نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي دراسة أجراها الباحثون دلفين أوديت، باحثة في علم الأعصاب الإدراكي بمعهد إنسيرم، وسيليا لاكو، باحثة في علم الأعصاب الإدراكي بجامعة السوربون، وتوماس أندريلون، باحث علم الأعصاب في معهد الدماغ بباريس، إنسيرم، والتي تكشف مزايا لحظة ما بعد الغفوة القصيرة، والتي يكون فيها المرء أكثر قدرة على التفكير الإبداعي.

في مطلع التقرير، يلفت الباحثون إلى وجود منطقة رمادية بين اليقظة والنوم، والتي يتقلب فيها وَعيُنا وتتناقص فيها استجابتنا ويبدأ إدراكنا للعالم الحقيقي في التلاشي، الأمر الذي يُفسح المجال للأحاسيس العفوية القريبة من الحلم، وهو ما يحفِّز التفكير الإبداعي.

التفكير الإبداعي واقتناص الأفكار

ويوضح معدو التقرير أن مرحلة بداية النوم، وهي فترة وجيزة وعابرة، تظل لغزًا لطالما أثار اهتمام الفنانين والعلماء والمخترعين، الذين عدوا هذه الفترة أرضًا خصبة للرؤى الإبداعية والاكتشافات، ومن بين هؤلاء، على سبيل المثال الكيميائي الألماني أوجست كيكولي الذي توصل إلى التركيب الدائري لمركب البنزين بعد أن رأى حلم يقظة فيه ثعبان يعضُّ ذيله.

منوعات

منذ 11 شهر
تخلصك من الأفكار السامة.. ما الذي تفعله الكتابة في عقولنا؟

وأشار التقرير إلى أنه كان لكل من توماس إديسون وسلفادور دالي قناعة تامة بالفضائل الإبداعية لمرحلة بداية النوم، حتى إنهما طوَّرا طريقة لتنشيط التفكير الإبداعي واقتناص هذه الأفكار الوجيزة، وكان سرهما بسيطًا: يأخذان غَفْوة قصيرة بينما يمسكان بأيديهما شيئًا، وسيسقط الجسم المذكور ويحدث ضوضاء أثناء استرخاء عضلاتهما عند مرحلة الانتقال إلى النوم، الأمر الذي يوقظهما في الوقت المناسب لكتابة الأفكار التي تحدث خلال فترة ما قبل النوم؛ لكن، وحسب ما يتساءل التقرير، هل «اصطياد الأفكار الإبداعية» عند بدء النوم حِكْرًا على العباقرة؟ أم أنها في متناول الجميع؟

الغفوة لحل المشكلات

ولمعرفة ما إذا كان هذا الأمر يقتصر على المبدعين المشاهير، قارن الباحثون قدرة متطوعين على حل مسألة ما بعد غفوة قصيرة مع قدرة متطوعين آخرين بقوا مستيقظين، وأشار الباحثون إلى أن فرضيتهم كانت أن الأشخاص الذين نالوا غفوة قصيرة لديهم فرصة أكبر في الوصول لقِمة التفكير الإبداعي، ولقياس ذلك في المختبر، قرر الباحثون استخدام مسألة بطريقة خفض العدد (NRT)؛ إذ يتعين على المشاركين حل سلسلة من المسائل الحسابية في أسرع وقت ممكن باتباع قاعدتين بسيطتين.

Embed from Getty Images

وأوضح التقرير أن إيجاد الحل سهل ولكنه مُرهق: إذ يتعين على المشارك أن يمضي قدمًا خطوة بخطوة فحسب، وتكمن روعة مهمة خفض العدد في حيلة تتمثل في اختصار رياضياتي يسمح للمشارك بتخطي معظم الخطوات والعثور على الحل بسرعة ودون تَكبُّد أي عناء.

ولم يكن المشاركون على علم بوجود هذه الحيلة عند بدء المهمة، ومع ذلك، وفي حال اكتشاف المشاركين تلقائيًّا لتلك الحيلة أثناء الحل، لاحظ الباحثون على الفور انخفاضًا مفاجئًا في وقت حلهم، مما يسمح للباحثين بتعقب وقت حدوث لحظة الإبداع تلك بالضبط.

ولفت الباحثون إلى أنهم اختبروا 103 متطوعين في قسم اضطرابات النوم في مستشفى بيتي – سالبيتريير في العاصمة الفرنسية باريس، وقد مُنح هؤلاء المتطوعون أولًا 60 محاولة مسبقًا، لكي يعتادوا على هذه المهمة، ووجدت نسبة ضئيلة منهم (16%) الاختصار أثناء هذه المرحلة ولم يدرجوا في مزيد من التحليلات، ثم سُمِح للمشاركين بالحصول على استراحة لمدة 20 دقيقة، في غرفة مظلمة، على كرسي مريح وأعينهم مغلقة.

وأضاف الباحثون: وفَّرنا هذه الظروف لتسهيل مرحلة بدء النوم، ومع ذلك، لم نكن نرغب أن ينام المشاركون فحسب، بل أردنا أيضًا أن يبقوا في المنطقة الرمادية بين اليقظة والنوم لاختبار التأثير المحدد لهذه المرحلة على الإبداع، وتُعد هذه المرحلة الانتقالية غير مستقرة وعادةً ما تتحول بسرعة إلى نوم أعمق، مما يجعل من الصعب للغاية توقع وقت إيقاظ المشاركين قبل أن يستغرقوا في نوم عميق.

البقاء على حافة النوم

ونوَّه الباحثون إلى أنهم، ولمساعدة المشاركين في الدراسة البقاء على أعتاب النوم، استلهموا فكرة توماس إديسون وسلفادور دالي، ذلك أنهم طلبوا من المشاركين حَمْل زجاجة بلاستيكية في أيديهم، حتى يوقظوا أنفسهم عند سقوط الزجاجة قبل الاستغراق في نوم عميق، وفي نهاية هذه الاستراحة، طُلب من المشاركين العمل على 330 محاولة جديدة لمهمة خفض العدد ذاتها، وراقبوا حدوث التفكير الإبداعي.

وطوال التجربة، ارتدى المشاركون أجهزة استشعار، وُضعت على رؤوسهم وذقونهم وحول أعينهم لرصد نشاطهم الدماغي والبصري والعضلي. ومن هذه الإشارات، نستطيع أن نراقب حالة نوم المشاركين في الوقت الحقيقي وأن نقسِّم العينة إلى ثلاث مجموعات: الأولى لمن ظلوا مستيقظين أثناء الاستراحة بالكامل، والثانية للذين غفُوا (ودخلوا فقط المرحلة الأولى من النوم المسماة «إن1»، والمجموعة الثالثة للذين وصلوا إلى المرحلة الثانية «إن2».

Embed from Getty Images

وفي إجابة عن السؤال المطروح: هل كان إديسون ودالي مُحقَّيْن في التفكير بأن البقاء على حافة النوم يوفر وصولًا مباشرًا إلى قمة التفكير الإبداعي؟ قال الباحثون إنهم وجدوا أن 83% من المشاركين الذين غفُوا (المجموعة «إن1») اكتشفوا القاعدة الخفية، مقارنة بـ31% فقط من المتطوعين في المجموعة الأولى الذين ظلوا مستيقظين.

هذه الزيادة التي تقدر بثلاثة أضعاف في نسبة مَنْ حظوا بلحظات إبداع مثيرة للدهشة بالنظر إلى أن الفرق بين المجموعة «إن1» والمجموعة المستيقظة بلغ في المتوسط قضاء دقيقة واحدة فقط في المرحلة الأولى من النوم، وقد اختفت دفعة الإبداع تلك في صفوف المتطوعين الذين بلغوا المرحلة الثانية «إن2»، إذ وجد 14% منهم فقط القاعدة الخفية، وعلى هذا يبدو أن هناك أرضًا خصبة للوصول إلى التفكير الإبداعي أثناء بدء النوم: وللوصول إلى تلك المرحلة لا بد وأن ينام المرء بسهولة ولكن ليس بعمق شديد.

إديسون ودالي كانا على حق

ويتابع الباحثون: هل كانت طريقة إديسون فعالة لالتقاط هذه البقعة الخلاقة الرائعة؟ لقد لاحظنا تباطؤ نشاط الدماغ (علامة على بدء النوم) قبل سقوط الزجاجة مباشرة، ونظرًا إلى أن الصوت الناجم عن سقوط الزجاجة أيقظ المشاركين في كل مرة، فقد تمنع طريقة إديسون المشاركين من الانتقال بعمق إلى المرحلة الثانية «إن2»، والتي لا يبدو أنها تُفيد الإبداع.

ومع ذلك، لاحظنا أيضًا أن المشاركين قد يُسقِطون الزجاجة أحيانًا حتى قبل الوصول إلى مرحلة «إن1». ويشير هذا السقوط المبكر إلى أن هذا الأسلوب حساس للإشارات المبكرة للنعاس، ومن ثم قد يمنع المشاركين أحيانًا من الوصول إلى التفكير الإبداعي. باختصار، تُعد الغفوة القصيرة مع الإمساك بشيء في اليد طريقة فعَّالة للبقاء في البقعة الإبداعية الرائعة، ولكن فقط إذا استطاع المرء الوصول إليها في المقام الأول.

وينصح الباحثون: إذا أردتَ أن تجرب هذه الطريقة في المنزل، فعليك أن تجد جسمًا خفيفًا وزلِقًا. ويجب أن يُحدث الجسم ضوضاء كافية عندما يَسْقطُ لإيقاظك قَبْلَ أَنْ تَدْخلُ في سبات عميق، وبمجرد العثور على الشيء المثالي، خذ غفوة قصيرة وذراعك بارزة خارج الكرسي أو السرير. وعندما يوقظك صوت سقوط الشيء الذي تمسك به، فقد تضطر إلى الانتظار حتى يأتيك إلهامك بحل المشكلة التي تحاول حلها.

Embed from Getty Images

وفي الواقع، وعلى عكس عديد من روايات لحظات الإبداع، وفي اللحظات التي تحدث مباشرة عند الاستيقاظ، وجد مشاركونا الخدعة السرية مع تأخير لنحو 94 محاولة جديدة في المتوسط، ولذلك، تُعد الآليات العصبية التي يعمل بها النوم على تعزيز الرؤى الإبداعية تظل غامضة، ولكن هناك شيئًا واحدً مؤكدًا، وهو أن لديك الآن عذرًا مثاليًّا لتغفو قليلًا خلال الاجتماعات، بحسب ما يُختَم التقرير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد