نشرت «ذي أتلانتيك» مقالًا يعارض سعي الحكومة البريطانية لتحديد وصول المستخدمين إلى موقع «جهادولجي»، الذي يهتم بأرشفة وتوثيق مواد الدعاية الجهادية منذ بضع سنوات، ويتيحها للجميع دون مقابل مادي، ودون الحاجة لإنشاء حسابٍ في الموقع.

في بداية المقال، يلوم الكاتب جرايم وود على الحكومة البريطانية إبداء قلقها من الموقع، والذي يُدوِّن كل ما يخص الدعاية الجهادية الصادرة عن أية مجموعةٍ ذات حجمٍ بارز. قام الموقع على جهود آرون زيلين، خبير الجهادية العالمية. استمرت جهوده لسنوات، ولا زال يعمل حتى الآن. يشبه تصفح الموقع تصفح جريدة الحزب النازي «دير شتورمر»، بحسب الكاتب، غير أنه بدلًا عن مشاهدة كاريكاتير يحرض على قتل المواطنين والمواطنات الآخرين، تشاهد فيديو لإحداهن وهي في غرفة الغاز بالفعل. العديد من المقاطع المصورة في الموقع مصدرها «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ويحتوي بعضها على مشاهد أبشع من المشهد السابق، وهو ما يؤمن منتقدو الموقع بأنَّه يخدم الإرهابيين؛ إذ يتبادلون بينهم روابط المقاطع على الموقع بعد إزالتها من موقعي «يوتيوب» و«فيسبوك» منذ مدةٍ طويلة. ويوضح الكاتب أنَّه لا يعارض أن ينُظم كلٌ من الموقعين محتواهما، فهي شركات خاصة في النهاية، ولا لوم عليهما في رفض تحول موقعيهما لأنديةٍ للمتطرفين، لكنَّه يرفض ما تطلبه الحكومة البريطانية من مدير الموقع، وهو إغلاق أرشيف الموقع بكلمة مرور. وجديرٌ بالذكر أنَّ الموقع جُرِّمَ أو حُجِبَ في دولٍ أخرى.

Embed from Getty Images

ما أهمية موقعٍ كهذا؟

يرى الكاتب أنَّ «جهادولجي» موقع مختلف، ويجب أن يبقى متاحًا للجميع؛ فأولًا: يمثل الموقع «ملاذًا آمنًا من الناحية الأخلاقية»؛ فهو لا يقبل الإعلانات، ولا يربح عائدًا بناءً على عدد النقرات، ويعرض خدمات الترجمة بمقابل، لكنَّ الأرشيف نفسه مجاني تمامًا، ولذلك لا يوجد من يتربح من هذه المجموعة، وثانيًا: يعرض الموقع المواد دون إبداء استحسانه، أو رفضه لها، ولا يرتب المواد بحسب شعبيتها، أو عدد المشاهدات، على عكس فيسبوك ويوتيوب، فهو أشبه ما يكون بدليلٍ خالٍ من أي زينة، يرتب فقط بحسب التاريخ والمصدر (داعش أو القاعدة أو الشباب… إلخ).

حتى وإن كان مدير الموقع زيلين يتلقى راتبًا مقابل عمله فهو يستحقه، بحسب الكاتب؛ فتلك الفيديوهات قيمة، وباستثناء المنكوبين من المهنيين والخبراء الذي يتضمن عملهم مشاهدتها، قليلٌ من الناس يدرك أهميتها في دراسة صُنَّاع هذه الدعاية، وجمهورهم المستهدف. ويوضح وود أنَّه شاهد بنفسه العديد من تلك الفيديوهات طوال السنوات الأربع الماضية، ويمكنه أن يؤكد بنفسه على قيمتها.

«فورين بوليسي»: هل حان وقت مفاوضات السلام مع «القاعدة» و«داعش»؟!

في بدايات الألفية كانت «القاعدة» تصدر فيديوهات مشوشة لقطع الرؤوس، يظهر فيها الأجانب الذين وقعوا في شباكها بالعراق وباكستان. ويقول الكاتب: إنَّ تلك الفيديوهات لم تُثر اهتمام أحد؛ فقد كانت وجوه القتلة مخفيَّةً، وكان الإخراج يُخفي كل التفاصيل الأخرى التي قد تشير لتوقيت اليوم أو لنوع البناية التي يجري فيها التصوير. كانت تلك الفيديوهات توحي بأنَّها منظمة سرية، لا أمان لها سوى في جحورها.

لكنَّ استعداد (داعش) للظهور في وضح النهار، واستعراض نفسها أمام العالم، هو ما ساعدها في تحقيق هذا النجاح على الصعيد الدولي، وربما أيضًا أدى إلى الفشل في النهاية، بحسب الكاتب. لم تكن (داعش) جماعةً سرية، بل كانت تصور فيديوهاتها في أماكن يمكن التعرف عليها، وأحيانًا تكون معروفةً بالفعل، ويظهر في العديد منها أفراد ومتحدثون لا يرتدون أقنعة؛ ليرتكبوا أعمالهم الوحشية بفخرٍ وحصانة، في عالمٍ هم أبطاله.

كشفت الكثير من الفيديوهات في المجموعة التي وثقها زيلين عن هذا العالم بشكلٍ كبير، وهو عالم من الخيال رسمته (داعش) بنفسها. ويرى البعض أنَّ هذا سببٌ أدعى لاعتبار مقاطع الفيديو غير ذات قيمة، لكنَّ الكاتب يُذكِّرهم بأنَّ الخيال وحده هو ما جعل الآلاف من الرجال، والنساء، والأطفال، يهاجرون إلى سوريا والعراق؛ إذ كانت هذه الفيديوهات مصحوبةً برسائل خاصة من الأصدقاء، ضمن أسباب هجرتهم، متحدين بذلك المنطق والاحترام والأخلاق وغريزة البقاء عند الإنسان. أما من يقولون إنَّنا نعلم الكثير بالفعل عن هذا الخيال، فلا يتفق معهم الكاتب، ويرى أنَّ ما نعرفه قليل جدًا، وأولئك الذين يستعدون الآن لمحاربة الموجة الإرهابية القادمة يحتاجون لفهم ما ألهم الموجة الأخيرة.

وأخيرًا يقول الكاتب: إنَّ هذه المجموعة مفيدة لجمع المعلومات الاستخباراتية؛ فقد شهدت السنوات الماضية اكتشاف المحللين الحكوميين والإعلاميين تفاصيل جديدة، صغيرة وكبيرة، يمكن استغلالها في التحقيقات. تفاصيل كثيرة يمكن معرفتها من الفيديوهات، مثل التعرف على المدنيين المتواجدين، أو جنسية القاتل الذي يتحدث، وعلى الرغم من عدم ظهور الأجانب كثيرًا، إلا أنَّه بين الحين والآخر يمكن التعرف على أحد الأشخاص المطلوبين منهم.

حق الهواة في الاستقصاء

يرفض الكاتب حماية الموقع بكلمة مرور، أو إلزام المستخدمين بالتسجيل فيه؛ لأنَّ قصر الموقع على الصحافيين والأكاديميين ومنفذي القانون سيوقف مساهمات أسراب من الهواة والمبتدئين على الشبكات الاجتماعية، والتي كان لها الفضل في فحص صورٍ عديدة من سوريا. والكثير من هؤلاء قد يخشى التسجيل في الموقع خوفًا من الاشتباه فيهم، أو مراقبتهم، أو اعتقالهم؛ إذ تقترح بعض البلدان قوانينَ تُعاقب على مشاهدتها فقط، بينما نحن في حاجة إلى أعينٍ كثيرة تفحص وتدرس تلك المقاطع.

أزيلت فيديوهات الدعاية الجهادية تمامًا من على يوتيوب، وهو أمر جيد من الناحية العملية؛ إذ انخفض عدد المنضمين لـ(داعش). وهو أيضًا أمرٌ جيد من الناحية الأخلاقية، فلا يوجد من يستحق أن يشاهد الناس فيديو إعدامه على سبيل التسلية، لكنَّ الكاتب يحذر من العَرَض الجانبي لعملية تتبُّع الفيديوهات وإزالتها عن الإنترنت، وهو أنَّها تصبح أكثر جذبًا وإثارة، لكن يعالج «جهادولجي» هذه المشكلة بقلة تنظيمه وموضوعيته، فلا شيء قادر على قتل الهوس بشيءٍ مثل أن تجعله متاحًا تمامًا، ودون أية محاذير. ويختم الكاتب: «استمرار (جهادولجي) في العمل نعمة للباحثين، ولا يفيد أعداءنا كثيرًا».

«فورين بوليسي»: داعش لم يمت بعد.. كيف يمول التنظيم نفسه الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد