامية مقالًا نشر في صحيفة «الجارديان» يتحدث فيه عن صديقه جمال خاشقجي الصحافي الشجاع الذي اغتيل في قنصلية بلاده إذ يرى خنفر أن هذه الحادثة نقطة تحول في كيفية تعامل العالم مع الطغاة، وهذه ترجمة كاملة للمقال:

قل كلمتك وامشِ.

هكذا كان يقول جمال خاشقجي منذ أن اختار المنفى بعيدًا عن وطنه وأسرته.
كان يؤمن إيمانًا عميقًا برسالته بوصفه صحفيًّا، ويأبى بإصرار أن يُصنف بأنه معارض لنظام بلاده، ليس لأنه لا يمتلك الشجاعة الكافية لكي يكون معارضًا، بل لأنه يحترم أخلاق المهنة التي علمته الإنصاف والتوازن: يعترف للنظام بالفضل إن هو أحسن، ولا يصمت إن رأى ما يستوجب النقد والمساءلة.
في عالم يؤمن بحرية الكلمة، فإن موقف جمال هذا يُعد من أخلاق الصحفي المحترم، أما في عرف النظام الذي يحكم بلده، فإن الإنصاف والتوازن يعتبر خيانة تستوجب القتل. ينبغي أن تكون مدّاحًا لكل فعل أو قول يخرج عن ولي الأمر حتى يكف بأسه عنك، إنه نظام، كأنظمة القرون الوسطى في أوروبا، يحكم بالتفويض الإلهي، الصمت عن مدحه معصية، أما التوازن في الحديث عنه فخيانة.

كيف فاتك يا صديقي، وأنت الخبير بطبيعة النظام السعودي، أن تحترز وتحتاط؟ فتزور قنصلية بلادك ببساطة مفترضًا أنهم ينتمون إلى عالم اليوم؟

خاشقجي لم يكن ساذجًا، بل هو فطن شديد الذكاء، ولم يكن غريبًا عن طبيعة النظام السعودي، بل كان قريبًا من دوائره، عمل في سفارتي بلاده في لندن وواشنطن، وترأس تحرير صحيفة الوطن شبه الحكومية، صحيح أن النظام السعودي لم يكن ديمقراطيًّا خلال العقود الثلاثة الماضية التي كان فيها خاشقجي قريبًا منه، لكنه كان يعرف أن هناك هامشًا ولو ضئيلًا للكلمة، وكان يعرف أن هناك حدودًا لبطش النظام وجبروته، هذا ما استقر في ذهن خاشقجي عن النظام، ولأنه كان ذو قلب كبير، وحب لوطنه عميق، لم يخطر بباله حجم الشر الذي وصل إليه العهد الجديد، العهد الذي تدثر بشعارات الإصلاح ومحاربة الإسلام المتطرف التي تروق للدوائر الغربية، وأنفق المليارات لحساب مصانع السلاح الأمريكي، عندها مُنح ولي العهد محمد بن سلمان، غطاء كاملًا ليعبث في بلاده وفي المنطقة من دون حساب ولا عقاب.

ومن المؤسف أن إدارة الرئيس ترمب لا تزال تحاول منحه مخرجًا من مسؤوليته عن الجريمة، فخرج علينا ترمب باقتراح أن الجريمة ربما قامت بها عصابات مارقة، مواصلًا، من دون شعور بالخجل، ثم تأكيده المتواصل أنه لن يضحي بمائة مليار دولار، هي حجم مبيعات السلاح التي ستشتريها السعودية، وفي ذلك رسالة لنا نحن العرب أنكم لستم على قدم المساواة مع بقية البشر من أبناء العالم المتحضر، أهميتكم تكمن في أموالكم ونفطكم، أما دماؤكم وكرامتكم فلا قيمة لها!

ومع بشاعة هذا الموقف أخلاقيًا إلا أنه ليس صحيحًا حتى من وجهة نظر براجماتية، فالثابت الوحيد في السياسة السعودية عبر عقود طويلة وعبر عهود عدد من ملوكها، هو الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، ولن يتغير ذلك حتى وإن استبعد ابن سلمان عن الحكم، الذي سيتغير بالفعل هو الانحدار الأهوج باتجاه الفوضى التي تسير إليها المنطقة منذ أن تسلم بن سلمان زمام الأمور في المملكة، والمسؤولية تقع على عاتق الولايات المتحدة تحديدًا، وحلفائها الغربيون، هم الذين نصبوه وهم من يجب أن يعزله، ولا ينبغي أن يتذرع الأمريكيون وحلفاؤهم بأنهم لا يتدخلون في شؤون داخلية لبلداننا، فنحن نعرف وهم يعرفون والعالم يعرف أن الشرعية الوحيدة التي مكنت ابن سلمان من أن ينقلب على ابن عمه محمد بن نايف هي الدعم الذي تلقاه من إدارة ترمب، وهو ذات الدعم الذي بسببه يستمر قتل الشعب اليمني، ويستمر فيه اعتقال مئات من أهل الرأي في المملكة، ويستمر فيه حصار قطر.

محاولات الإدارة الأمريكية لن تجدي في إنقاذ ابن سلمان من عاقبة جريمة قتل خاشقجي، والسبب في ذلك يعود للموقف النبيل الذي وقفته المؤسسات الإعلامية العالمية، وإصرارها الشجاع على معرفة الحقيقة ومحاسبة الجناة، صحيح أننا في العالم العربي شعرنا ولا نزال بخيبة الأمل إزاء المواقف الرسمية الغربية، ولكن الذي يحدث اليوم يعلمنا أن الغرب ليس كتلة واحدة صماء، نعلم اليوم أكثر من أي وقت مضى أن أصوات الضمير الحي والكلمة الحرة في الغرب وفي أرجاء العالم بخير وعافية، يمثلها صحفيون وحقوقيون وناشطون ومثقفون، ويرسلون هم أيضًا رسالة لنا أنكم لستم وحيدين في مواجهة الاستبداد، فالعالم قد وصل فرط التقزز من التغاضي عن الجرائم التي ترتكب في طول بلادنا وعرضها.

في آخر لقاء جمعني بخاشقجي شعرت أنه كان سعيدًا متفائلًا مقبلًا على المستقبل، لقد كان يعد العدة للزواج، مازحته قائلًا: «يبدو لي أنك أصغر 10 سنين مما كنت عليه قبل شهور، تبسم ضاحكًا، واصلنا الحديث عن مستقبل العالم العربي، وكيفية الخروج من المحنة التي يعبرها»، رد قائلًا: «ينبغي أن يكون شعارنا من الآن وصاعدًا: الديمقراطية هي الحل، لا خيار آخر أمامنا إلا أن نعمل من أجل الديمقراطية، وإلا فإن بلداننا ستنحدر إلى عصور طويلة من الظلام» قال خاشقجي كلمته تلك ومشى، وبعد يومين من ذلك اللقاء كان قد قضى نحبه، لكن كلماته لم تمت، فقد منحها اغتياله حياة جديدة، وها هي تنمو وتشتد، وسيحملها أبناء العالم العربي، وسيحملها معهم الأحرار في كل مكان.

يرحمك الله يا جمال، لا زالت كلماتك في «منتدى الشرق» قبل أيام من استشهادك ترن في أذني: «التغيير في العالم العربي سيستمر ويصل الى منتهاه بسبب أخطاء الزعماء المتسلطين»، وها هي كلماتك تكتسي اليوم معنى جديدًا، لقد أقمت الحجة علينا، صحيح أن اغتيالك خسارة فادحة لعائلتك وبلدك ولنا جميعًا، ولكن دمك لن يذهب هدرًا، وسوف تبقى حاضرًا معنا حتى نحتفل بالحلم الجميل الذي قضيت من أجله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!