يتصور كثير من الناس أن الأمراض النفسية تؤثر فقط على الصحة العقلية، والحالة المزاجية، ويغفلون وجود اضطرابات الأكل النفسية التي تؤثر على الجسم أيضًا، ذلك لأن الصورة السائدة عن المريض النفسي أنه هو ذلك الشخص المسجون في غرفة مستشفى ويُعالج بالصعقات الكهربائية.

في هذا التقرير الذي نشره موقع «ذا كونفرزيشن»، تناقش الباحثتان، جوان ديملر و سنيد بروفي، اضطرابات الأكل النفسية، وتأثيرها على كل من الصحة العقلية والبدنية، لكونها من الأمراض النفسية الخطيرة، والمنتشرة بكثرة بين صغار السن.

وأشارت الباحثتان إلى أن نسبة المصابين باضطرابات الأكل النفسية، مثل فقدان الشهية العصبي أو النُهام العصبي، داخل المملكة المتحدة فقط تعدّت 1.6 مليون مصاب، وتؤثر هذه الاضطرابات على المرأة الهشّة بالدرجة الأولى، مع احتمالية أن يعاني منها الرجل أيضًا، ويُشخَّص الغالبية بهذا المرض خلال فترات المراهقة أو البلوغ المبكر.

وأكّدت الباحثتان على حتمية التشخيص المبكر والعلاج لمن يعانون من اضطرابات الأكل النفسية، على الرغم من اعتقادهما بأن العديد من الناس لا يسعون دومًا للحصول على المساعدة -حتى وإن حاولوا الحصول عليها، فسوف يجدوا صعوبة في العلاج.

Embed from Getty Images

ولا يجري تشخيص الكثير من الناس، أو علاجهم، في الوقت المناسب، بالإضافة إلى قلة المراكز المتخصصة في هذا المرض داخل الدولة، وضآلة التمويل أيضًا.

وتعتقد الباحثتان أن هذا الأمر يدعو للقلق بصورةٍ خاصة؛ ذلك لأن اضطرابات الأكل النفسية تسجّل أعلى معدل للوفيات من بين جميع الأمراض العقلية، سواءً بسبب العوامل الجسدية أو محاولات الانتحار.

وتوصَّل البحث الذي أجرته الباحثتان، ونُشِر مؤخرًا في «الدورية البريطانية للطب النفسي»، إلى عدة مؤشرات صحية تحذيرية من شأنها أن تُحدِّد الشخص الذي يعاني من اضطرابات الأكل النفسية، مما يُمكن أن يساعد الأطباء على تشخيص وعلاج هذه الحالات في وقتٍ أبكر بكثير.

تأثير اضطرابات الأكل النفسية على الجسم والعقل

بالاعتماد على قاعدة بيانات مجهولة المصدر من أرشيفات الأطباء والمستشفيات، فحصت جوان وسنيد الحالة الصحية لـ15558 ممن شُخصوا بأحد اضطرابات الأكل النفسية بين عاميّ 1990 و2017 في ويلز -إذ كان 4870 منهم مصابًا بفقدان الشهية العصبي، و4836 مصابًا بالنهم العصبي، و5852 منهم مصابًا باضطرابات الأكل الأخرى.

وبحسب التقرير، كانت أعمارهم تتراوح بين 10 و65 سنة، وغالبيتهم من النساء، وجرى تشخيص معظمهم بتلك الأمراض بين سن 15 و19 عامًا. ووجد البحث أن هناك على الأرجح 24 شخصًا من كل 100 ألف شخص جرى تشخيصهم بهذا المرض في عام 2017 فقط، وهو ما يعادل مريضًا واحدًا جديدًا سنويًا لكل طبيب عام بمعدل ممارسة متوسط الحجم يصل إلى خمسة آلاف مريض.

وقارنت الباحثتان بين مجموعة من هؤلاء الأشخاص وعدة مراقبات أجراها العامة في ويلز، ولم يكن هؤلاء الناس ممن يعانون من اضطرابات الأكل النفسية، لكنهم كانوا من نفس العمر والجنس.

من بينها «الموت من الحب».. 4 أسباب نفسية قد تؤدي إلى الموت المفاجئ

وأشار التقرير إلى أن الباحثتين نظرتا على وجه التحديد إلى العامين ما قبل إصابة هؤلاء الأشخاص باضطرابات الأكل، والأعوام الثلاثة التي تليها من أجل اكتشاف الظروف الصحية الأخرى التي مروا بها أثناء تلك الفترة.

وخلال العامين السابقين لتشخيص حالتهم، وجدت الباحثتان أن المصابين باضطرابات الأكل كانوا أكثر عرضةً لاضطرابات الصحة العقلية، مثل اضطرابات الشخصية وشرب الكحوليات والاكتئاب، وكانوا أكثر ميلًا للحصول على المساعدة إثر التعرض لحادث أو إصابة أو إيذاء النفس.

وكشفت الدراسة البحثية عن إصدار عدد كبير من الوصفات الطبية للأشخاص الذين جرى تشخيصهم بأحد اضطرابات الأكل النفسية، للحصول على عقاقير للنظام العصبي المركزي (مثل مضادات الذهان ومضادات الاكتئاب)، وعقاقير للجهاز الهضمي (للتخلص من الإمساك على سبيل المثال)، ومكملات غذائية (مثل متعدد الفيتامينات) مقارنةً بعامة السكان، وأشار التقرير إلى ظهور هذه النسب المرتفعة للحالات المَرضية والأدوية خلال الأعوام الثلاثة التالية للتشخيص أيضًا.

الدعم داخل المجتمع

تُؤمن جوان وسنيد بوجود قصور في هذا البحث العلمي رغم ذلك؛ إذ لم يتمكنا مثلًا سوى من متابعة حالات سبق تشخيصها بالفعل بأحد اضطرابات الأكل النفسية.

وكما ذكرا سابقًا، فعلى الرغم من المعدلات المرتفعة للأشخاص المصابين بهذه الاضطرابات ممن يحاولون الحصول على المساعدة الطبية لأغراض أخرى مثل إيذاء النفس، إلا أن الكثير منهم ما يزال يحاول أن يخفي اضطراباته الغذائية في النهاية، مما يزيد صعوبة مهمة الأطباء في تشخيصهم.

Embed from Getty Images

لذا يُعتقد، حسب ما جاء في التقرير، أن النسبة الحقيقة للمصابين باضطرابات الأكل أعلى بكثير من العدد الذي يجري علاجه.

ومع ذلك، تقترح هذه الدراسة البحثية أنه من الممكن مُعالجة غالبية المصابين باضطرابات الأكل من خلال الأطباء، وليس داخل عيادة مختصة في مكانٍ محدد.

ومن خلال الربط بين الإشارات التحذيرية، مثل إيذاء النفس واستخدام عقاقير محددة، تأمل الباحثتان في أن يمتلك الأطباء قدرة التعرف على المزيد من الأشخاص المعرضين للخطر بسبب اضطرابات الأكل.

وتؤكد أيضًا هذه الدراسة على الحاجة إلى توفير متخصصين في الرعاية الصحية، مُدرّبين ومدعومين، من أجل إتاحة العلاج المبكر داخل المجتمع. فمن خلال السعي إلى مساعدة أولئك المصابين باضطرابات الأكل عاجلًا، سوف نتمكن من منع المعاناة العظيمة وخسائر الأرواح، طبقًا للتقرير.

وختامًا، نصح التقرير بزيارة موقع جمعية «بيت» الخيرية للمزيد من المعلومات والحصول على المساعدة. في حال سبب هذا التقرير شعورًا بالتوتر أو القلق في ما يخص اضطرابات الأكل النفسية، بالإضافة إلى أنهم أنشأوا تطبيقًا مجانيًّا ثنائي اللغة «حمية أم اضطراب Diet or Disorder» بالتعاون مع «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» البريطانية، من أجل دعم ومساعدة أي شخص يُراوده القلق من أنه -أو شخص آخر- ربما يكون مصابًا باضطراب في الأكل.

لا تستطيع التوقف عن الأكل؟ 5 طرق علمية ستساعدك في التحكم بشهيتك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد