«قبل خمس سنوات، لم يكن هناك شيء هنا»، هذا ما قاله حمد سعيد الرواحي للصحافي البريطاني ويد شيبارد، الكاتب بصحيفة «الجارديان»، وهو يقود سيارته مسرعًا على امتداد الطريق السريعة المعبَّدة حديثًا في صحراء عُمان الساحلية في طريقه إلى مدينة الدقم.

تقرير نشرته الصحيفة البريطانية سلط الضوء على مدينة الدقم، المدينة الوليدة على بعد 300 ميل (480 كيلومترًا) من العاصمة العمانية مسقط، والتي كانت قرية صيد قبل عام 2011. في ما أعادت سلطنة عمان تصور المدينة، جنبًا إلى جنب على امتداد مخيمات الساحل والبدو البدائية، وصفها منطقة اقتصادية خاصة جديدة.

وأضاف الرواحي، الذي عاش في الدقم لبضع سنوات ويعمل في حوض السفن بالمدينة: «لقد تغيرت بالكامل. لدينا الآن فنادق وفيلات من فئة خمس نجوم… وهناك متاجر ومحلات سوبر ماركت وأماكن يمكن زيارتها». لا تزال المدينة في بداياتها. وقد تم بالفعل تعبيد شبكة الطرق السريعة الرئيسية، وبدأ تشغيل الميناء وحوض السفن في الآونة الأخيرة، وتستعد مصافي النفط للتشغيل، وافتتح فندقان فاخران أبوابهما.

في غضون عامين من المتوقع أن يستوطن المدينة 111 ألف شخص، حسبما ذكر التقرير. المشروع هو الأحدث في سلسلة طويلة من الخطط التي تمتد إلى الثمانينيات من القرن الماضي، والتي تهدف إلى تطوير أجزاء قاحلة في عمان. يقيم حوالي 70% من سكان البلاد داخل قطاع ساحلي يبلغ طوله 150 ميلًا في الشمال بالقرب من مسقط. تنظر الحكومة الآن إلى مئات الأميال من السواحل غير المستخدمة لاستغلال الإمكانات الاقتصادية.

بيئة اقتصادية جديدة

يتبع المخطط الرئيسي للدقم إرشادات التطوير العابر عمليًّا خطوة بخطوة. ويجري استخدام ميناء بحري لتشييد منطقة اقتصادية خاصة واسعة، والتي بدورها تستخدم محركًا اقتصاديًّا للمدينة الجديدة كليًّا. وسيتم بناء سلسلة كاملة من المنشآت المدنية في الدقم: المناطق الصناعية، ومصفاة كبيرة، ومطار جديد، ومراكز التعليم، والغابات المترامية الأطراف السكنية الحديثة ومنطقة سياحية.

استثمارات فندقية بالدقم- الجارديان

الفكرة هي أن باقي المشروعات المختلفة ستخلق بالتعايش: حركة المرور في الميناء ستدفع الطلب على الصناعات في المنطقة الاقتصادية الخاصة، هذه الصناعات ستخلق الحاجة إلى مساكن للموظفين والمستثمرين، وهذا العدد الجديد سيحتاج إلى الترفيه والمحلات التجارية، والمدارس والرعاية الصحية. هذا من الناحية النظرية، على الأقل.

ثمة هدف أيضًا أن تسمح الطبيعة الرئيسية للدقم ببيئة اقتصادية أكثر تحررًا، قد ينتج منها المزيد من الصناعات الخاصة، وتخلق أنواعًا جديدة من الوظائف، وتجتذب الاستثمار الأجنبي، بينما تغري العمانيين بعيدًا عن مسقط.

ونقل التقرير عن دانيشانكار براساد، وهو باحث محلي عمل على تقييم الآثار البيئية والثقافية للمدينة الجديدة، قوله: «الدقم مدينة صناعية ضخمة يتم بناؤها من العدم. سوف تغير بشكل جوهري موقع النشاط الصناعي من الأجزاء الشمالية من البلاد، وهي مناطق حضرية بشكل مكثف. إن وجود هذه المساحة الجغرافية الضخمة مع هذا العدد القليل من السكان، وعدم وجود نشاط صناعي هو في الحقيقة ليس السبيل الأمثل للتقدم».

على الصعيد العالمي، الدقم ليست استثناءً. نحن في خضم عصر من المدن الجديدة –مع أكثر من 200 مدينة جديدة حاليًا تحت الإنشاء. ويجري إضفاء الطابع المدني والحضري على الصحارى النائية في جميع أنحاء شرق آسيا والشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا. هناك نوركنت في كازاخستان، وأيلات في أذربيجان، ومدينة كابول الجديدة في أفغانستان، وبغداد الجديدة في العراق، ووادي روابي في فلسطين، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، والقاهرة الجديدة في مصر، يوجد في المغرب تسع مدن جديدة قيد الإنشاء، والكويت لديها 12 مدينة.

على الرغم من اختلافها في الحجم والتعقيد، إلا أن معظم هذه المدن الجديدة مصممة لتحقيق أهداف مماثلة: إعادة تشكيل اقتصادها، وإعادة تشكيل الدولة باعتبارها متقدمة تقنيًّا ومستدامة اقتصاديًّا، على نحو أنيق وعصري ودولي.

عصر ما بعد النفط

أشار التقرير إلى أن عمان في حاجة ماسة للتنويع بعيدًا عن اعتمادها على النفط والغاز. ويضع البحث الذي أجرته إدارة معلومات الطاقة الأمريكية احتياطي النفط الخام في عُمان عند 5.6 مليار برميل. في حين أن هذا يكفي فقط لتحتل البلد المركز 21 على العالم، فإن اقتصادها يعتمد عليه بشكل غير متناسب؛ إذ يمثل النفط والغاز ما يقرب من نصف إجمالي الناتج المحلي للبلاد، و70% من الصادرات، وما يتراوح بين 68% و85% من الإيرادات الحكومية.

توقع صندوق النقد الدولي في عام 2016 أن عُمان قد تكون واحدة من مجموعة الدول الشرق أوسطية المعتمدة على النفط، والتي قد تنفد منها الأموال قبل نهاية العقد. فمع الصدمات مثل انهيار أسعار النفط عام 2014، يعد تنويع الاقتصاد مسألة ملحة للبلاد.

منازل سكنية في مدينة الدقم- المصدر صحيفة الجارديان

وردت حكومة سلطنة عمان بالقول إن حصة المشتقات الهيدروكربونية من الناتج المحلي الإجمالي ستنخفض إلى النصف بحلول عام 2020. ولتحقيق هذه الغاية، تم تخصيص 106 مليارات دولار لتطوير قطاعات السياحة والنقل والعقارات، كما تم مضاعفة الجهود المبذولة من أجل تحقيق مشاريع مثل الدقم.

تقول الدكتورة سارة موزر، أستاذة الجغرافيا بجامعة ماكغيل: «يجري حاليًا إنشاء عشرات من المدن الجديدة في الشرق الأوسط، خاصةً في ظل الانتقال من صناعة النفط إلى مجموعة متنوعة من الصناعات الأخرى، بما في ذلك السياحة والتصنيع والتعليم والتكنولوجيا الفائقة».

«العديد من الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط متلهفة لعولمة اقتصادها وجذب المستثمرين الدوليين، ولا سيما في انتظار عالم ما بعد النفط. إن المدن الجديدة هي وسيلة لإطلاق هذا التحول الاقتصادي، كما ينظر إليها بوصفها طريقة لبداية جديدة، وتجنب الفساد والبيروقراطية والتشابكات السياسية المترسخة في المدن القائمة».

تقع مدينة الدقم على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز، البوابة إلى الخليج العربي، وأكبر مورد للنفط في العالم. ويتدفق ما يقرب من خُمس النفط في العالم حاليًا عبر هذا الممر، وهو عرضة للاضطراب. إذا نجح مشروع الدقم، فستكون صناعة النقل البحري قادرة على الرسو عند بوابات الشرق الأوسط دون الحاجة إلى السير إلى الداخل.

هذا الموقع الاستراتيجي هو الذي جذب انتباه طريق الحرير البحري الذي تنفذه بكين قريبًا. أكثر من ثلاثة أرباع صادرات النفط الخام العمانية تذهب مباشرة إلى الصين.

وفي العام الماضي، تملكت شركة عمان وانفانج –وهي اتحاد شركات صينية خاصة– حصة بقيمة 10.7 مليارات دولار في منطقة اقتصادية خاصة في الدقم. لقب الاتحاد القطاع المملوك له في الدقم باسم المدينة الصناعية الصينية العمانية، ولديه خطط لبناء مصفاة نفط، ومصنع للميثانول، ومعمل لإنتاج معدات الطاقة الشمسية، ومصنع للسيارات، ومصنع لمواد البناء، وسياحة من فئة الخمس نجوم بقيمة 200 مليون دولار. ومنازل كافية لدعم السكان البالغ عددهم 25 ألف في المنطقة.

في حين أن الأموال لهذا المسعى ليست رسمية من الحكومة الصينية، إلا أن شركة عمان وانفانج لديها بوضوح الدعم السياسي الكامل من بكين، بما في ذلك موافقة من لجنة التنمية الوطنية والإصلاح. وقد أدى هذا الدعم السياسي رفيع المستوى إلى مد طريق المغامرات الاقتصادية الصينية الأخرى في عُمان، مثل البنك العملاق الذي تبلغ قيمته 3.6 مليارات دولار من قرض قدم إلى مسقط العام الماضي.

وقد استثمرت دول أخرى في الدقم أيضًا، بما في ذلك الكويت واليابان والمملكة العربية السعودية وكوريا الجنوبية، وفي فبراير (شباط) تم إعلان أن الهند ستتاح لها إمكانية الوصول إلى الميناء وحوض السفن لأغراض تجارية وعسكرية.

وبينما لم تكن الدقم مدينة مكتظة بالسكان، كان حوالي 3 آلاف من البدو –معظمهم من الصيادين والرعاة شبه الرحل– يحلون على المنطقة قبل أن تصل الجرافات. وقد تم الآن هدم هذه القرى، وأنشأت الحكومة العمانية مدينة جديدة وحديثة لنقلهم إليها. تبدو المنازل وكأنها منازل شبيهة بتلك التي توجد في مسقط؛ مبانٍ بيضاء مشرقة ذات طابقين مع مرائب وبوابات مزخرفة، وهناك مسجد وسط المدينة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد