بعد أن وعدوا بدخل، يخسر المتضررون من مشروع نفطي قيمته 20 مليار دولار أراضيهم ومواردهم

نشرت صحيفة «الجارديان» تقريرًا للصحافي الأوغندي، أليكس توموهيمبيسي، حول خط أنابيب النفط الخام في شرق أفريقيا المعروف اختصارًا باسم «إيكوب»، تطرق فيه إلى المتاعب التي تعرضت لها المجتمعات المحلية التي نُزِعت ملكيتها لإفساح المجال لمرور خط الأنابيب هذا، ولم تحصل على تعويض مقابل ذلك، ناهيك عما يسببه الخط من أضرار على البيئة والحياة البرية في المنطقة، خاصةً وأنه يمر بمناطق تمثِّل مخزونًا للمياه التي يعيش عليها أعداد كبيرة من السكان الأفارقة، مثل بحيرة فيكتوريا التي تغذي نهر النيل.

ويستهل الكاتب تقريره بصورة للمنطقة، فيقول إنه طريق وعر مليء بالوحل يؤدي إلى عمق منطقة كاكوميرو في غرب أوغندا؛ حيث سيمر أطول خط أنابيب نفط ساخن في العالم عبر منازلها ومزارعها وأراضيها الرطبة.

ورحَّب القرويون في مستوطنات كيجونجو بالمشروع بعدما أُعلِن مساره في عام 2017، على أمل أن تشتري الحكومة والشركات المعنية أراضيهم وتغيِّر حياتهم إلى الأبد. ومنذ ذلك الحين، حل الإحباط محل التفاؤل الذي ملأ قلوبهم.

وتعتمد أدرين توجومي (53 عامًا) على أرضها لإطعام أطفالها العشرة، وتبيع الموز والكسافا والفاصوليا والذرة. وعلى الرغم من أن أعمال الحفر لم تبدأ بعد، فقد طُلِب منها الابتعاد عن ذلك الجزء من الأرض الذي سيمر فيه خط الأنابيب.

معاناة محل الوعد بتغيُّر الحياة إلى الأفضل

وينقل التقرير عن أدرين قولها: «مُنعت من استخدام أرضِي لمدة ثلاث سنوات. إنه المكان الذي نحصل منه على الطعام لأطفالنا. كانت أرضي تحتوي على عديد من المحاصيل والأشجار والأدوية العشبية التي أستخدمها لعلاج الناس محليًّا. وأنا لستُ سعيدة على الإطلاق، وأتمنى أن يجدوا مسارًا آخر لخط الأنابيب هذا ويغادِروا أرضنا. إننا نعاني بدلًا من أن نكسب الأموال ونغيِّر حياتنا».

يقول السكان المحليون إنه عُرض عليهم مبلغ زهيد مقابل ممتلكاتهم، ولم يجدوا تعويضًا بعد.

وتعهد إديسون باشيجا، 73 عامًا، بعدم قبول 39715 شلنًا أوغنديًّا (8.30 جنيه إسترليني) عرضت عليه مقابل أرضه. وقال: «لدي زوجتان وعدة أبناء وأحفاد. إن استمرارنا في الحياة يعتمد على الأرض».

ويوضح الكاتب أن ناشطين محليين تعرضوا للاعتقال والاحتجاز بعد معارضتهم المشروع في الأشهر الأخيرة، ويقولون إنهم هدف للترهيب المتعمد من جانب الحكومة. وتزعم السلطات الأوغندية أن الجماعة تنتهك قوانين تسجيل المنظمات غير الحكومية.

Embed from Getty Images

ومعارضة المشروع لا تتعلق بالمخاوف الإنسانية فحسب. وسينقل خط أنابيب النفط الخام في شرق أفريقيا (إيكوب) النفط لمسافة 900 ميل (1450 كيلومترًا) من شواطئ بحيرة ألبرت على الحدود بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية عبر تنزانيا إلى ميناء تنجا على المحيط الهندي. وفي أبريل (نيسان)، وقَّعت أوغندا وتنزانيا اتفاقيات مع شركة «توتال» الفرنسية للنفط والغاز والمؤسسة الوطنية الصينية للنفط البحري (كنوك).

وسيمر خط الأنابيب عبر موائل أنواع الكائنات الحية المعرَّضة للخطر. ويمكن أن يعرِّض مصادر المياه في المجتمع للخطر ويلوث الهواء، وسيكون بناؤه مزعجًا وسببًا في ضوضاء صاخبة. وفي شينيانجا في تنزانيا، اعترفت السلطات الحكومية المحلية بأن الاضطرابات البيئية أمر لا مفر منه.

تكلفة المشروع 20 مليار دولار

لفت التقرير إلى أن المشروع الذي تبلغ تكلفته 20 مليار دولار (14.8 مليارات جنيه إسترليني)؛ المتوقع أن ينقل 1.7 مليارات برميل من النفط الخام بدءًا من 2024 أو 2025؛ يأتي في الوقت الذي يهدف فيه قادة العالم إلى التخلص من الوقود الأحفوري. وسيُسهم خط الأنابيب في أزمة المناخ، ويطلق مزيدًا من استخدام النفط وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري لعقودٍ قادمة.

ولم ترد «توتال» على طلب للتعليق، بينما قال المتحدث باسم «كنوك» إنها ملتزمة بتجنب الأضرار البيئية.

وفي منتزه مورشيسون فولز الوطني في أوغندا، تولِّد الشاحنات الثقيلة وآلات بناء الطرق ضوضاءً، كما لو كانت تتصارع على الفضاء مع الحيوانات. وجادلت الحكومة الأوغندية بأن الطرق المعبَّدة ستجذب السياحة، لكن ناشطي البيئة ينظرون إلى الطرق الإسفلتية على أنها وسيلة لتسهيل استخراج النفط.

ويقول الكاتب إن شركة «توتال» تعتزم حفر أكثر من 400 بئر نفط في مشروعها «تايلنجا»، الذي يقع داخل المنتزه الوطني الهش بيئيًّا. وستطوِّر «كنوك» مشروعها «كينجفيشر» من 31 بئرًا، الواقعة على بعد نحو 90 ميلًا (144 كم) إلى الجنوب. وستلتقي خطوط الأنابيب من الموقعين في منطقة كاسيني، حيث يُعالَج النفط وتُفصَل السوائل الأخرى، ومن ثم تُضخ عبر وادي ألبرتين ريفت لتبدأ رحلتها إلى ميناء في تنزانيا. وعلى طول المسار، سيمر خط الأنابيب بحوض بحيرة فيكتوريا، أكبر بحيرة في إفريقيا، والتي تعد مستجمع مياه الأمطار الأساسي لأكثر من 40 مليون شخص في المنطقة وتغذي نهر النيل.

وسيُدفن خط الأنابيب على عمق مترين من سطح الأرض، وسيكون عرضه 61 سم ويُسخَّن إلى 50 درجة مئوية، حتى لا يتجمد النفط الخام، وفقًا لمديري المشروع. وفوق الأرض، سيجرى إخلاء ممر عرضه 30 مترًا من جميع المباني والأشجار.

Embed from Getty Images

وسيحيط خط الأنابيب بموقع رامسار في شلالات مورشيسون، والموقع عبارة عن أرض رطبة صُنِّفت على أنها ذات أهمية دولية، وهي موطن لأنواع متنوعة من الطيور، من بينها طيور لقلق أبو مركوب المهددة بالانقراض. وقد يؤدي الحفر أيضًا إلى الإضرار بالأنواع الأوغندية من زرافات روتشيلد، والبانجولين (آكل النمل) العملاق، والضباع المرقطة، والنسور البيضاء الرأس، وكلها مدرجة في القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. وقد تشمل الحيوانات الأخرى المتضررة الأسود، والشمبانزي، والجاموس،  وأفراس النهر، والظبي الأفريقي الضخم وظبي الماء، والخنزير البري الأفريقي، والظبي الأفريقي الصغير، والظبي الأوغندي، والظبي الأفريقي الرمادي.

وفي تنزانيا أيضًا، أشار بيان الأثر البيئي الذي أُعِد للشركات إلى أنه عُثِر على أنواع معرضة للخطر أو مهددة بالانقراض في مسار خط الأنابيب، من بينها الفيلة وأفراس النهر والأسود.

حملة أوقفوا خط أنابيب شرق أفريقيا

وألمح التقرير إلى أن ناشطين ومئات من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية أطلقت في أبريل حملة أوقفوا إيكوب (#)StopEACOP، والتي تُدين استخراج النفط وخط الأنابيب لتهديداته للأنواع المهددة بالانقراض في المنتزه ومناطق الحماية الأخرى. كما طالبوا البنوك الدولية والمؤسسات المالية الأخرى بوقف تمويل المشروعات.

وقالت جلوريا سيبيكاري، المتحدثة باسم هيئة البترول الأوغندية (PAU)، إن عددًا من المسوحات البيولوجية الأساسية تُجرى في محاولة لفهم «السلوك، وأنماط النطاق واستخدام الموائل» للأنواع المعنية.

وقالت: «ومن ثم تُستخدَم المعلومات المستمدة من الدراسات في تصميم تدابير التخفيف المناسبة لتأثيرات أنشطة النفط والغاز في التنوع البيولوجي، ومراقبة ديناميكيات تجمعات الحياة البرية، وكذلك من أجل إعداد خطط إدارة خاصة بالأنواع».

وتؤكد هيئة البترول الأوغندية أن شركات النفط حصلت على جميع الموافقات اللازمة الخاصة بالتأثير البيئي والاجتماعي للمضي قدمًا في المشروع.

وأثناء مخاطبته القادة المحليين في منطقة كاكوميرو في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، قال زكاليا لوبيجا، مدير شؤون الشركة في كنوك، إن الشركة قد «طوَّرت خططًا بيئية واجتماعية وخطط مراقبة وإدارة سنلتزم بها أثناء تطوير المشروع». وقال إن الخطط ستضمن وجود «تدابير التخفيف ذات الصلة».

ومع ذلك، يقول المدافعون المحليون إن الحكومة لا تطلب أي حماية لعمليات الحفر أو لمواقع المعالجة أو خط الأنابيب.

انفجار الخط يهدد السكان المحليين

ووجد تقرير صدر عام 2020 عن منظمة أوكسفام، والذي أجرى مسحًا للمجتمعات المحلية على طول مسار خط الأنابيب، أنهم يخشون أن «ينفجر خط الأنابيب، مما يتسبب في أضرار في الممتلكات، وإصابات، وتعطيل كبير للحياة المائية في بحيرة فيكتوريا». وأشار التقرير إلى أن «التسرب لن يؤثر في أوغندا فحسب، بل سيصبح قضية عابرة للحدود تؤثر في جميع دول شرق أفريقيا».

Embed from Getty Images

وقال بريان ناهاما، وهو باحث في برنامج (Global Rights Alert)، وهي جماعة مناصرة مقرها في كمبالا، إن تقارير تقييم الأثر البيئي والاجتماعي لم تتضمن أيضًا اتفاقيات تخفيف في حالة حدوث تسرب نفطي، ولم يكن لديها خطة مفصلة لمكافحة تغير المناخ.

وقال إن الهيئة الوطنية لإدارة البيئة، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن الموافقة على المشروع، «تتابع تفويضها لإقناع شركات النفط والحكومة المركزية دون وضع مصالح البلاد في مركز الاستغلال المستدام للنفط».

ويتعارض مشروع خط الأنابيب تعارضًا مباشرًا مع توصية وكالة الطاقة الدولية، إذ إنه يجب ألا يكون هناك تطوير جديد للوقود الأحفوري إذا أردنا ألا تتجاوز سخونة الكوكب 1.5 درجة مئوية.

34 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون

وأفاد التقرير بأن المدافعين عن حملة «أوقفوا إيكوب» يقدِّرون أن خط الأنابيب سيؤدي إلى أكثر من 34 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون كل عام، مما يؤدي إلى تفاقم حالة الطوارئ المناخية العالمية. وهذا يعادل انبعاثات ما يقرب من 7 ملايين سيارة ركاب يجري تشغيلها لمدة عام.

توتال كانت تعرف تأثير النفط في المناخ

وبحسب التقرير، لا يدري مطورو خط الأنابيب بهذه التأثيرات. وزعمت دراسة حديثة أن شركة «توتال» كانت على دراية بالأدلة المتعلقة بالعواقب المناخية لحرق الوقود الأحفوري منذ عام 1971. وفي بيان لوكالة «فرانس برس»، قال متحدث باسم الشركة إنها «اعترفت علنًا بنتائج علم المناخ منذ 25 عامًا»، وكذلك «الارتباط بصناعة النفط».

وفي العام الجاري، أعادت توتال تسمية نفسها (TotalEnergies) وأعلنت عن أهداف جديدة للطاقة النظيفة، في دفعة للعلامة التجارية الخاصة بالمناخ يقول الناشطون إنها تتناقض مع استثمار الشركة في إيكوب. وفي غضون ذلك، أعلنت الصين مؤخرًا أنها لن تبني محطات فحم جديدة في الخارج، لكنها تواصل الاستثمار في كنوك في أوغندا.

ورَفَعت عدة منظمات غير حكومية محلية دعوى قضائية ضد المشروع، زاعمة أنه يشكل مخاطر وشيكة على المناخ والبيئة والتنوع البيولوجي وحقوق الإنسان.

ودفع أونيسموس موجيني، نائب المدير التنفيذي لتحالف المدافعين عن التنمية والبيئة، ومقره في كمبالا، بأن بعض الأموال التي تذهب إلى مشروعات النفط الجديدة يجب أن تذهب إلى الطاقة النظيفة.

استثمار أوغندا: 1% من أهداف 2040

كان استثمار أوغندا في الطاقة المتجددة محدودًا حتى الآن. ووفقًا لتقرير صدر في يونيو (حزيران) 2020 عن مركز النمو الدولي، وهو مركز أبحاث بريطاني، تمثل الطاقة الشمسية 4% من إنتاج الطاقة في أوغندا، أي 1% فقط من أهداف البلاد لعام 2040.

Embed from Getty Images

ووفقًا لخطة عمل إعادة التوطين الخاصة بالمشروع التي أعدتها الحكومة وشركاء إيكوب لأوغندا، سيتأثر نحو أربعة آلاف شخص بخط الأنابيب. وسيشهد 219 مبنًى سكنيًّا و1157 مبنًى إضافيًّا، بما في ذلك مخازن الحبوب وحظائر الماشية والمباني الإضافية. وسيتأثر أكثر من ألفي شخص تأثرًا مباشرًا في تنزانيا.

ولا يزال هناك إحباط من تأخر السداد لمن باعوا أراضيهم. وندد الناشطون المحليون بإخفاق الحكومة في معالجة مسألة التعويض المتأخر. وبموجب إرشادات أوغندا، يجب إعادة توطين الأشخاص المتأثرين بخط الأنابيب أو تعويضهم نقدًا بناءً على ما يتعين عليهم إنفاقه لاستبدال أراضيهم.

وقال جيرسم بوسينجي، أحد كبار الشخصيات في قرية في مستوطنات كيجونجو، إنه استنفد مناشداته في عملية تقييم الأراضي وأنه يصلي من أجل أن يتدخل الرئيس. وقال: «رحَّبتُ بمشروع الحكومة لأنني لا أملك القوة لوقفه. ولستُ سعيدًا لأن أرضي ومحاصيلي كانت مُثمَّنة بأقل من قيمتها. ولم يعد لدي الطاقة للانتقال إلى مكاتب مختلفة لطلب المساعدة. لقد وقَّعت على نماذج الإفصاح عن التعويض لأنه ليس لدي بديل آخر».

تأخير التعويض يتعارض مع الممارسات الدولية

وقال نهاميا إن التأخير في التعويض ينتهك حقوق الملكية و«يتعارض مع أفضل المعايير والممارسات الدولية للاستحواذ على الأراضي وإعادة التوطين… هناك عدد من القضايا البيئية وقضايا حقوق الإنسان التي لا تزال دون حل».

واعترف أولئك الذين يقفون وراء إيكوب أن المشروع يطرح «عديدًا من التحديات». وقال فريد بازارابوسا، مسؤول الاتصال للأرض والمشاركة المجتمعية، للقادة المحليين في كاكوميرو، لقد: «أدركنا أن هناك عديدًا من التحديات في هذا المشروع، وسيؤدي الفشل في دفع المال للمتضررين إلى تراكم المزيد من التحديات».

وقال إن المشروع يخطط لدفع 15% إضافية للمتضررين عن كل عام تأخر فيه الدفع إليهم منذ 2018.

سياسة

منذ 4 سنوات
جيش الرب الأوغندي.. ماذا تعرف عن الوجه المسيحي لـ«داعش»؟

ويشير الكاتب إلى أن الإحباط المحلي من المشروع لا يتعلق بالمال فقط. وهذه الاضطرابات ليست تجربة جديدة تمامًا من وجهة نظر كثيرين. وأُعِيد توطين بعض الأفراد في كاكوميرو في عام 1992، بعد الاستحواذ على أراضيهم لإنشاء محمية غابات مبوكيا. وأدَّى مشروع النفط الآن إلى إغراق المجتمعات في صراعات على الأراضي، حيث ظهر أفراد أثرياء ليطالبوا بممتلكات كان الناس يعيشون عليها منذ عقود.

واختتم الصحافي تقريره بقول عزرا توينوموجوني، زعيم مجموعة غير رسمية من السكان المتضررين من خط الأنابيب في كاكوميرو، إنه: «قبل الإعلان عن مشروع خط الأنابيب، كنا نعيش في سلام. وإذا لم تُعالَج مشكلاتنا، فسأحشد قومي وسنرفض المشروع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد