العالم بدون الإنسان كان سيصبح أرضًا للعمالقة.

نشرت مجلة «لايف ساينس» مقالاً لباتريك بيستر أحد كتابها ممن يعملون في مجال الحفاظ على الحياة البرية والأنواع المهددة بالانقراض، حول التطورات التي حدثت على الأرض منذ العصر الجليدي الذي شهد انقراض الحيوانات العملاقة وظهور الإنسان الحديث وتداخله مع إنسان نياندرتال ودينيسوفان وهما سلالتان انقرضتا بظهوره.

الأرض بلا إنسان

يبدأ الكاتب مقاله بافتراض حول عدم وجود الإنسان الحديث الذي تتجلى بصماته في كل شيء في المدن وغيرها، وكيف سيبدو العالم لو لم يكن البشر قد وجدوا؟

يرسم بعض العلماء صورة لبرية نقية تتمتع بوفرة في الأنواع. يقول تريفور ورثي، عالم الحفريات والأستاذ المساعد في جامعة فلندرز في أستراليا، للايف ساينس: «أعتقد أنه سيكون مكانًا نباتيًا أكثر بكثير مما هو عليه اليوم، وبه ثروة من الحيوانات ذات الحجم الكبير منتشرة في جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية». قد يعني العالم بدون البشر المعاصرين أيضًا أن أقاربنا من البشر المنقرضين، مثل إنسان نياندرتال، كانوا سيظلون موجودين. وهم، بلا شك، كانوا سيغيرون المشهد أيضًا.

Embed from Getty Images

لقد شكّل البشر العالم على حساب العديد من الأنواع، التي تسببنا في انقراضها من خلال أنشطة مثل الصيد وتدمير الموائل. ومعدل الانقراض على الأرض اليوم أكثر بـ 100 مرة مما كان سيكون عليه بدون البشر، وفقًا لأكثر التقديرات تحفظًا. ولم يكن أعلى مما هو عليه اليوم منذ حدث انقراض العصر الطباشيري والباليوجيني الذي قضى على حوالي 80% من أنواع الحيوانات، بما في ذلك الديناصورات غير الطائرة، قبل 66 مليون سنة.

يقول ورثي: «كان جدي الأكبر قادرًا على مشاهدة أسراب من آلاف الببغاوات في الطبيعية، ورأى جدي أسرابًا يبلغ عددها مائة، وأنا محظوظ إذا تمكنت من رؤية اثنين في الغابات».

انقراض طائر الموا

يلفت الكاتب إلى أن تراجع الطبيعة الذي يقوده الإنسان يشير إلى أن الأرض كانت ستصبح مكانًا أكثر برية من دوننا، مع وجود بعض الكائنات المفقودة، مثل طائر الموا moa. تطورت هذه المجموعة من الطيور التي تشبه النعام، في نيوزيلندا على مدى ملايين السنين. وفي غضون 200 عام من وصول البشر إلى أراضيها قبل 750 عامًا، اختفت جميع أنواعها التسعة. وتُعد الموا العملاقة ونسور هاست أمثلة حديثة على الحيوانات الكبيرة التي يرتبط انقراضها بالأنشطة البشرية، مثل الصيد غير المستدام وإدخال الأنواع الغازية في موائل جديدة.

يعتقد سورين فوربي، كبير المحاضرين في علم الحيوان بجامعة غوتنبرغ في السويد، أن البشر لعبوا دورًا رئيسيًا في اختفاء العديد من الثدييات الكبيرة منذ آلاف السنين. وقاد فوربي دراسة عام 2015، نُشرت في مجلة علمية، أشارت إلى أنه بدون البشر، كانت الأرض ستشبه إلى حد كبير المحميات الأفريقية التي تعج بالحياة.

علوم

منذ 3 شهور
يسير على الأرض ورأسه يشبه الكلب.. قصة الحوت المصري المنقرض الذي عاش في الفيوم

ووفقًا لهذا السيناريو، ستعيش الحيوانات المنقرضة المشابهة لتلك الموجودة في المحميات اليوم – بما في ذلك الفيلة ووحيد القرن والأسود – في جميع أنحاء أوروبا. وستكون الأمريكتان موطنًا لأقارب الأفيال والدببة الضخمة، وفقًا لفوربي.

يقول فوربي: «في عالم خالٍ من البشر، سيكون هناك تنوع أكبر بكثير من الثدييات الكبيرة». الفيلة والحيوانات الكبيرة الأخرى توجد حيث يوجد الطعام. وقال فوربي: «إذا كنت كبيرًا بما يكفي، فقد يكون من الأسهل أن تسقط شجرة وتتناول الأوراق الطازجة أعلاها».

تأجيل العصر الجليدي المقبل

يشير المقال إلى أنه خلال العصر الجليدي الأخير في العصر البليستوسيني، (منذ 2.6 مليون إلى 11700 سنة)، كان العالم غنيًا بالحيوانات الضخمة megafuna، لكن معظمها نفق مع انتهاء العصر الجليدي، أو خلال آلاف السنين بعدها. فعلى سبيل المثال، انقرض حوالي 38 جنسًا من الحيوانات الكبيرة في أمريكا الشمالية في نهاية العصر الجليدي الأخير، وفقًا لدراسة نشرت عام 2020 في مجلة علمية.

وخلصت دراسة نشرت عام 2021 في مجلة «نيتشر» إلى أن تغير المناخ قضى في النهاية على الماموث الصوفي وغيره من الحيوانات الضخمة التي تعيش في القطب الشمالي، والتي نجت من نهاية العصر البليستوسيني، حيث تسبب المناخ الدافئ في رطوبة الجو بالنسبة للنباتات التي يأكلونها لدرجة يستحيل معها البقاء على قيد الحياة. 

Embed from Getty Images

ومع ذلك، قام البشر بصيد الماموث، ويعتقد العلماء أن البشر ربما كانوا العامل الرئيسي في انقراضهم، حيث يجادلون بأن الماموث نجا من التغيرات المناخية قبل ظهور البشر ومن المحتمل أنه كان سيعيش حتى يومنا هذا لولا ممارساتهم.

يضع كريستوفر دوتي، الأستاذ المشارك وعالم البيئة في جامعة أريزونا، نماذج لكيفية قيام الحيوانات الكبيرة في الماضي والحاضر بنقل البذور والمغذيات من خلال الأكل والتغوط. يشير عمله إلى أن نقل عناصر مثل الفوسفور والكالسيوم والمغنيسيوم، وهي عناصر مهمة للحياة، قد انخفض بنسبة تزيد عن 90% من خلال انقراض الحيوانات الكبيرة.

ويفترض دوتي أنه بدون البشر، كانت العناصر ستوزع على نحو متساوِ. وهذا يعني تربة أكثر خصوبة، ونظم بيئية أكثر إنتاجية. ويجمع البشر العناصر معًا من خلال ممارسات مثل الزراعة وإنشاء مناطق مسيجة، ولذا تصبح هذه المناطق أقل خصوبة بمرور الوقت مقارنة بالأنظمة البرية، وفقًا لدوتي. 

وفي حين أنه من الصعب تحديد كيفية تأثير البشر والحيوانات الضخمة في التغيرات المناخية منذ آلاف السنين مع اندثار الأدلة بمرور الوقت، فمن الأسهل كثيرًا الحكم على تأثيرنا في مناخ الأرض اليوم. ورفع الاحتباس الحراري، الناجم عن أنشطة البشر بمتوسط ​​درجات يصل إلى درجة مئوية منذ بداية القرن العشرين. لذا، كان من الممكن أن تكون الأرض على الأقل أكثر برودة من دوننا.

وخلصت دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة «نيتشر» إلى أن الاحترار الذي يسببه الإنسان سيؤجل العصر الجليدي القادم بما لا يقل عن 100 ألف عام. 

البشر حتميّون

يقول الكاتب إنه لم يكن البشر المعاصرون هم أشباه البشر الوحيدون على اليابسة، وإخراجهم من المعادلة ربما كان سيفتح الباب لأبناء عمومتنا من إنسان نياندرتال. والعلماء ليسوا متأكدين من سبب انقراض إنسان نياندرتال منذ حوالي 40 ألف عام، ولكن نظرًا لتزاوجهم مع الإنسان العاقل، فإن أجزاء من حمضهم النووي تعيش في بعضنا. ومع تعدد الأسباب المرجَحة لانقراض إنسان نياندرتال، إلا أن البشر هم المتهمون الرئيسيون في ذلك.

Embed from Getty Images

ويعتقد كريس سترينجر، الأستاذ وباحث الأصول البشرية في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، أن التنافس على الموارد كان عاملاً في اختفاء إنسان نياندرتال. وقال للمجلة: «لو لم نكن موجودين، لو لم نأت لأوروبا قبل 45 أو 50 ألف سنة، أعتقد أنهم على الأرجح كانوا سيظلون هنا حتى الآن». 

ووفقًا لـ سترينجر، كان إنسان نياندرتال يعيش حياة معقدة في أوروبا، لكنهم واجهوا صعوبة في التكيف مع التغيرات المناخية وكان عددهم قليلًا نسبيًا، مع تنوع جيني منخفض. وهذا سيئ بالنسبة لأي نوع، لأنه علامة على زواج الأقارب واعتلال الصحة. وقال سترينجر إن إنسان نياندرتال كان على الأرجح يعاني وجاءت نهايته مع وصول الإنسان الحديث إلى هناك.

الدينيوسوفان ضحية أخرى

ولكن لم يكن إنسان نياندرتال وحده ضحية البشر؛ إذ يدرس العلماء سلالة بشرية أخرى على الأقل عاصرت الإنسان الحديث وإنسان نياندرتال: إنسان دينيسوفان. وهي سلالة أقرب إلى إنسان نياندرتال من الإنسان الحديث في الجينات والمظهر، ولكن تتميز عن إنسان نياندرتال بأضراسها الكبيرة جدًا.

ومن المحتمل أن البشر قد تزاوجوا مع دينيسوفان؛ إذ يوجد دليل على الحمض النووي للدينيسوفان في البشر الحاليين الذين يعيشون في أماكن مثل غينيا الجديدة في أوقيانوسيا – وهو اكتشاف يشير إلى أن دينيسوفان كانوا في جنوب شرق آسيا يتفاعلون مع أسلاف البشر المعاصرين الذين استقروا فيما بعد في الشرق، وفقًا لدراسة نشرت عام 2012 في مجلة ساينس. كما دخل دينيسوفان في شراكة مع إنسان نياندرتال في سيبيريا، حيث عثر على بقايا متحجرة لهجين دينيسوفان وإنسان نياندرتال.

علوم

منذ 10 شهور
مترجم: 10 من أهم ما اكتشفناه عن أسلافنا البشر في عام 2020

وتشير تفاعلات دينيسوفان إلى أنهم كان لديهم نطاق جغرافي أكبر من إنسان نياندرتال، ويشمل مجموعة متنوعة من البيئات، وبالتالي، يمكن القول أنهم كانوا أكثر تكيفًا من إنسان نياندرتال. تشير أدلة الحمض النووي أيضًا إلى أن دينيسوفان ربما كان لديهم تنوع جيني أكبر مما كان لدى إنسان نياندرتال، ووفقًا لسترينجر: «ربما كانوا رهانًا أفضل للبقاء على قيد الحياة من إنسان نياندرتال».

إن إنسان نياندرتال ودينيسوفان مهمان، لأنه إذا نجا أحد هاتين السلالتين أو كلاهما، فربما كانوا سيشقّون مسارًا مشابهًا لما صنعه الإنسان المعاصر في نهاية المطاف، منتقلين من الصيد وجمع الثمار إلى تطوير الزراعة.

يختم الكاتب مع سترينجر الذي يقول: «لا يوجد سبب يمنع إنسان نياندرتال أو إنسان دينيسوفان من فعل ذلك في نهاية المطاف، مع إتاحة الوقت الكافي لهم». وأضاف أنهم ربما تغلبوا على أي قصور فكري محتمل، ومن غير الواضح إذا كانوا يمتكلون هذه القدرة، من خلال التطور. لذا، ربما لم يكن العالم ليبدو مختلفًا تمامًا على أي حال.

وأضاف «وبالمثل، ربما كانوا سيرتكبون نفس الأخطاء التي ارتكبناها منذ ذلك الحين. لذا، كان من الممكن أن يكون الاحتباس الحراري موجودًا هنا، ولكن إنسان نياندرتال أو دينيسوفان هو من يتولى دفة القيادة وليس نحن.. من يدري؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد