تستخدم القوات المسلحة حول العالم دائمًا التكنولوجيا؛ من أجل تطوير سفن وطائرات حربية وأسلحة ودروع أفضل. لكن العنصر الأكثر أهمية في عمليات القتال هو العنصر البشري، لذا يتساءل ماكسويل ميهلمان، وهو أستاذ في أخلاقيات الطب الحيوي بجامعة كيس ويسترن ريزيرف في الولايات المتحدة، في مقاله على موقع «ذا كونفرزيشن» عما إذا كان على القوات المسلحة أيضًا أن تستخدم المنشطات والعقاقير لتحسين أداء جنودها.

وأشار الكاتب -حسبما جاء في الموقع- إلى أن الجنود لطالما استخدموا العقاقير لمساعدتهم في القتال، وأنَّ منشطات الأمفيتامينات مثل الديكسدرين كانت تُوزع على نطاق واسع بين القوات الأمريكية والألمانية والبريطانية وغيرها خلال الحرب العالمية الثانية، ولأفراد الخدمة الأمريكيين في كوريا وفيتنام والكويت والعراق وأفغانستان.

Embed from Getty Images

وعام 1991، أوقف رئيس أركان القوات الجوية تلك الممارسة لأن «فرسان الجيداي لا يحتاجون إليها» حسبما قال آنذاك، لكن ذلك الحظر لم يستمر إلا خمسة أعوام. تحاول وكالة داربا، التي تجري أبحاثًا رائدة لصالح وزارة دفاع الولايات المتحدة، أن تجعل الجنود «محصنين من القتل» من خلال تطوير عقاقير غذائية خارقة، وموادًا لجعلهم أكثر ذكاءً وقوة.

وحاليًا، وبحسب المقال، فإن عقاقير جديدة تخضع للاختبار تقلل الحاجة إلى النوم، مثل عقار المودافينيل، وتنظر الأبحاث كذلك في أمر تعديل جينات الجنود.

وذكر الكاتب أنه بصفته أستاذًا في قانون الصحة والأخلاقيات البيولوجية، فقد بدأ في دراسة استخدامات العقاقير من أجل تحسين الأداء الرياضي، وأنه سرعان ما صار مهتمًا باستخدامات العقاقير المنشطة في الجيش لتحسين الأداء.

ومع توافق معظم الناس على أن استخدام العقاقير المنشطة في الرياضة غش خطير؛ تساءل الكاتب هل يجب حينها النظر إلى استخدامها في الحروب من المنظور نفسه؟ ليجيب الكاتب عن سؤاله بالنفي، معللًا ذلك بأن تعاطي العقاقير في الرياضة لا يؤدي إلى أي نفع اجتماعي، بينما تعطيها لتحسين أداء قوات الجيش يمكن أن ينقذ حياة الأشخاص ويُسهل إتمام المهام.

غير أنه رأى أن الجيش لا يزال بحاجة إلى قواعد تحكم كيفية استخدام العقاقير.

تعاطي المنشطات إلزاميًّا

طرح مقال ماكسويل في موقع «ذا كونفرزيشن» عدة أسئلة حول نمط تعاطي المنشطات في الجيش، منها هل يمكن أمر الجنود بتناول عقاقير منشطة؟ ماذا لو كانت لهذه العقاقير آثار جانبية؟ ماذا لو لم تكن هناك أبحاث كافية أُجريت على الآثار بعيدة المدى لهذه العقاقير؟ وأشار المقال إلى ضرورة أن ندرك أيضًا أن خطورة العقاقير المنشطة لا تهدد الجنود الذين يتعاطونها فقط؛ ففي عام 2004، ألقى الطيارون، الذين رموا بالخطأ قنبلة أدت إلى مقتل أربعة جنود كنديين، باللوم على عقاقير الأمفيتامين التي تناولوها.

ومع الأخذ في الاعتبار أن الجنود يكونون ملزمين باتباع الأوامر، قال الكاتب إن من المهم حينها أن يُفكر قادتهم مليًا في ما إذا كان ينبغي أن يكون تناولهم تلك العقاقير إلزميًّا أم تطوعًا، مضيفًا أنه من خلال تطبيق مجموعة المبادئ التي وضعها بنفسه لتوجيه عملية صناعة القرارات المتعلقة بالأخلاقيات البيولوجية في الجيش، ينبغي ألا يُجبر القادة قواتهم على تناول العقاقير المنشطة إلا في حال كان النفع الذي سيعود منها وأهميتها تفوق خطرها على المستخدم.

Embed from Getty Images

وكان ينبغي للجنود الذين يخدمون في الخليج تناول عقاقير لم تُعتمد بعد للغرض الذي تناولوها من أجله، وهو محاولة توفير قدر من الحماية في حال لجأت قوات صدام حسين إلى الحرب الكيميائية أو البيولوجية. وحينها، تدخل الكونجرس وقال إنه يجب ألا تُؤمر القوات بأخذ العقاقير لتلك الأغراض «غير المصرح بها» إلا بإذن مباشر من الرئيس، أو إعلان حالة طوارئ قومية.

وفي ظل أن مناهضي المنشطات يرون أن اللاعبين الذين يفوزون بالسباقات مستعينين بالعقاقير المنشطة يجب ألا يجري تتويجهم، تساءل الكاتب عما إذا كان يجب تطبيق السياسة نفسها في الجيش، وكذلك عما إذا كان يجب مكافأة الجنود الذين يبدون شجاعة أكبر أو يُصيبون الأهداف بدقة أكبر، بالترقيات والنياشين.

يجيب الكاتب بـ«نعم» في حال كان تعاطيهم العقاقير بأمرٍ من قادتهم، إذ يبدو ظلمًا أن نعاقبهم على شيء لم يكن لهم الخيار فيه، وخاصةً إذا كانت العقاقير التي تناولوها لها أعراض جانبية خطرة.

التعاطي تطوعًا

لكن هناك شقًا آخر من المعضلة، وهو استخدام المنشطات طوعًا، إذ يتناول الجنود العقاقير المنشطة من تلقاء أنفسهم، أو إذا كان تعاطيها غير قانوني. ونقل تقرير «ذا كونفرزيشن» عن دراسة أجريت عام 2014، أن 67% من أفراد الخدمة الفعلية في جميع أفرع الجيش تناولوا مكملات غذائية، وأن هذه النسبة ارتفعت إلى 75% بين القوات الخاصة، مثل قوات البحرية الخاصة.

ومع ارتفاع نسبة مستخدمي المنشطات في الجيش، تساءل الكاتب عن شاغل آخر، وهو كيف سيكون الوضع لو كانت تلك المواد تُحسن أداء متناولها بالفعل؟ مشيرًا إلى أن العقار المنشط الأكثر استخدامًا في الرياضة وهو الستيرويدات البنائية؛ هو في واقع الأمر مادة خاضعة للرقابة مُدرجة في الجدول الثالث للعقاقير المحظورة في الولايات المتحدة، ولا يُمكن شراؤها قانونيًّا إلا بوصفة طبية. وفي معظم الولايات لا يمكن وصف ذلك العقار بشكلٍ قانوني بهدف تحسين الأداء.

وقد يجول بخاطرك أنه ربما يجب على الجيش أن يختبر الجنود لمعرفة ما إذا كانوا يستخدمون المنشطات بصورة غير قانونية مثلما يُختَبَر الرياضيين في الأوليمبياد، لكن الكاتب يشير إلى أن الأمر حاليًا ليس كذلك، إذ لا يُسمح للجيش بإجراء اختبارات مخدرات عشوائية أو إجراء «مسح للوحدات» بحثًا عن المنشطات، مضيفًا أنه لم يصدر حكم بعد في ما إذا كان على الجيش أن يكافئ النجاحات العسكرية المُحققة باستخدام العقاقير بجهودٍ ذاتية أم أن يعاقب عليها.

Embed from Getty Images

ويشير كاتب المقال إلى شاغلٍ أخير يتعلق باستخدام العقاقير المنشطة في الجيش، وهو أنها تُعطي أفراد الجيش أفضلية على المدنيين. وهنا يتحدث الكاتب عن جنود الاحتياط، والجنود الذين يخدمون في القواعد العسكرية لكن يعيشون مع عائلاتهم، الجنود الذين يعيشون حياة عسكرية ومدنية في آن واحد.

وتساءل عما سيكون عليه الوضع في حال خاض أولئك منافسات رياضية أو فكرية مع المدنيين؟ ويرى أن أحد الحلول في ذلك الوضع هو أن يُطلب منهم الإفصاح إذا كانوا يأخذون عقاقير منشطة، لكن هذا قد ينتهك السرية العسكرية على الجانب الآخر، ويساعد الأعداء في إيجاد طرق للتصدي لتأثير تلك العقاقير.

يطالب بعض المعلقين بأنه يتحتم أن يكون عكس آثار العقاقير ممكنًا، بحسب مقال «ذا كونفرزيشن»، لكن الجنود يمكن أن يعتبروا الأفضلية التي يحصلون عليها من استخدام العقاقير إحدى مزايا كونهم في الجيش؛ بل إنها قد تكون حافزًا لهم للالتحاق بالخدمة، مثل فرصة أن يجري تدريبهم على مهارة تتيح لهم الحصول على وظيفة مدنية جيدة لاحقًا.

واختتم الكاتب مقاله بالقول إن الاستخدام الملائم للعقاقير المنشطة في الجيش يمكن أن يساعد على اختزال وقت الحروب وإنقاذ حياة الناس، لكنه رأى أن مع استحداث عقاقير أكثر فعالية تعمل على زيادة القوة والتحمل، وتقليل الحاجة للنوم والطعام، ينبغي للقادة أن يفكروا مليًا في مخاطرها على الجنود إلى جانب منافعها التي تعود عليهم وعلى مهامهم.

من البروفين إلى الترامادول.. ماذا تعرف عن القاتل الذي يسكن حقيبتك؟!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد