نشر موقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي مقالًا لياعيل أنيميك أنجمرز، طالبة دكتوراة بجامعة ليفربول، وأندرو بيجين، أستاذ المغناطيسية القديمة بالجامعة نفسها، حول إمكانية انعكاس الأقطاب المغناطيسية للأرض، ويقع ذلك عندما ينقلب الحقل المغناطيسي الكلِّي للأرض، أي يتجه الشمال نحو الجنوب والعكس، وتتحول البوصلات ذات الاتجاه الشمالي بمقدار 180 درجةً في اتجاه القطب الجنوبي. ويحدث ذلك كل بضعة مئات الآلاف من السنين ويؤدي إلى إضعاف المجال المغناطيسي للأرض، والذي بدوره يسمح بمرور مزيد من الإشعاعات الشمسية أو غيرها، ويؤثر على الحياة على الأرض، كما يمكن أن يسبب مشاكل خطيرة في الأقمار الصناعية، والاتصالات، وأنظمة الطاقة.

وفي بداية مقالهما، يقول الكاتبان: إن الحديد السائل يتدفق إلى أعماق الأرض ويولِّد المجال المغناطيسي للأرض الذي يحمي غلافنا الجوي والأقمار الصناعية من الإشعاع الضار القادم من الشمس. ويتغير هذا المجال المغناطيسي بمرور الوقت، ويختلف سلوكه أيضًا في أجزاء مختلفة من العالم. ويمكن لهذا المجال تغيير القطبية تمامًا، مع تبديل القطبين المغناطيسيين الشمالي والجنوبي ليحل كل منهما مكان الآخر. ويُسمَّى هذا بالانعكاس، وقد حدث آخر مرة منذ 780 ألف سنة.

وفي المنطقة الممتدة بين أمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا، توجد منطقة مغناطيسية غامضة تُسمَّى شذوذ جنوب المحيط الأطلسي، حيث يَضْعُف المجال المغناطيسي أكثر مما نتوقع. ويُعتقَد أن المجالات المغناطيسية الضعيفة وغير المستقرة يسبق حدوثها حدوث الانعكاسات المغناطيسية، ولذلك يجادل البعض بأن هذا الملمح قد يكون دليلًا على أننا نواجه انعكاسًا مغناطيسيًّا.

احتمال أن تنعكس الأقطاب المغناطيسية للأرض

ولفت الكاتبان إلى أن دراستهما الحديثة، التي نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية/Proceedings of the National Academy of Sciences العلمية كشفت عن طول المدة التي كان يعمل فيها المجال المغناطيسي على نحو سيئ في جنوب المحيط الأطلسي، وتسلط الضوء على ما إذا كان هذا الأمر يثير القلق.

والحقول المغناطيسية الضعيفة تجعلنا أكثر عرضة للعواصف المغناطيسية التي لديها القدرة على تدمير البنية التحتية الإلكترونية، بما في ذلك شبكات الطاقة. والمجال المغناطيسي لشذوذ جنوب المحيط الأطلسي ضعيف بالفعل لدرجة أنه يمكن أن يؤثر سلبًا على الأقمار الصناعية وتقنياتها عندما تسافر عبره. كما يُعتقَد أن هذه المنطقة الغريبة مرتبطة بجزء مغلق من المجال المغناطيسي الذي يشير إلى اتجاه مختلف عن الباقي في الجزء العلوي من النواة الخارجية السائلة للكوكب على عمق ألفين و889 كيلومترًا داخل الأرض.

 هل تنعكس الأقطاب المغناطيسية للأرض؟

المجال المغناطيسي الأرضي على سطح الأرض مع شذوذ جنوب المحيط الأطلسي مظللان باللون الأزرق الداكن وجزيرة سانت هيلانة مميزة بنجمة. ويُظهِر المخطط الأسود حدود منطقة كبيرة ذات سرعة زلزالية بطيئة على نحو غير طبيعي (مما يعني ضمنًا وجود غشاءٍ ساخن) تقع على قمة نواة الأرض. وتتراوح الألوان من المجالات الضعيفة (الزرقاء) إلى المجالات القوية (الصفراء).

لقد نمت «رقعة الفيض العكسي» نفسها على مدار الـ250 عامًا الماضية. لكننا لا نعرف ما إذا كان ذلك مجرد نتاج لواحدة من الحركات الفوضوية لسائل النواة الخارجية أو بالأحرى للأحداث الخاصة بسلسلة من الشذوذ داخل هذه المنطقة المحددة على مدار أُطُر زمنية طويلة. وإذا كان هذا النمو ميزة غير متكررة، فإن موقعه الحالي ليس مهمًا، ويمكن أن يحدث في أي مكان، وربما عشوائيًّا. ولكن إذا كان هذا هو الحال، فإن السؤال عما إذا كان حجم هذا النمو وعمقه المتزايدان يمكن أن يؤذن ببداية انعكاس جديد. وإذا كان هذا هو الأحدث في سلسلة من الميزات المتكررة على مدار ملايين السنين، فإن هذا من شأنه أن يجعل حدوث الانعكاس أقل احتمالًا. لكنه سيتطلب تفسيرًا محددًا للأسباب التي تقف وراء السلوك الغريب للمجال المغناطيسي في هذا المكان بالتحديد.

انعكاس الأقطاب المغناطيسية: الصخور البركانية

يقول الكاتبان: لمعرفة سبب ذلك، سافرنا إلى جزيرة سانت هيلانة الواقعة في وسط جنوب المحيط الأطلسي. وتتكون هذه الجزيرة، حيث نُفيَ نابليون وتُوفيَ هناك في عام 1821، من صخور بركانية. ونشأت هذه الصخور البركانية من بركانَين منفصلين اندلعا منذ مدة تتراوح بين 8 ملايين و11.5 مليون سنة. وعندما تبرد الصخور البركانية، تتمغنط حبيبات أكسيد الحديد الصغيرة التي بداخلها، وبذلك تحافظ على اتجاه المجال المغناطيسي للأرض وقوته في ذلك الوقت والمكان. وقد جمعنا بعضًا من تلك الصخور، وأعدناها إلى مختبرنا في ليفربول، حيث أجرينا تجارب لمعرفة حال المجال المغناطيسي وقت الثوران.

علوم

منذ 3 شهور
ماذا سيحدث لو اختفى المجال المغناطيسي للأرض؟ الأمر أخطر مما تتخيل

وأظهرت نتائجنا أن المجال المغناطيسي في سانت هيلانة كانت له اتجاهات مختلفة جدًّا طوال فترة الثوران؛ مما يشير إلى أن المجال المغناطيسي في هذه المنطقة كان أقل استقرارًا بكثير من أماكن أخرى. وبذلك تتحدى هذه النتيجة فكرة أن الشذوذ موجود منذ بضعة قرون فقط. وبدلًا عن ذلك فمن المحتمل أن تكون المنطقة بأكملها غير مستقرة على نطاق زمني يصل إلى ملايين السنين. ويعني هذا أن الوضع الحالي ليس نادرًا كما افترض بعض العلماء؛ مما يقلل من احتمالية تمثيله لبداية حدوث انعكاس.

نافذة على باطن الأرض

وتساءل الكاتبان قائلَيْن: إذًا ما الذي يمكن أن يفسر وجود المنطقة المغناطيسية الغريبة؟ تتحرك النواة الخارجية السائلة التي تنتج عنها هذه المنطقة (عن طريق الحمل الحراري) بسرعات عالية لدرجة أن التغييرات يمكن أن تحدث خلال جداول زمنية بشرية قصيرة جدًّا. وتتفاعل النواة الخارجية مع طبقة فوقها تُسمَّى الغشاء، والذي يتحرك على نحو أبطأ بكثير. ويعني هذا أنه من غير المحتمل أن يكون الغشاء قد تغير كثيرًا خلال العشر ملايين سنة الماضية.

 هل تنعكس الأقطاب المغناطيسية للأرض؟

البنية الداخلية للأرض

الغطاء الجليدي القشرة، القشرة القارية (من الجرانيت)، القشرة المحيطية، الغلاف الموري، الغشاء الصلب، الأرض مرسومة حسب المقياس، غشاء أكثر صلابة، النواة الخارجية (سائلة)، النواة الداخلية (صلبة)، القارة، المحيط، الغلاف الجوي، المحيط المائي

وبدراسة الموجات الزلزالية التي تضرب الأرض، توصلنا إلى بعض المدركات عن بنية الغشاء. ويوجد تحت قارة أفريقيا ميزة كبيرة للغشاء السفلي حيث تتحرك الموجات ببطء شديد عبر الأرض؛ مما يعني أنه من المرجح وجود منطقة دافئة على نحو غير عادي في الغشاء السفلي. وقد يتسبب هذا في تفاعل مختلف مع النواة الخارجية في هذا الموقع المحدد؛ مما قد يفسر السلوك الغريب للمجال المغناطيسي في جنوب المحيط الأطلسي.

والجانب الآخر من باطن الأرض هو النواة الداخلية، وهو عبارة عن كرة صلبة بحجم كوكب بلوتو أسفل النواة الخارجية. وتنمو هذه الميزة القوية ببطء، ولكن ليس بنفس المعدل في كل مكان. وهناك احتمال أنها تنمو بوتيرة أسرع على جانب واحد؛ مما يتسبب في حدوث فيض داخل النواة الخارجية يصل إلى الحدود الخارجية مع الغشاء الصخري أسفل نصف الكرة الأطلسي مباشرةً. وقد يتسبب هذا في سلوك غير منتظم للمجال المغناطيسي على مدار النطاقات الزمنية الطويلة التي وجدناها في سانت هيلينا.

واختتم الكاتبان مقالهما قائلَيْن: على الرغم من أنه لا يزال هناك عدد من الأسئلة حول السبب الدقيق للسلوك غير المنتظم في جنوب المحيط الأطلسي، توضح لنا هذه الدراسة أنه كان موجودًا منذ ملايين السنين وعلى الأرجح جاء نتيجةً للتفاعلات الجيوفيزيائية في باطن الأرض الغامض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد