في الماضي، جفَّفها صدام حسين من المياه انتقامًا منها، ومع ذلك، عادت أهوار العراق (مجموعة من المسطحات المائية تغطي الأراضي المنخفضة) إلى سابق عهدها بصورة جزئية، وتقع الأهوار في جنوب شرق العراق. لكنها تواجه حاليًا، بالإضافة إلى مستوطناتها المنعزلة، مجموعة جديدة من التحديات.

في إطار السلسلة الجديدة التي جاءت بعنوان: «العالم من خلال عدسة» والتي أطلقتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بالتزامن مع فرض حظر السفر في شتى بقاع العالم؛ بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، سلَّطت الصحيفة الأمريكية الضوء على بقعة جديدة من أجمل البقاع على كوكب الأرض وأكثرها إثارة من خلال نشرها تقرير أعدَّته الصحافية والمصورة الإيطالية إميليان مالفاتو، المقيمة في العراق، عن منطقة أهوار العراق التي ندر أن تجد نظيرًا لها في العالم.

غياب طويل

استهلت الصحفية تقريرها المُصوَّر قائلةً: في آخر زيارة لي إلى أهوار بلاد ما بين النهرين، وكان ذلك في مارس (آذار)، وصلتُ إلى مطعم سعيد هيثم؛ لتناول الإفطار. وحالَت جائحة كوفيد-19 بيني وبين زيارة الأهوار لأكثر من عام. وكانت الشمس بدأت لتوها تشرق من السماء على الدنيا لتنثر أشعَّتها ذات الألوان الوردية والذهبية على الأرض. 

وتروي الكاتبة قائلة: كانت هَنَى، زوج هيثم، تقف بالقرب من باب منزلهم المصنوع من الخيزران والابتسامة تعلو وجهها. ووجهتْ هَنَى حديثها إليَّ قائلة: «الشاي جاهز والخبز جاهز. تفضلي عندنا». وجلسنا على سجادة بالية حول سخان كيروسين متوهج، واحتسينا الشَّاي وكنَّا نضع خبز النان المسطَّح الذي أعدَّته هَنَى حينها في الحليب الجاموسي الساخن ونأكله. وسألني سعيد وفي صوته نبرة عتاب: «ما الذي أطال غيبتك عنَّا لمدة طويلة يا إيمي؟ لم نَرَكِ منذ مدة». 

Embed from Getty Images

تقول المصوِّرة: لقد كان هذا العام، في الواقع، هو الأطول الذي قضيته من دون زيارة أهوار بلاد الرافدين منذ أن بدأت في توثيق المنطقة في أواخر عام 2016. وفي ذلك الوقت، عندما كان الصحافيُّون والمصوِّرون يتدفقون إلى منطقة شمال العراق، حيث كانت معركة الموصل مشتعلة، سلكتُ الطريق المعاكس وتوجهتُ جنوبًا. وكنت أبحث عن صورة أخرى للبلاد، صورة مختلفة عن الحرب التي كنتُ أُغطِّي أخبارها طيلة عام ونصف قبل ذلك الوقت.

واحة في وسط الصحراء

وتصف الصحافية لحظة اكتشافها منطقة الأهوار بأنها لحظة اكتشاف حقيقية، وواحدة من الأوقات النادرة التي ترتبط فيها بمكان ما وبمن يعيشون فيه. وتبدو أهوار بلاد ما بين النهرين، وهي سلسلة من أراضي المسطحات المائية التي تقع بالقرب من الحدود الجنوبية الشرقية للعراق، وكأنها واحة في وسط الصحراء، وهي كذلك بالفعل. وبالقرب من الأهوار تقع أطلال المدن السومرية القديمة (أور وأوروك وإريدو). وشهدت المنطقة بالكامل، المعروفة باسم مهد الحضارة، تطورات سابقة لأوانها في الكتابة والهندسة المعمارية والمجتمع المعقد (مفهوم تشترك فيه مجموعة من التخصصات بما في ذلك الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار والتاريخ وعلم الاجتماع لوصف مرحلة من التكوين الاجتماعي).

Embed from Getty Images

وتُوضح الكاتبة أن منطقة الأهوار هي موطن لشعبٍ يُطلق عليه اسم «المعدان»، المعروف أيضًا باسم عرب الأهوار، وهم الذين يعيشون في عمق أراضي المستنقعات والمسطحات المائية، ويشتغل أغلبهم بتربية الجاموس في مستوطنات منعزلة، ولا يُمكن الوصول إلى معظم المنطقة سوى عن طريق استخدام القوارب. أما باقي شعب عرب الأهوار، فيعيشون في مدن صغيرة تقع على ضفاف نهري دجلة أو الفرات، التي تغذي الأهوار بالمياه.

مسرح للمعارك الدامية

ونوَّهت كاتبة التقرير إلى أن عديدًا من السكان «المعدان» غادروا المنطقة قبل عقود، عندما دمَّرتها ظروف الحرب والمجاعة والقمع. إذ أدَّى قرب الأهوار، خلال الحرب العراقية الإيرانية، التي دارت في المدة بين عامي 1980 و1988، من الحدود الإيرانية إلى تحويل المنطقة إلى منطقة صراع ومسرح لمعارك دامية. وفي وقت لاحق في أوائل تسعينيات القرن العشرين، وفي أعقاب الانتفاضة الشيعية ضد حزب البعث العراقي، أصدر صدام حسين توجيهاته بتجفيف المنطقة، حيث فر إليها عديدٌ من المتمردين الشيعة، على اعتبار أن تجفيف المنطقة بمثابة انتقام وعقاب للمتمردين ووسيلة لخنق التمرد.

وبعد ذلك، تحوَّلت منطقة الأهوار إلى صحراء لأكثر من عقد من الزمان، حتى جاء الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003. وبحلول ذلك الوقت، كان الضرر قد لَحِق بالأهوار فعليًّا. وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان أقل من 10 في المئة من المناطق الأصلية للأهوار عبارة عن مستنقعات عاملة.

رحيل ثم عودة

ولفتت الكاتبة إلى أن الأهوار في الوقت الراهن، بعد إعادة غمرها بالمياه وإعادة ترميمها جزئيًّا، أصبحت مهددة من جديد بسبب تغير المناخ والافتقار إلى الوعي البيئي على المستوى المحلي، وربما الأهم من ذلك، بناء السدود في تركيا وسوريا، ومنبع النهر في العراق. وفي عام 2018، تسبب فصل الصيف الشديد الحرارة، تلاه ندرة في هطول الأمطار، في حدوث جفاف شديد أو تصحر. وفي بعض المناطق، انخفض منسوب المياه أكثر من ثلاثة أقدام.

Embed from Getty Images

وتسرد الصحافية ما رأته قائلة: هذا كل ما في الأمر، وأتذكر أنني عندما كنتُ أعبر المستنقع بالقارب الصغير، رأيتُ جواميس صغيرة نافِقة تطفو على سطح المياه. وفقد مُربُّو الجاموس مثل سعيد هيثم، حوالي ثلث ماشيتهم، واضطر كثيرٌ منهم إلى الرحيل عن المنطقة بعدما تحولت إلى صحراء، وهاجروا إلى المدن المجاورة أو أبعد من ذلك، إلى الضواحي الفقيرة مثل كربلاء والبصرة وبغداد. ولكن بعد بضعة أشهر، بدأت المياه في الازدياد في منطقة الأهوار، وعاد الناس إليها. وقد التقطتُ صورًا لأعمال التجديدات والترميمات للمنطقة، تمامًا كما كنت ألتقط صورًا للجفاف الذي ساد المنطقة قبل ذلك بعام. 

خطرٌ محدق

وتستدرك الصحافية قائلة: بيد أنني شعرتُ ولا زلتُ أشعر حتى الآن وكأن سيف ديموقليس (استعارة شائعة الاستخدام للإشارة إلى خطر وشيك يحدق بنا) مُعلَّق فوق منطقة الأهوار. وتواجه المنطقة مخاطر جمَّة، سواء من الناحية البيئية أم فيما يخص أهلها الذين يعيشون فيها. وإذا جفَّت الأهوار المستنزفة بالفعل مرةً أخرى، فربما لا يكون أمام شعب «المعدان» خيار سوى الرحيل عنها، والابتعاد عن منطقة مسالمة في أرض مضطربة. 

وأردفت الصحافية قائلة: ما زلتُ أحافظ على زيارتي لمنطقة الأهوار باستمرار. وعلى مر السنين، رأيتُ فيها الجفاف والأمطار الغزيرة والشتاء المتجمد والصيف المحترق. ورأيتُ أطفالًا يُولدون، وشاهدتهم وهم يكبرون ويترعرعون. وتابعتُ سعيد هيثم، وعائلته وهم يتنقلون حول المستنقعات، ويعتمد موقع منزلهم الجديد في كل مرة على مستوى المياه، وفي كل مرة يبنونه من الخيزران.

المصدر الرئيس للدخل

 وتضيف الكاتبة: اعتدتُ حتى على جواميس الماء الضخمة، والمعروفة محليًّا باسم الجاموس، والتي تمثل المصدر الرئيس لدخل معظم شعب المعدان. وكنتُ أخاف من الجواميس في بداية الأمر، لكنني تعلمتُ أن أتجول وسط قطيع من القرون، لأسمح لهم بشم رائحتي، وتعلمت كيف أداعب العجول الصغيرة الرقيقة الودودة، التي تحاول لَعْق يدي مثل الكلاب الكبيرة الحجم.

Embed from Getty Images

واختتمت الصحافية جولتها المصورة بالقول: عندما أوجزتُ لسعيد، التقدم الذي أنجزته مع الجواميس والمنطقة، بينما كنا ننتهي من وجبة الإفطار، انفجر ضاحكًا بضحكته الرائعة والمرحة، وقال: «أنت يا إيمي، ما زلتِ لا تعرفين شيئًا. لا يمكنكِ حتى معرفة الجاموس اللئيم في القطيع»، ثم تحدث بجدية، لكنه كان لا يزال مبتسمًا: «لا بأس، أمامكِ وقت يمكنكِ التعلم فيه».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد