تمر الذكرى الثلاثون على توحيد ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية بعد مرور 45 من الانقسام بين الشطرين إثر الحرب العالمية الثانية، وبهذه المناسبة تنشر صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا لمراسلتها في ألمانيا ميليسا إيدي لتوضح فيه حال ألمانيا الديمقراطية الموحدة الآن وتقييم كلّ من الحكومة واستطلاعات الرأي للناس عن مدى نجاح هذا التوحيد في مختلف الجوانب الحياتية.

Embed from Getty Images

رحلة إعادة توحيد ألمانيا

ولد روبرت هيلموندت في ألمانيا الشرقية عام 1989، العام الذي سقط فيه جدار برلين. وبعد حوالي عقدين من الزمان، قرر هيلموندت ترك الجهة الشرقية بعد تخرجه من الجامعة – حاله حال الكثيرين من أبناء جيله الباحثين عن مستقبلٍ أفضل – والانتقال إلى عاصمة ألمانيا الموحدة.

لكنه قرر العودة لموطنه في تورينجن بعد ثلاث سنوات فقط من إقامته في برلين، مقتنعًا بأنه المكان الأمثل في ألمانيا بالنسبة له ولشريكه في العمل؛ إذ كانا بصدد تأسيس شركتهما الناشئة المتخصصة بتقديم منتجاتٍ لتحسين عادات تعقيم اليدين، وتنقل المراسلة تعليق هليموندت على هذا القرار: «أدركنا أنه كان مواتيًا أكثر بكثير في تورنجيا».

تحتفل ألمانيا اليوم بثلاثة عقود على توحّدها، ويعتبر معظم الناس على جانبي الحدود السابقة أن مشروع توحيد ألمانيا أظهر نجاحه وفقًا لما تنقله المراسلة، فقد ارتفعت مستويات المعيشة وتوقفت الهجرة الجماعية من الشرق إلى الغرب، بل انعكس اتجاهها. كما يمكن الاستدلال بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل لألمانيا الموحدة لنصف مدة وجود هذه الدولة، وهي قائدة تنحدر من الشرق وتجسد قيم الديمقراطية الليبرالية الغربية وفقًا لوصف المراسلة.

Embed from Getty Images

قليل من الناس يشككون في الوحدة نفسها، لكن تظهر الاستطلاعات أن غالبية سكان الشرق يعتقدون بعدم اكتمال عملية توحيد ألمانيا حتى الآن. يتساءل كثيرون مثلا عن الجدوى التي حققها إنفاق 1.6 تريليون يورو – ما يقارب 1.9 تريليون دولار – على محاولات رفع مستوى المعيشة في الشرق مقارنة بما يقابلها في الغرب. ما يزال النمو الاقتصادي الشرقي متخلّفًا عن مقابله الغربي، ويعبّر العديد من الشرقيين عن استيائهم تجاه الوضع عبر دعمهم لحزب البديل من أجل ألمانيا اليمني المتطرف المناهض للهجرة.

تقرّ الحكومة الألمانية بأنه ما يزال هنالك عمل للقيام به لإكمال التوحد، وقد صرّحت الحكومة هذا العام في تقريرها السنوي بشأن التقدم المحرز في سيرورة إعادة التوحيد: «عُولج التحدّي الفريد تاريخيًا للجمع بين جزأي البلد المنفصلين لفترةٍ طويلة، من خلال العديد من المشاريع والتدابير. لم تُثبت جميعها نجاحًا واستدامةً»، ويضيف التقرير أنه «لم تكن هناك خطة رئيسة شاملة لذلك». يعرّج تقرير «نيويورك تايمز» على بعضٍ من التدابير والمشاريع التي اتخذتها الحكومة الألمانية بهذا الصدد، ما جرى تنفيذه منها حتى الآن، وما يزال قيد الانتظار.

Embed from Getty Images

الاقتصاد

أكثر من 300 ألف يورو تلقتها شركة هليموندت وشريكه الناشئة المؤسسة في مدينة جينا الشرقية –ما يقارب 350 ألف دولار – على شكل حوافز مالية عامة ضمن الاتجاه الحكومي للمساعدة في تعزيز الاقتصاد الشرقي عبر جذب الشركات الشابة.

بعد توحيد ألمانيا، فقد الشرق جيلًا من الشباب الذين تركوا مناطقهم لما تشهده من معدلات بطالةٍ مرتفعة. اتجه الشباب نحو الغرب بحثًا عن وظائفٍ ومستقبل أفضل بعد بيع أو إغلاق 94% من الشركات المملوكة للدولة في الشرق. منذ ذلك الحين، بدأت مستويات المعيشة الشرقية باللحاق بالغرب تدريجيًا، لكن ما تزال الاختلافات بيّنة.

دولي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: لا أمريكا ولا الصين.. ألمانيا قد تكون قائدة العالم في الأزمة الحالية

يتخلف الناتج الاقتصادي الشرقي بنسبة 70% عن نظيره الغربي، ويكسب موظف بدوام كامل في ولايات ألمانيا الشرقية السابقة أقل بـ15% بالمتوسط لنفس الوظيفة لمقابله الغربي، وذلك وفقًا للإحصاءات الحكومية. لا يضم الشرق أيّ مقر رئيس للشركات الألمانية المساهمة العامة، وتتخلف المناطق الشرقية في مجالات البحث والتطوير والآلات والمصانع.

توقفت الهجرة السكانية في عام 2013 وبدأت تظهر بعض العلامات مؤخرًا على نوعٍ من الهجرة العكسية. لكن المناطق الشرقية فقدت 1.3 مليون شخص في العقود الأولى بعد توحيد ألمانيا، وهو نقص سيستغرق سنوات للتعافي منه – هذا إن كان سيحدث أصلًا – ما تزال الأسر الشابة قليلة؛ ما يعني بالضرورة نسبة أقل من الأشخاص دافعي الضرائب أو منجبي الأطفال.

Embed from Getty Images

يعقّد العداء الواسع للأجانب في الولايات الشرقية السابقة من المشكلة؛ إذ يقلل هذا العامل من جاذبية المكان لطالبي اللجوء وكذلك في الوقت نفسه أمام المهاجرين الباحثين عن عمل ممن قد يتمتعون بالمهارات المطلوبة. تظهر الأرقام الحكومية أن 8.2% فقط من الأشخاص الذين يعيشون في الشرق السابق هم من الأقليات أو من أصول مهاجرة. وفي السنوات الأخيرة، حدثت سلسلة من الهجمات العنصرية، مثل الاعتداء على كنيسٍ يهودي و متجر كباب في مينة هاله العام الماضي، وأعمال عنفٍ وشغبٍ مناهضة للمهاجرين في كيمنتس عام 2018.

تنقل المراسلة عن الخبير الاقتصادي في المعهد الاقتصادي الألماني كلاوس هاينر رول قوله: «التطوير الديموغرافي هو كعب أخيل في ألمانيا الشرقية». وقد أنشأت الحكومة الفيدرالية الآلاف من وظائف الخدمة العامة من أجل جذب المزيد من الأشخاص إلى المنطقة، وقدمت حوافز لجذب رواد الأعمال والشركات الناشئة مثل شركة هيلموندت والذي تنقل عنه المراسلة قوله: «نظرًا لانخفاض تكلفة المعيشة، يمكننا توظيف موظفين مؤهلين بنفس القدر وبرواتب أقلّ من مستوى الرواتب في برلين أو ميونيخ».

المشهد السياسي

يعد صعود حزب بديل لألمانيا اليمني المتطرف أكبر اضطراب في المشهد السياسي منذ إعادة التوحيد وفقًا للمرسلة، ويتمتع هذا الحزب بقاعدته الشرقية إذ يعتبر ثاني أكبر حزب في العديد من الولايات الشرقية السابقة، وكذلك في ساكسونيا وتورنجن هو الأكثر شعبية بين الناخبين دون سن الثلاثين.

تستشهد المراسلة باستطلاعٍ أجرته شركة يوجوف على 2034 شخصًا، وتبيّن نتيجته أن ستة من كل 10 ألمان يرون نجاح إعادة التوحيد بصورة عامةٍ، لكن أكثر من ثمانية من كل 10 أشخاص يسكنون في ألمانيا الشرقية السابقية يعتقدون بعدم اكتمال إعادة التوحيد، بل يعتقد الثلث هناك بفشلها.

Embed from Getty Images

شهدت ألمانيا تصاعدًا في نشاط وتطرف أقصى اليمين بصورةٍ عامة، لكن شعبية حزب البديل بين الناخبين في الشرق ساعدت على تحول المجتمع هناك إلى اليمين بأكمله. في الشرق، نجح الحزب لأول مرة في 2014 في الفوز بمقاعد في المجالس التشريعية الإقليمية، ومن ثم استمر في الفوز بـ13% من الأصوات في الانتخابات العامة لعام 2017، مدفوعًا من قبل الناخبين الشرقيين ليغدو أكبر حزب معارض في البرلمان.

هؤلاء الألمان الشرقيون الذين لا يعتقدون بنجاح إعادة التوحيد يعكسون المرارة المتبقية مع مرور ثلاثة عقود من بدء مشروع التوحيد في 3 أكتوبر 1990، ويشعر الكثير منهم بنوستالجيا لما فقدوه مع نيلهم حريتهم آنذاك، الأمور التي كانت تؤمّنها الدولة مثل الوظائف المضمونة والرعاية المجانية للأطفال.

المساواة الجنسانيّة

قد يشعر البعض من سكان ألمانيا الشرقية السابقة على ما فقدوه أثناء عملية إعادة التوحيد، لكن إحدى المجالات الرئيسة التي لم تفقد أعراف الشرق فيها – بل أثّرت على الغرب – هي دور المرأة في المجتمع. منحت ألمانيا الشرقية المرأة الحق في العمل والأجر المتساوي عام 1949، وقدمت لاحقًا مزايا مثل إجازة الأمومة مدفوعة الأجر لمدة عام ورعاية الأطفال الممولة من الدولة بدوام كامل. انتهت هذه الأمور من بعد اعتماد معايير ألمانيا الغربية في فترة ما وراء إعادة التوحيد.

في المقابل كافحت النساء في ألمانيا الغربية السابقة للانفصال عن أدوار الجنسين التقليدية التي تخصص العمل للرجل ورعاية الأسرة للنساء في المنازل. تعمل 74% من النساء في الشرق مقابل 68% في الغرب وفقًا لما يورده التقرير.
تبين دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة كوليدج لندن وجامعة كوين ماري في لندن أن انتقال النساء من الشرق إلى الغرب بحثًا عن وظائف، تسبب في نقلهنّ لقيم الثقافة الأكثر تساويًا التي ولدن فيها وعايشنها ما قبل التوحيد. تعكس النتائج تحولًا في المجتمع الألماني المغري؛ ما يجعل موازنة المرأة بين الأسرة والمهنة الآن أكثر قبولًا اجتماعيًا.

وتنقل المراسلة عن الأستاذة المساعد في كوين ماري آنا راوت قولها: «نظرنا إلى نساء ألمانيا الشرقية اللاتي يعملن في شركاتٍ في الغرب، ووجدنا أنهن ما زلن يتصرفن مثل ألمانيات شرقيات لحدّ كبير، على الرغم من بيئتهم».

Embed from Getty Images

منذ أن تولت السيدة ميركل مهامها في إدارة البلاد عام 2005، استثمرت ألمانيا في الإجازة الوالدية المشتركة ورعاية الأطفال، ووضعت معايير جديدة ليشاركها الجيل الناشئ ما بعد توحيد ألمانيا. أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي يوم الخميس السابق تخصيصه 500 مليون يورو لتوسيع رعاية ما بعد ساعات العمل لتلاميذ المدارس الابتدائية.

تختتم المراسلة بتعليقٍ لرجل الأعمال الذي عاد إلى الشرق روبرت هلموندت: «إن إعادة توحيد ألمانيا، والثورة السلمية التي أدت إليها، أمر من أقوى رموز السلام والعقلانية والتسوية في تاريخ العالم. عليك ثني الواقع حقًا لكي لا تعتبرها نجاحًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد