تعتقد طهران أن بإمكانها تحقيق الازدهار في ظل نظام سلطوي حاكم على الطريقة الصينية؛ لكن القادة الإيرانيين لن يتخلوا عن الثورة الإسلامية، أو يقدموا للمواطنين مستويات معيشية مرتفعة مقابل الرضوخ والإذعان.

كتب وانج شيويه، طالب لدرجة الدكتوراه في جامعة «برينستون» وباحث في معهد «واشنطن إنتربرايز» في واشنطن، مقالًا، نشرته مجلة «فورين بوليسي»، تناول فيه تطلعات إيران لتقليد النموذج الاقتصادي الصيني. ويرى الكاتب أن إيران من الصعب أن تسير على خطى الصين؛ لأن النظام الإيراني الذي يستمد شرعيته من الدين لا يحتاج إلى شرعية من الشعب؛ بل يعتمد على بعض النخب، كما أن إيران في حالة ثورة مستمرة، وتعتمد على صادرات الموارد الطبيعية بصورة تجعلها غير مؤهلة للسير على خُطى الصين.

يقول الكاتب في مستهل مقاله إنه في عام 1979، خضعت إيران والصين لتحولات ثورية. وفي الصين، أقام دينج شياو بينج علاقاتٍ دبلوماسية رسمية مع الولايات المتحدة، رافضًا الثورة الثقافية الماوية التي دمَّرت البلاد. وفي إيران، حل محل الشاه محمد رضا بهلوي نظامٌ إسلامي ملتزم بمعارضة الولايات المتحدة، وتصدير أيديولوجيته الثورية. وأدَّى أحد هذه الاضطرابات إلى ثروة الصين وقوتها غير المسبوقتين، بينما ترك الاضطراب الآخر إيران غارقةً في ركودٍ اقتصادي.

وفي الخامس من أغسطس (آب)، سيُنصَّب إبراهيم رئيسي ثامنَ رئيس لإيران منذ الثورة. وكانت إدارة بايدن حريصةً على العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني قبل أن يتولى هذا المتشدد منصبه. لكن لا داعي للقلق: إذا اختارت الإدارة دعم الضغط حتى تعود إيران إلى الامتثال النووي، فقد يوقِّع رئيسي على خطة العمل الشاملة المشتركة القديمة. وسيحتاج إلى تخفيف العقوبات لمعالجة الأزمة الاقتصادية الوجودية للنظام.

منطقة الشرق

منذ شهرين
«ميدل إيست آي»: 5 من أكثر تصريحات رئيس إيران الجديد إبراهيم رئيسي إثارة للجدل

ويمضي الباحث إلى أنه من المتوقع أن يعطي رئيسي الأولوية للنمو الاقتصادي ويسعى لتقاسم الأرباح مع الإيرانيين لاستعادة شرعية النظام. وإذا نجح في ذلك، فإن مثل هذا السيناريو سيكون أقرب إلى نموذج الصين المتمثل في الازدهار في ظل الاستبداد. لكن هذا لن يحدث. إن تجربة إيران التاريخية، والطبيعة الثورية الإسلامية للنظام، وهيكل الاقتصاد الإيراني، كل ذلك يُملِي على النظام الإيراني ألا يتبنى «نموذج الصين» في التنمية.

تطبيق نموذج صيني في التنمية ليست فكرة جديدة

وأكد الباحث أن فكرة تطبيق نموذج صيني ليست جديدة على إيران، فقد ظل القادة الإيرانيون والمحللون ذوو العقلية الإصلاحية يتقاذفون هذا المصطلح على مدار عقودٍ. ولكن حتى الآن، حتى النسخة الإيرانية من النموذج الصيني – التي توفر الرخاء والانفتاح الاقتصادي المحدود لشراء سكوت الجماهير الرافضة للسياسات المُتَّبعة – كانت بعيدةَ المنال عن أيدي حكام طهران. ومع ذلك، فإن منابع الإيمان لديهم أبدية، وقد حفزت العلاقات الاقتصادية الجديدة مع بكين بواعث الأمل في أنه مع تخفيف العقوبات على يد الرئيس الأمريكي جو بايدن، فإن جميع المكونات الضرورية ستجتمع معًا.

إن تفكير القادة الإيرانيين يمضي على النحو الآتي: لقد عانى الاقتصاد الإيراني لأن العالم ألحق الأذى بالجمهورية الإسلامية بسبب برنامجها النووي المشروع، وسياستها لمساعدة جيرانها وإخوانها في الدين ضد العدوان الخارجي. وقد سعى قادة طهران، الذين تجمعوا تحت راية «المقاومة»، إلى تصوير سوء الإدارة الاقتصادية لديهم على أنها نِتاج قوى خارجية.

وهذه هي المشكلة. لقد بدأت الإصلاحات الاقتصادية الصينية في عام 1979 بوصفها محاولة شعبية فُرِضت على دولة الحزب الواحد بسبب فشل الاقتصاد الموجَّه. وفي إيران، تعتمد الدولة على صادرات الموارد اعتمادًا أكبر بكثير من اعتمادها على مشاركة المواطنين في الاقتصاد لتظل واقفة على قدميها من الناحية المالية.

التحرير الاقتصادي جاء بعد ثورة ماو الثقافية

ولفت الكاتب إلى أن التحرير الاقتصادي الصيني جاء في عام 1979 بعد ثورة ماو تسي تونج الثقافية الكارثية (1966-1976). ولم ينتج من الاقتصاد الموجَّه المقترن بالفوضى السياسية سوى الصدمة. ولكن بحلول أوائل السبعينيات من القرن الماضي، بدأ الفلاحون الذين يتسمون بسعة الحيلة في جنوب شرق الصين أنشطة السوق على نحو عفوي دون مباركة الدولة. وكانت مقومات الاقتصاد المستقل عن الدولة موجودةً بالفعل.

Embed from Getty Images

وفي أعقاب الثورة الثقافية، أدرك دينج خليفة ماو أنه إذا لم تستطع دولة الحزب الواحد إيقاف السوق، فعليها أن تجعله يتماشى مع مصالحها على الأقل. وأدرك دينج أيضًا أنه لكي يحافظ الحزب الشيوعي الصيني على احتكارِه للسياسة، عليه أن يوفر نموًّا اقتصاديًّا حقيقيًّا. وهكذا استهدف الحزب الشيوعي الصيني تطهير الماويين العقائديين وشرع في تحرير اقتصادي من القاعدة إلى القمة، وتخلى تدريجيًّا عن الاقتصاد الموجَّه. وكان الإنجاز الرئيس للحزب الشيوعي الصيني هو السماح للمواطنين الصينيين بالتمتع بدرجةٍ عاليةٍ من الحرية الاقتصادية، وتقاسم مكاسب النمو الاقتصادي الموجَّه من جانب الدولة.

ويشير الكاتب إلى أنه في العقود الأربعة الماضية، بنى دينج وخلفاؤه شرعية الحزب الشيوعي الصيني على النمو الاقتصادي السريع والتحسن الملموس في مستويات المعيشة. ويُحسب للحزب أن قدرته على الوفاء بوعوده الاقتصادية قد ولَّدت دعمًا شعبيًّا كبيرًا، على الرغم من الاختناق الذي وصل إليه نموذج التنمية في السنوات الأخيرة وتدهور الحرية السياسية في البلاد.

مفارقة توكفيل

ويستدرك الكاتب قائلًا ولكن على النقيض من ذلك، يحكم إيران نظام رجال دين إسلامي ثوري صارم منذ عام 1979. واستولى النظام الديني على السلطة خلال أحداث في إيران تُعد مكافِئة لمفارقة توكفيل: عدم قدرة الشاه على إدارة الإحباط الشعبي المتزايد وسط تحسن الظروف الاجتماعية والاقتصادية بوجه عام. (مفارقة توكفيل أو تأثير توكفيل هي ظاهرة توضح أنه مع تحسن الظروف الاجتماعية والفرص، ينمو الإحباط الاجتماعي بسرعة أكبر).

وأسَّس نظام ما بعد الشاه بعد عام 1979 شرعيته على الدين، والحساسية المفرطة تجاه السيادة، والشعور المتضخم بالقوة الإيرانية. ولم تكن الحرية السياسية ولا النمو الاقتصادي للشعب الإيراني موضع اعتبار كبير في حسابات النظام، إما بمعنى وجود صمام تنفيس لتقليل الضغط الاقتصادي المحلي، أو بوصف ذلك جزءًا من اتفاق على النمط الصيني بتقديم حقائب ماركة «جوتشي» باهظة الثمن مقابل الرضوخ السياسي.

Embed from Getty Images

وتبرر القيادة الإيرانية حكمها المُستَمد من الله بالخلاص الديني، حتى لو فشلت اقتصاديًّا (بمعنى أننا إذا فشلنا في الدنيا، فسوف نفوز في الآخرة). إنها ترى شرعيتها متأصلة في الإسلام، وليست مكتسبة، ومبنية على مفهوم الحكم الإسلامي والثوري المستمر. ونتيجةً لذلك، لا تجذب سلطوية السوق الحقيقية على الطريقة الصينية ملالي طهران، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالحكام العسكريين التابعين للحكومة في الحرس الثوري الإسلامي. والنظام مقتنع بأن الحفاظ على ولاء زمرة من النخب وقمع أي تحدٍ بوحشية مع الحفاظ على مظهر أساسي لدولة الرفاهية للطبقات الدنيا من المجتمع هو الصيغة السرية لاستمرارية النظام.

النظام الإيراني لا يحتاج إلى شرعية من الشعب

وألمح الكاتب إلى أنه في خضم الانطلاق الاقتصادي للصين في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، طرح دينج إستراتيجية من 24 ملمحًا فيما يتعلق بدور الصين في النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة. وأكد دينج للصينيين والأجانب على حدٍّ سواء أنه ستكون هناك بيئة سياسية مستقرة في الصين للتنمية الاقتصادية. لكن في إيران، على الرغم من أن النظام يتبنى فكرة محاكاة النموذج الصيني بجدية أكبر، فإن حالة الثورة الدائمة ستمنع هذا النموذج من العمل.

إن الثورة الإسلامية المستمرة في إيران وعداء النظام الجوهري تجاه الغرب، وخاصةً الولايات المتحدة، يتعارض على نحوٍ أساسي مع بيئة السياسة الداخلية والخارجية المستقرة المطلوبة لتحقيق نمو اقتصادي مطَّرد يتجاوز تصدير الموارد الطبيعية.

منطقة الشرق

منذ شهرين
مترجم: كيف يغير الحرس الثوري شكل السينما الإيرانية؟

وباختصار، لن يساعد رئيسي ولا شي جين بينج ولا أصدقاء إيران في إدارة بايدن إيران على تحقيق تحول في النموذج الصيني. إن النمو الاقتصادي الذي قد يكون نتيجة تخفيف العقوبات أو العقود الجديدة مع الشركات الصينية، لن يركز على تأمين الشرعية للقوى الموجودة في طهران. هذا لأنه لا آية الله علي خامنئي ولا رئيسه المختار يعتقد أنه يجب عليهم السعي وراء الشرعية من الشعب الإيراني، ولا يوجد أي دليل على الرغبة في تقديم مكاسب اقتصادية لهم.

وبدلًا من ذلك، سيُستخدَم أي تدفق نقدي إلى إيران – كما كان دائمًا – لاستمالة النخب من خلال السلطة والثروة، وتقوية النظام، وتأمين سلطته، وتعزيز أجندته الإقليمية، مثل دعم وكلائِه مثل حزب الله وتمويل برنامج الصواريخ الإيراني. وهذا «النموذج الإيراني» سوف يتفوق دائمًا على النموذج الصيني، بغض النظر عن مدى جاذبية فكرة استيراد إصلاحات دينج إلى طهران من وجهة نظر القادة الإيرانيين.

الصينيون تخلوا عن الثورة السياسة لاحتضان ثورة اقتصادية

ويختتم الكاتب مقاله بقوله إنه بسبب الظروف التاريخية، عزَّز الشيوعيون الصينيون دولة الحزب الواحد بالتخلي عن الثورة السياسية لاحتضان ثورة اقتصادية وأعطوا الشعب مكاسب اقتصادية مقابل الرضوخ والإذعان. ولم يؤمن قادة إيران أبدًا بأنهم بحاجة إلى شرعية شعبية للحكم. ومن أجل البقاء في السلطة، لن يثري رجال الدين في طهران الشعب الإيراني، خشية أن يبدأ الإيرانيون في المطالبة بمزيدٍ من الحقوق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد