عن الكاتب: دانييل ديفيز هو زميل بارز في مؤسسة Defense Priorities البحثية الأمريكية، المتخصصة في الشؤون العسكرية، ومقدم سابق في الجيش الأمريكي تقاعد في عام 2015، بعد 21 عامًا من الخدمة العسكرية، شملت المشاركة في أربع حروب.

في مقال له على موقع مجلة «ناشونال إنترست» الأمريكية، يدعو دانييل ديفيز، المقدم السابق في الجيش الأمريكي الولايات المتحدة إلى التخلي عن استيراد النفط من الشرق الأوسط؛ لأنه لم يعد حيويًّا للمصالح الأمريكية.

يقول ديفيز إنه قبل 37 سنة، ألقى الرئيس كارتر خطابًا على الأمة وجه فيه تحذيرًا شديد اللهجة إلى السوفييت، فيما عُرف بـ«عقيدة كارتر»، والتي حددت أن الخليج «الفارسي» مهم للمصالح الأمريكية. وقد ظلت هذه العقيدة محور السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، إلا أنه قد حدثت تغييرات جذرية جيوسياسية، وتغييرات على خريطة الطاقة العالمية.

غزا السوفييت أفغانستان يوم عيد الميلاد المجيد من عام 1979. وقد حشدوا قرابة مائة ألف جندي ووضعوهم بالقرب من مضيق هرمز، الذي يجري عبره نقل حصة كبيرة من النفط العالمي. وقد شمل خطاب كارتر أمام الكونجرس تحذيرًا من أن القوات السوفيتية تعتزم السيطرة على منطقة تضم ثلثي احتياطات النفط العالمية، ما يمثل تهديدًا لحرية نقل البترول في المنطقة.

قال كارتر في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه عام 1980: «إن الأمر يتطلب حذرًا في التعامل، وتحركًا حاسمًا ليس في العام الحالي فقط، وإنما من أجل الأعوام المقبلة. إن أي محاولة للسيطرة على الخليج «الفارسي» ستعتبر تعديًا على مصالح الولايات المتحدة، وسيتم ردع اعتداء كهذا بكل الوسائل الضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية».

وما دعم استراتيجية كارتر المعقدة، كما يقول التقرير، هي حقيقة أنه ما إن اجتاح السوفييت أفغانستان، حتى سقط الشاه في إيران، ووقعت أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية؛ مما فجر أزمة الطاقة في عام 1979. وبعد ذلك، جاءت الحرب العراقية الإيرانية في الربع الأخير من 1980 لتسبب المزيد من الاضطراب في إنتاج النفط، وبات نفط الشرق الأوسط في خطر محدق.

نشر الباحثان تشارلز جلاسر، وروزماري كيلانيتش كتابًا تحت عنوان: الاستراتيجية الخام: إعادة تقييم الالتزام العسكري الأمريكي للدفاع عن نفط الخليج «الفارسي». وهو ملخص شامل كتبه خبراء في شئون الشرق الأوسط يؤكد أن الوقت قد حان حتى تراجع الولايات المتحدة سياستها في الشرق الأوسط، إذ أوضحا أن «تغيرات دراماتيكية قد  حدثت في موازين القوى في المنطقة منذ أن أعلنت أمريكا التزامها بأمن الخليج «الفارسي». وشملت التغيرات طبيعة التهديدات للأمن القومي الأمريكي، واتجاهات الطاقة العالمية، وهذا كله يلقي بظلاله على المصالح الأمريكية».

يقول التقرير إن حصة معتبرة من واردات أمريكا من النفط في عام 1980 كانت من الشرق الأوسط. ولو كان السوفييت قد شنوا أي هجوم على تلك الإمدادات لتسبب ذلك في كارثة للاقتصاد الأمريكي. أما اليوم، باتت معظم واردات الولايات المتحدة من النفط قادمة من أمريكا الشمالية.

ويؤكد التقرير أن واردات أمريكا من نفط الخليج «الفارسي» قد انخفضت إلى 16% فقط، في مقابل 48% من أمريكا الشمالية. وبدءًا من عام 2008، أحيت الولايات المتحدة عمليات إنتاج النفط داخلها، وتبع ذلك انخفاضٌ حاد للواردات. ورغم حديث السياسيين كثيرًا عن الاستقلال في مجال الطاقة، إلا أن ذلك لم يُبن قط على حقائق. ما تزال الولايات المتحدة تستورد أكثر من 4.7 مليون برميل يوميًّا، لذا فإن تأمين إمدادات النفط سيبقى ذا أهمية لها.

في عام 1980، سعت قوة عظمى إلى ضرب أحد المصادر الرئيسية لإمدادات النفط الخاصة بأمريكا، ولكن اليوم تعتمد الكثير من الأمم على نفط الخليج «الفارسي» أكثر منها. من بين تلك البلدان هي الصين، التي انفتحت شهيتها نحو نفط الشرق الأوسط من عام 1993، مع النمو الاقتصادي الهائل الذي تشهده.

يقول التقرير إن الصين تستورد الآن حوالي سبعة ملايين برميل يوميًّا، حصة كبيرة منها قادمة من الخليج «الفارسي». ومن المتوقع أن يتضاعف استيرادها من نفط الشرق الأوسط بواقع خمسة أضعاف بحلول 2030. يتساءل كل من جلاسر، وكيلانيتش: هل يتعين على الولايات المتحدة مواصلة حماية نفط الخليج «الفارسي» لصالح الصين؟

ويؤكد التقرير أن الولايات المتحدة تجري بالفعل إعادة تقييم لاستراتيجيتها في الشرق الأوسط، وحتى مع تطوير حقول الغاز والنفط داخل الولايات المتحدة، ومع ظهور مصادر للطاقة البديلة، ستظل أمريكا في حاجة إلى النفط من السعودية. ولكن يتساءل التقرير: هل تتناسب هذه المصلحة المتواصلة مع عقيدة كارتر؟ ليجيب بكلا.

لا تسعى أي قوة إلى مهاجمة منشآت النفط في المنطقة في الوقت الراهن. ولا تستورد الولايات المتحدة النفط من إيران، لذا فليس عليها أن تقلق حيال انقطاع إمدادات النفط الإيرانية لأي سبب كان. تعتمد ممالك الخليج على تصدير النفط مصدرًا رئيسيًّا للإيرادات، لذا يمكن القول إنه في الوقت الذي ما يزال فيه نفط الشرق الأوسط مهمًا للولايات المتحدة، لم يعد مصلحة قومية حساسة. لذا، يختتم التقرير بالقول، يتعين على أمريكا تحديث استراتيجيتها الأمنية لتعكس الوقائع والأولويات الحالية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد